مركز الفجر يقدم : (العالم على أعتاب الفوضى) \

بقلم الشيخ المجاهد : عبد الله خالد العدم (أبو عبيدة) رحمه الله

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

كنت جالساً قبل ما يقرب من تسعة أشهر أي قبل اندلاع الثورات العربية المباركة إلى الشيخ الحكيم عطية الله الليبي وقد عزمت أمري قبل لقائه على كتابة مقال أتناول فيه الفوضى وأهمية خلقها في بعض الدول العربية والإسلامية القابلة للاستجابة لمثل هذا النوع من الفوضى، وفق شروط معينة ومعايير خاصة، حيث قطرة دم مسلم واحد أحب إلي من الدنيا وما عليها.

لقد تأكد في نفسي بعد طول تفكير وإمعان نظر في حال الأمة، أن لا سبيل لخلاصها مما هي فيه من الذلة والمهانة، وتسلط عُبَّاد الصليب وطواغيت الحكم الجبري عليهم، إلا بوجود شكل خاص من أشكال الحياة يسود المجتمعات العربية والإسلامية تتهيأ فيه هذه المجتمعات تدريجياً لتحقيق موعود الله بخلافته في الأرض، وهذا الشكل من أشكال الحياة هو ما أسميه أو أسميته في حينه بالفوضى المحمودة، حيث ستفسح هذه الفوضى مجالاً لخلق بيئة مناسبة وإيجاد تربة خصبة لنمو الحركات الجهادية وتمددها بطريقة يصعب على العدو التعامل معها بالطرق المعهودة في القضاء على الحركات الجهادية، وسيترتب على خلقها كذلك بعثرة أوراق المنطقة العربية، وبالتالي بعثرة أوراق العالم بطريقة وشكل يصعب على أحذق المفكرين التنبؤ بحاله وكيفيته والصورة التي سيكون عليها.

ولعظيم ما أنا مقدم عليه فقد تناولت في تلك الجلسة مع الشيخ عطية الله على وجه المشورة والرأي رغبتي في كتابة هذا المقال، ففاجأني أكرمه الله بسابق مشاورته لشيخنا الشهيد أسامة بن لادن رحمه الله في مثل هذا الذي عرضته عليه أو نحو ذلك، وأشار عليَّ أكرمه الله أن لا أتناول هذا الأمر ولا أخوض فيه بحثاً أو كتابةً لما يترتب على ذلك من رمي للمجاهدين وطعنٍ بهم من قِبَل المتربصين كما أشار عليه بذلك شيخنا الشهيد أسامة بن لادن مسبقاً، ثم كان الذي أشار به عليَّ في حينه.

أما اليوم ولله الحمد والمنة وقد أجرى الله على أيدي عباده ما كنا نرجوه ونمني أنفسنا بحدوثه وذلك بحركة الشعوب العربية نفسها، لأنه لا سبيل للقضاء على طواغيت الحكم الجبري، وإزالة ركام قرن من الذلة والمهانة عن الأمة، وإعادة المسلم إلى مكانه الطبيعي الذي اختاره الله له إلا بذلك، فليس لدعي متربص بالجهاد والمجاهدين أن يرفع عقيرته بالطعن علينا فيما نعرضه ونسوقه، ونرجو الله أن يزيده لما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإذا كان ولا بد فاعل فليطعن على الشعوب ثورتهم وقومتهم وانتفاضتهم على جلاديهم ولا إخَالُ عاقلاً يفعل ذلك اليوم.

لقد جال في خاطري في تلك الأيام أن تسود الفوضى المحمودة في بعض الدول العربية والإسلامية القابلة والمهيأة ظروفها وأحوالها لِتَقَبُّلَ ذلك، أما اليوم ولله الحمد والمنة فليس الدول العربية وحدها تسير نحو الفوضى المحمودة بل العالم برمته بما فيه بلاد الروم بشقيها الأوروبي والأمريكي يسير نحو ذلك، وإن كان بخطىً أضعف مما هو عليه الحال في البلدان العربية.

فالبلاد العربية وخاصة تلك البلاد التي تفجرت فيها الثورات الشعبية بشكل مزلزل، لا يمكن لها أن ترجع للوراء ولو خطوة واحدة بإذن الله تعالى، بل هي في طريقها إلى مزيد من التحرر من ربقة الطاغوت وتحكمه، حيث بدأت تأخذ هذه الدول طابعاً وشكلاً من أشكال الحياة العربية البدائية الشبيه بما قبل تشكل الدول بمفهومها المعاصر، وهي نحو مزيد من الاستقلالية الذاتية الداخلية، وذلك على درجات متفاوتة كل على حسبه، وإن الذي يظن واهماً أن البلاد العربية يمكن أن يستقر أمرها أو تعود إلى سابق ما قبل الثورة، أو يُمني نفسه أن تؤتي الديمقراطية أكلها على الطريقة الغربية فيتم تداول السلطة على النمط الغربي بين الأحزاب المختلفة، ويسود الاستقرار السياسي والأمني هذا لا يدرك حقيقة ما يجري اليوم فضلاً عن معرفته بطبيعة الشعوب العربية التي لا تقبل طبيعتها وتكوينها ما يعرف بالحكم الديمقراطي وتداول السلطة وذلك للأسباب التالية:

الأول منها: أن طبيعتهم القبلية تمنع انقياد بعضهم لبعض ولا يتم اجتماعهم وانتظامهم مع وجود الفوضى والسلاح بأيديهم إلا بوجود صبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة كما قال ابن خلدون في مقدمته، وهذا ممتنع وجوده في ظل الديمقراطية الغربية.

