جورج سمعان يكتب :ماذا يريد مجلس التعاون الخليجي أم ماذا يرسم ترامب؟

«مركز الإمارات للسياسات» تابع في ملتقاه السنوي الثالث الأسبوع الماضي بأبو ظبي، مع شريكه «مجلس الأطلسي»، رصد التحولات في النظام الدولي. وركز على موقع الخليج وسط هذه التحولات ووقعها عليه. رسم خريطة القوى التقليدية والصاعدة والمتراجعة في هذا النظام المتغير. واستشرف إمكانات التعاون الأمني الإقليمي على غرار نموذج هلسنكي، خصوصاً مع إيران. وهو نموذج يصعب قيامه في ظل الخلل في ميزان القوى العسكري مع الجمهورية الإسلامية، وفي ظل سياسة الهيمنة التي تنتهجها في الإقليم. وكانت هذه استأثرت بالقسط الوافر من النقاش. ولم تفت المركز قراءة المشهد الاستراتيجي العربي على رغم ما يكتنفه من غموض وفوضى وقلاقل. وكان للسياسة الخارجية الأميركية في ظل الإدارة المقبلة نصيب واضح. فالعالم كله يشارك الأميركيين قلقهم من فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية. رئيسة المركز الدكتورة ابتسام الكتبي أعلنت أن التعاون مع خبراء ومختصّين لإنتاج «نظام إنذار مبكر للأزمات»، خاص بمنطقة الخليج العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة.
أهل الخليج ليسوا استثناء. حالهم كحال الأميركيين والعالم. الجميع ينتظرون استراتيجية جديدة للولايات المتحدة. قد تطلق هذه بداية رسم نظام دولي جديد. حلفاء الولايات المتحدة من اليابان إلى أوروبا يأملون بأن تواصل واشنطن قيادة العالم، وأن تظل وفية لدورها التقليدي في كل المجالات. يخشون أن تنكفئ على نفسها وتنشغل بقضاياها الداخلية. في حين تخلى الساحة لدول كبرى صاعدة مثل روسيا التي هللت لوصول ترامب. وتخطط للإفادة من إمكان التعاون معه بما يثبت مكانتها قوة عظمى. وهي تطمح إلى توسيع فضائها، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط وأماكن أخرى. وتراهن على تفكك الاتحاد الأوروبي بما يلحق وهناً في قدرة حلف شمال الأطلسي. ومثلها الصين التي قد لا تستعجل الخروج من فضائها في آسيا — المحيط الهادي بمقدار ما تركز على مواصلة بناء اقتصادها وتوسيع تجارتها التي باتت تضغط على أسواق العالم إلى حد أن الرئيس الأميركي المنتخب وعد بمراجعة هذا الملف في إطار حماية السوق الداخلية لبلاده. وبخلاف هذه القوى، ركزت إحدى الجلسات المخصصة للأمن المعلوماتي عن فاعلين آخرين وأطراف من غير الدول والقطاع الخاص لا يقلون تأثيراً عن تأثير الدول والحكومات التي لم تعد قادرة على وقف نشاطات الميليشيات لتحقيق أهدافها الإجرامية أو المضرة بالأمن عموماً.
لا يخفي الخليجيون قلقهم من فوز دونالد ترامب. صدمهم وصوله إلى البيت الأبيض كما صدم الأميركيين والعالم. كانوا يتلمسون بناء استراتيجية لا تظل مرهونة لمواقف الخارج. أي أن تتحرر من التوكؤ على الولايات المتحدة لتوفير الحماية لبلدانهم ومصالحهم، بعد انكفاء إدارة الرئيس باراك أوباما وتعويله على الاتفاق النووي مع إيران. إنها مرحلة ضبابية. أو هي مرحلة من عدم اليقين، كما وصفها الشيخ محمد السالم الصباح، تفاقم التحديات التي تواجه مجلس التعاون المهموم بالأمن الإقليمي ومواجهة التمدد الإيراني. والمهموم بسبل البحث لتجاوز مرحلة ركود اقتصادي قد يطول. إضافة إلى الحرب على الإرهاب. كل هذه التحديات تستدعي استجابة سريعة من الحكومات. وتفرض تغييرات هيكلية سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية يجب أن تنتهي بإنهاء دولة الرعاية. ورأى الشيخ محمد أن هذه التغييرات يجب أن تقوم في إطار وحدوي خليجي مع تسريع الانصهار لتقليل الكلفة. لكن حديث «الوحدة» كان ويبقى العقبة الرئيسية في وجه دول المجلس. الدكتورة الكتبي أشارت إلى مشكلة وجوب الإجماع في قرارات مجلس التعاون. فالواضح في الملف الإيراني وملف الإسلام السياسي أن دول الخليج ليست في خط واحد. في حين لا تملك ترف الانتظار فيما تحيط بها الحرائق من كل صوب. لذلك، ستواصل العمل على تنويع الشراكات. فلا تحصر علاقاتها ومصالحها في طرف بعينه مهما بلغت قوته.
