أحمد الحناكي يكتب :الى متى النظرة الدونية للنساء في المجتمعات الخليجية؟

قال عضو في مجلس الأمة الكويتي المنحل عن مناوئين له: «اللي عنده شيء يطلعه ويحاسبنا بكره، وما يقعد يكتب في تويتر مثل الحريم الله يكرمكم». المعنى واضح، ففضلاً عن أن كلمة «حرمة» أساساً لا تليق فهي تعني العيب أو الخجل أو ضد الحلال، فإن جملة الله يكرمكم تقال في مجتمعاتنا الخليجية عندما يهم أحد الرجال بدخول «المرحاض» أو عندما يتحدث عن كلمات قبيحة ومبتذلة. في المحصلة العبارة مهانة واحتقار بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ما قاله العضو إياه ليس جديداً، إنما الفارق أنه ذكرها صريحة، بينما يتداولها بعض الرجال في مجالسهم الخاصة، ناهيك عمّن تتأثر من النساء وتصدق فعلاً أن هذه مكانتها، وربما لا يلامون كلهم فهذا نتاج تدجين على مدار عقود هيمن فيها النفَس الذكوري على كل شيء.
على المستوى الشخصي شعرت بأسى وأي أسى، فقد تذكرت جدتي الراحلة التي عاشت معنا في بيت بسيط في حي شعبي «حلة القصمان»، كانت فيه تلك المرأة العظيمة ينبوعاً لا ينضب من الحنان والكفاح والنضال في سبيل الاهتمام بنا (أمي الكفيفة وأخي وأنا) وتربيتنا من دون أن تنتظر مقابلاً، إنها تضحية تقوم بها جميع النساء عادة، لكنني أتحدث هنا عن جدتي. في سنواتها الأخيرة وقبل عهد العاملات ترجلت جدتي مسلّمة الراية لـ«ست الحبايب» التي كانت خير خلف لخير سلف، فقد طورت من مدرسة جدتي إلى أسلوب آخر وهو صنع «الآيسكريم» في المنزل ثم بيعه، ناهيك عن تضحيات كبيرة ببيع غرفة نومها أو أساورها الذهبية التي كانت بمثابة ثروة آنذاك، ولكنها الثروة الوحيدة، ولم تكتفِ بذلك فقد كانت تطبخ وتكنس وتنظف على رغم أنها لا ترى، لكن قلبها الكبير وجمالها الروحي ومشاعر الأم تطغى على ما عداها، واستمرت حتى وصل أخي فهد للجامعة ودعمته بالحب والدموع والابتسامات حتى تخرج وتولى مسؤولية العائلة، فلم يذهب مجهودها هدراً.
تجربتي مع المرأة لم تتوقف، إذ تزوجت امرأة جميلة ورائعة قاسمتني منذ ليلة عمرنا المسؤولية، بل وتتجاوزني في ما يخص التعامل مع أطفالنا، فضلاً عن أنها كانت وما زالت مع أمها الوفية وأخيها وأخواتها عنواناً جميلاً للتماسك الأسري المتفاني منذ وفاة والدها الحبيب.
هذا على مستوى العائلة، ماذا عن العمل؟ عملت في الملحقية الثقافية في لندن، ومن ثم الملحقية الثقافية في دبي حوالى الـ10 سنوات، زاملت فيها نساءً عربيات وسعوديات كن فيها لا يقلن كفاءة عن الرجل، بل إن بعضهن أفضل أحياناً.
وبعد كل هذا تسمع ما يؤذي السمع ويخدش الحياء عند الحديث عن النساء، ألا يسمى هذا تخلفاً؟
يجب أن نتجاوز هذه النظرة الدونية للمرأة التي لا معنى لها في ظل أنها لا تختلف عن نظيرها الرجل بأي شيء، وهاهي الدولة الأقوى في العالم ستنتخب امرأة رئيسةً لها. هل سيقدمون على ذلك لو كانوا يشكون مجرد شك بأهليتها لذلك؟
النساء السعوديات بدأن شيئاً فشيئاً يشتركن مع الرجل في بعض المهن التي كانت مجرد حلم من قبل، وأثبتن في كل عمل أنهن منافس خطر لدرجة أنها تتعرض للاضطهاد أحياناً من أصحاب المراكز العليا للشعور بالخشية على مراكزهم.
يكفي استعراض الموظفات في الأقسام النسائية في وزارة التعليم ومعهد الإدارة العامة والبنوك والشركات الأجنبية والصحافيات ومقدمات البرامج والشاعرات والروائيات والكاتبات وأعضاء هيئة التدريس والمعلمات والطبيبات والمهندسات والاقتصاديات والمبتعثات، لتصاب بالذهول من الأرقام التي تحققها النساء إنجازاً وإبداعاً وتفوقاً، مع علمنا التام أن هناك عراقيل كثيرة تحد من تحليقهن إلى أبعد من ذلك، مثل تقييدها بموافقة رجل لسفر أو دراسة أو عمل أو غيره أو المنع من قيادة السيارة مما يؤثر عليها في عمل عاجل أو لقاء أو شيء طارئ. المملكة أقدمت على تجربة تثير الفخر عندما عينت 30 امرأة أعضاء في مجلس الشورى، وإذا كانت هناك حقوق كثيرة لا زالت تفتقدها إلا أن أداءها في الشورى بوجه عام يوحي بالاعتزاز، ويكفي أن نستعرض قرارات كثيرة أو توصيات أقرت أو أخرى لم يتم الموافقة عليها كان خلفها نساء، على رغم أنهن يعتبرن أقلية في المجلس.
على كل حال، فعجلة التاريخ ستجبر كل جاهل أن يرضخ ويطرد من رأسه وساوس عفا عليها الزمن، ويمد يده للنصف الآخر الأجمل، وإلا ستتركه في المقاعد الخلفية.