أحمد بن راشد بن سعيد يكتب: تركيا إذ تدافع عن «سنّة» الموصل

تركيا تريد إخراج تنظيم داعش من مدينة الموصل العراقية، ولكن ليس بمشاركة الميليشيات الشيعية. النظام الحاكم في العراق يرفض أي دور لتركيا، بحجة انتهاك سيادة البلاد، بينما آلاف العسكريين الإيرانيين برئاسة قاسم سليماني يشرفون على ارتكاب المجازر ضد المكوّن السنّي في العراق، وبالتنسيق مع مستشارين أميركيين.
للموصل أهمية تاريخية وإستراتيجية لتركيا. كانت، قبل أقل منذ قرن، جزءاً من الدولة العثمانية. احتلتها القوات البريطانية بعد أيام من توقيع هدنة مودروس بين العثمانيين والإنكليز عام 1918، خارقةً بذلك الهدنة، لكن العثمانيين لم ينجحوا في استعادة المدينة. بعد توقيع اتفاقية لوزان عام 1923 التي رسمت حدود الجمهورية التركية الحديثة، ظلّت قضية الموصل غير محسومة، وظل الأتراك يحتجون بأن بريطانيا انتزعتها بطريقة غير قانونية، حتى أوصت «عصبة الأمم» بضمّها إلى العراق الذي كانت تحتله بريطانيا، فوافقت تركيا، ووقّعت عام 1926 اتفاقاً لترسيم الحدود بينها وبين العراق تتخلى بمقتضاه عن «ولاية الموصل»، كما كانت تُعرف في العهد العثماني، مع احتفاظها بالحق في التدخل للدفاع عن الأقلية التركمانية فيها إذا تعرّضت لاعتداء.
تتكىء تركيا على هذا التاريخ في مقاربتها لأزمة الموصل الراهنة. إنها حريصة على طرد داعش الإرهابي، لكنها ترفض الاستعانة بإرهابيين لإنجاز المَهَمّة، سواء كانوا الحشد الشعبي الشيعي أم حزب العمّال الكردستاني. الحل الأمثل الذي تطرحه تركيا هو تدريب أبناء العشائر السنية و «البشمركة» الكردية على استعادتها (وهو ما تقوم به قوات تركية في معسكر بعشيقة القريب من الموصل منذ آذار/مارس 2015)، ثم تسلميهم مَهَمّة إدارتها. تخشى تركيا من تعرّض أهل المدينة (معظمهم عرب سنّة) إلى مجازر طائفية شبيهة بالتي تعرّض لها مواطنو الرمادي والفلوجة وديالى وجرف الصخر، الأمر الذي سيخلق مأساة إنسانية كبيرة، ويقود إلى تغييرات ديموغرافية، ويدفع بمئات الآلاف من الموصليين إلى الحدود التركية. المنطقة أيضاً غنيّة بالنفط، وترى تركيا أنه حقٌّ لأهلها، ويجب ألا تسطو عليه ميليشيات الحشد الشعبي. تدرك تركيا خطر هذه الميليشيات وتعتقد أن استباحتها مدينة تلعفر (قريبة من الموصل ومن الحدود التركية) سيؤدي إلى حرب طائفية، وسيسمح لها بإنشاء حزام عبر سوريا وإيران والعراق. من غير المنطقي إذن، بحسب تركيا، إبعادها عن عملية استعادة الموصل، لأن في ذلك ازدراءً لمصالحها، فضلاً عن خطر ما أصبحت تسمّيه تجاهل «الحساسيات» المذهبية. 
في أواخر شهر أيلول (سبتمبر) الماضي صرّح الرئيس أردوغان أن حكومته تفكّر في عملية عسكرية في العراق تشبه عملية «درع الفرات» في جرابلس السورية. في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) صرّح أردوغان أن سنّة الموصل من عرب وكرد وتركمان يجب أن يبقوا فيها بعد تحريرها رافضاً أي تغيير ديموغرافي في المدينة. وزير الخارجية التركي، جاويش أوغلو، صرّح أن إشراك ميليشيات شيعية في استعادة الموصل لن يحقّق السلام، مشيراً إلى أن «مذهبية» النظام في العراق هي التي نشرت داعش في المدينة. رئيس الوزراء، بن علي يلدرِم، أعلن أن «الموصل لأهلها»، وأن تركيا لن تمسح بتخريب بنيتها الديموغرافية عن طريق «جلب سكّان آخرين إليها». هذا الخطاب الجديد المدافع عن مصالح السنّة لم يرُقْ لرئيس وزراء النظام العراقي، حيدر العبادي، الغارق في طائفيته، فأخذ يتشدّق بالسيادة لمعارضة أي مشاركة لتركيا زاعماً أنها تريد إحياء مجدها العثماني. واجتمع «البرلمان» في بغداد ليرفض وجود القوات التركية قرب الموصل، ويكيل للرئيس أردوغان الشتائم، فجاء الردّ حاسماً من يلدرِم: ليقولوا ما يشاؤون. سيستمر وجود قواتنا هناك منعاً لإراقة مزيد من الدماء، ومنعاً لتغيير التركيبة السكانية بالقوة.
من المهم تأييد هذا المجهود التركي الذي يسعى إلى إعادة التوازن في المنطقة المستباحة إيرانياً، ومنع تفتيت التجمّعات السنيّة فيها، وإجهاض الحلم الإيراني في تأمين منطقة نفوذ واسعة من حلب إلى الموصل تنتهي عند البحر الأبيض المتوسط.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.