الثاني: أن تعدد الطوائف الدينية والقومية في الدولة الواحدة يمنع الاستقرار السياسي غالبا، وبالتالي تداول السلطة بين الفرقاء بطريقة سلسة، وما العراق ولبنان وفلسطين عن ناظر كل لبيب ببعيد.

الثالث: أن العرب خاصة والمسلمين عامة أبعد ما تكون ثقافتهم عن تقبل مثل هذا النوع من الحكم وفهم طبيعته، فهم لم يعتادوا عليه ولن يعتادوا لسابق ما ذكرنا من حالهم.

الرابع: أن الإنسان العربي لا ينقاد إلا بالدين أو بالقوة وليس من المعقول أن يتسلط عليهم طاغوت آخر يسوسهم بالحديد والنار حتى يخضعوا له بعد أن حطموا بدمائهم صنم الوهن الذي حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم، والنظام الديمقراطي لن يحكم الناس بالدين ولن يحكمه بالحديد والنار وبالتالي لن تفلح في قوم اسمهم العرب.

الخامس: أن الديمقراطية لن تحقق للمواطن العربي الكثير من تطلعاته، ولن تجلب له لقمة العيش التي انتفض من أجلها في بعض المواطن، حيث أن هذه الدول لا تملك مقدرات ذاتية تلبي بها حاجات مواطنيها، وبالتالي لن يشعر المواطن العادي بأي تغيير حقيقي في معيشته، وسيتكرر المشهد القديم ذاته من خروج للشوارع وإطاحة للحكومات والعودة بالتالي للمربع الأول.

أما الروم اليوم بشقيها الأوروبي والأمريكي عصب الاستقرار الكوني فتسير بخطى مسرعة نحو الهاوية الاقتصادية والإفلاس المهلك وما نراه ونسمعه من وضع خطط لتلافي الانهيارات الاقتصادية ما هو إلا محاولات ترقيعية مؤقتة لن تلبث إلا وتتداعى، لأن هذا النظام الرأسمالي الذي أعلن الحرب على الله بأكله أموال الناس بالباطل لا يمكن أن ينتصر في حربٍ خصمُه فيها الجبار المنتقم الذي يأخذ أعدائه في أوج قوتهم وغرورهم.

ولا شك أن هذه الثورات العربية التي تمهد لحدوث فراغ سلطوي يعقبه لا شك فوضى عارمة تعيد المنطقة العربية إلى حكم الطوائف والقبائل، ستبعثر أوراق النظام العالمي القائم ما قبل الثورة، وستشكل عاملاً مهماً في خلخلة الاقتصاد الغربي، وبالتالي دفعه إلى مزيد من الإنهاك الذي سيساهم في تدميره كليةً بعون الله.

إن أمريكا اليوم تحتضر بل هي في رمقها الأخير والفوضى إليها أقرب من شقها الآخر أوروبا، فالدولار عصب التماسك الاقتصادي الكوني الجامع للخليط الإثني في الولايات المتحدة الأمريكية يتعرض لهزات قاصمة بسبب تخبطات الاقتصاد الأمريكي الذي أثخنته الحرب على أسموه الإرهاب، والاقتصاد الأمريكي عماد الاقتصاد العالمي يمر بأقصى حالات التأزم، فانهياره يعني انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية وانهيار الاقتصاد العالمي يعني الفوضى.

وكما أسلفت فإن الولايات المتحدة الأمريكية أقرب إلى الفوضى من غيرها لأنه ليس هناك جامع لهذه الولايات المختلفة عرقياً وإثنياً ومذهبياً يجمعهم سوى الدولار وقوة الاقتصاد، فإذا ضعف اقتصادها وانهار ستنهار معه هذه الوحدة الهشة، فليس هناك قومية جامعة تتعصب فيما بينها لتفادي الانهيار والفوضى، وليس هناك مذهب جامع لهم يجمعهم من التفرق والشتات، ليس هناك سوى شيء محسوس واحد تعبده المجاميع الأمريكية وهو إلههم الأوحد ألا وهو الدولار.

إن تهاوي الأصنام العربية التي جثمت على صدور المسلمين عقوداً طوالاً، ودخول المنطقة العربية بفوضى لا أرى لها منها مخرجاً على المدى المنظور، ووقوف الروم بشقيها الأوروبي والأمريكي على حافة الهاوية الفوضوية تنتظر نطحة التردي الأخيرة في مهاويها، أقول إن هذا الذي ذكرت يذلل الصعاب ويزيل عوائق التمكين أمام المؤمنين، ويهيئ العالم لاستقبال الخلافة الراشدة التي بشر بها نبينا الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، هذا الضيف الجديد الذي سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وكأني أنظر الساعة ليوم بعاث وقد هلكت صناديد الأوس والخزرج وتهيأت المدينة لاستقبال سيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه المهاجرين وإقامة دولة الإسلام الأولى، تقول الصديقة عائشة ابنة الصديق رضي الله عنهما: كان يوم بعاث يوماً قدَّمه الله لرسوله فَقَدِم المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم.