لن تتوانى دول المجلس عن التوجه إلى الإدارة الجديدة المقبلة من أجل البحث في الشراكة التاريخية التي كانت قائمة بين واشنطن وعرب الاعتدال أياً كانت توجهات الرئيس المقبل. فلا تقبع بانتظار ما يريده أو يخطط له ترامب وإدارته، بل تحمل هي أيضاً مشروعها لأي شراكة جديدة. بعض المعنيين من أهل الخليج كان يرى أن مواجهة الاستراتيجية التي نهجها الرئيس أوباما كان يجب ألا تدفع نحو البحث عن شركاء جدد أو قوى كبرى أخرى فحسب، بل كان يجب أن تواكبها حركة سياسية ضاغطة حيال البيت الأبيض والدوائر الأخرى الفاعلة في القرار الأميركي من أجل الفعل والتأثير والحد من الخسائر. فالذهاب إلى روسيا مثلاً ليس وجهة مثالية وإن كانت تفرضها الديبلوماسية وتوسيع دائرة الأصدقاء والمصالح. فهذه تتعارض سياساتها في الإقليم مع سياسات الخليج ولا تقدم حلاً للمواجهة مع إيران، شريكتها وحليفتها في سورية ومواقع أخرى. بالطبع يشعر هؤلاء المعنيون بأن المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي كان يجب أن تشارك فيها الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي المتضرر الأول من تدخلات الجمهورية الإسلامية. ولائحة الغياب العربي عن أحداث الإقليم طويلة قبل «عاصفة الحزم» التي حالت دون اكتمال الطوق على شبه الجزيرة. فمصير العراق مثلاً كان رهن الحوار بين طهران وواشنطن، ومثله إلى حد ما مصير سورية بالشراكة مع موسكو التي مدت ذراعها إلى أرض الرافدين برفضها خطة الحرب التي تخاض اليوم لتحرير الموصل من «داعش». اعترضت مع دمشق وطهران على رغبة أميركية في ترك ممر لخروج الإرهابيين إلى الرقة ومحيطها تسهيلاً لتحرير المدينة وحصر «الجهاديين» في منطقة واحدة في بلاد الشام.
يعزى هذا الغياب إلى تهاوي العمل العربي المشترك فوق أنقاض ما خلفته رياح «الربيع العربي»، بعد سقوط عواصم تشكل ركناً لا غنى عنه في النظام العربي مثل بغداد ودمشق. وغياب القاهرة المنشغلة بحربها على الإرهاب في سيناء وغيرها من مواقع. والمنشغلة أيضاً بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. على رغم أن هذا الانشغال لم يكن ليبرر لها بعض المواقف الملتبسة في شأن الأزمة السورية. كان بإمكان القاهرة أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في البحث عن تسوية للأزمة السورية، بما لها ولمؤسستها العسكرية من علاقة تاريخية مع دمشق وعسكرها. وعلى رغم ما يشوب علاقة بعض أهل الخليج مع مصر إلا أن الحاجة مشتركة إلى مواصلة التفاهم والتعاون بين الطرفين. فلا مصلحة في انكشاف شبه الجزيرة أو إضعافها وهز استقرارها وتعريض أمنها للخطر لأن الفوضى ستعم مساحة واسعة من المنطقة العربية. وكذلك لا مصلحة في انهيار مصر وإغراقها في الفوضى لأن في ذلك تهديداً لمجمل الأمن العربي.
لا جدال في أن الولايات المتحدة تبقى أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية في العالم. ولا مفر أمام دول مجلس التعاون، كما هي حال الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي، من محاولة استعادة بعض ما تصدع من علاقات وتفاهمات بفعل سياسة إدارة الرئيس أوباما. ولا مفر من فتح حوار مع الرئيس الأميركي المنتخب بعد انتهائه من تشكيل فريقه الحكومي. ولا يغيب عن بال صناع القرار في شبه الجزيرة أن ترامب، أياً كانت مواقفه وشعاراته التي رفعها ويكرر بعضها أو يعدل فيها أو يتراجع عن بعضها الآخر، لن يكون مطلق الحرية في نهج سياسات تلحق الضرر بصورة أميركا أو تهز مكانتها. ثمة مؤسسات دستورية وعسكرية وكتل اقتصادية لا يمكن التغاضي عنها وتجاهل مواقفها. كما لا يمكن إسقاط اتفاقات وتجاوز قوانين ومعاهدات دولية ببساطة. وبالتأكيد سيكون للحزب الجمهوري الذي تبنى ترشيح ترامب دور في تصويب سياسات رجل لا قِبلَ له بالعمل السياسي. فالحزب الذي يسيطر على مجلسي الكونغرس اليوم لا بد أن يستعد للانتخابات النصفية بعد سنتين. ولا مصلحة له في مجاراة الرئيس المنتخب في شعبويته ومفاجآته لئلا يخسر هذه الأكثرية ويتراجع موقعه، خصوصاً أن تظاهرات الاعتراض التي استقبل بها فوز ترامب تصيبه شراراتها.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.