فهل يا ترى يتكرر المشهد وتكون الثورات العربية لمسلمي آخر الزمان، كيوم بعاث لمسلمي الصدر الأول.؟ هذا ما ستفسح عنه الأيام القادمة.

وعلى ضوء هذا القادم فإني أنصح المسلمين عامة والطلائع الجهادية خاصة بما يلي:

أولاً: الاحتفاظ بالسلاح الذي هو رمز العزة والوجود وتخزينه لما هو قادم من أيام، وعدم تسليمه لأي كان من مسميات مهما كان تاريخها، وعدم الاغترار بالوعود الزائفة من قبل أحد، ولا يجب أن يغيبنَّ عن بالك أخي المجاهد أن هذا السلاح الذي أكرمك الله بحمله إنما يجب استخدامه فيما أوجبه الشرع من القتال الشرعي المنضبط بعيداً عن النزاعات القبلية والعصبيات الجاهلية، ويجب أن يُعلم في هذا المقام أن دماء المسلمين معصومة ولزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دمٍ بغير حق.

ثانياً: التهيؤ نفسياً وجسدياً ومادياً وفكرياً لما هو قادم من حروب وصدامات مع العدو الداخلي والعدو الخارجي وإن كنت أستبعد هذا الأخير لضعفه اقتصادياً عن التحرك في اتجاه شن حرب هنا أو هناك في المدى المتوسط، وما حصل إلى الآن ما هو إلا بداية المشوار نحو الخلافة الراشدة الموعودين بها.

ثالثاً: التهيؤ بشكل جدي ووضع الخطط المناسبة لملئ الفراغ السلطوي، وإدارة مناطق التوحش التي ستتشكل بعد انهيار الأنظمة القائمة كما هو حاصل اليوم في ليبيا واليمن وسوريا غداً بعون الله، وستظهر مناطق التوحش بصورة جلية واضحة في الدول التي يغلب عليها الطابع القبلي والطائفي، فعلى قادة العمل الجهادي وأصحاب الرأي والمشورة والمطاعين في أقوامهم فقه إدارة هذه المرحلة ومعرفة أدبياتها، وأنصحهم بكتاب إدارة التوحش لأبي بكر ناجي حفظه الله ففيه خير كثير بإذن الله.

رابعاً: عدم التعجل في قطف الثمرة، وعدم الاغترار بالتمكين الوقتي هنا وهناك فالحرب ما زالت في بدايتها، والعدو ما زال قوياً يستطيع الحركة، والعوائق المادية التي تمنع التمكين الحقيقي الفعلي ما زالت قائمة، فيجب التنبه لذلك جيداً وعدم الاغترار بالقوة، وإنما التؤدة والخطوة البطيئة في التعامل مع الواقع الجديد.

خامساً: الالتفاف حول العلماء الصادقين والقادة الربانيين والاجتماع عليهم، وعدم الاغترار بالأسماء مهما كان ماضيها وإنما يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

سادساً: تهيئة الناس وتبشيرهم بما هو قادم من عزة المسلمين، وأن الأمة على عتبات الخلافة الراشدة والتركيز على هذه المعاني في مخاطبتهم، والرأفة بهم وفي دعوتهم، وعدم التشدد معهم في الدعوة والخطاب، ومخاطبتهم بما يعقلون، والبعد كل البعد عن المسارعة والمجازفة في الرمي بالكفر أو الفسق أو التبديع، فالشعوب العربية عانت البعد عن الدين ومفاهيمه، وتحتاج الكثير حتى ترجع إلى دينها الحق وتلتزمه منهجاً للحياة.

سابعاً: الاستغناء عن الأوراق النقدية والاستعاضة عنها بالذهب، حيث أن هذه الأوراق النقدية ستفقد قيمتها الشرائية مستقبلاً بسبب الانهيارات الاقتصادية القادمة في بلاد الروم.

هذا والله أسأل أن يحفظ المسلمين في كل مكان، وأن يحقن دماءهم ويجنبهم كل مكروه، وأن يبرم لهم أمر رشد يعز فيه أهل طاعته حتى لا يكون أحد أعز منهم، ويذل أهل معصيته حتى لا يكون أحد أذل منهم.

والحمد لله رب العالمين

كتبه

أبو عبيدة / عبد الله خالد العدم

14ذوالقعدة 1432

__________________

اللهم إنّه لا عـــزّ إلا في الذلّ إليك ولا أمـــن إلا في الخوف منك

نقّبوا عن الإخلاص بفأس التواضع تحت صخر الرياء والعُجب وأصحبوا زاد الخشية

Show your support

Clapping shows how much you appreciated yazeed qp’s story.