د. علي سعد الموسى يكتب: قصة تنفيذ القصاص في أمير بساحة الصفاة بالرياض

د. علي سعد الموسى يكتب: قصة تنفيذ القصاصا في أمير بساحة الصفاة بالرياض

كان مبتهجا محتفيا وهو يقرأ على أذني الخبر العاجل بتنفيذ الحكم الشرعي بحد القصاص على أمير. ومن أمانة نقل الموقف، فلم يكن هذا الشعور لأن المحكوم عليه شرعاً وتنفيذاً كان بلقب “أمير” بقدر ما كان سعيدا بمسطرة العدالة وميزان الحكم الذي ساوى بين كفتين.
 كان كمن يسأل عن رأيي الخاص في نهايات هذه القصة الحزينة. أنا مع مواجهة الموت الحتمي المؤكد لأي من بني الإنسانية مؤمن باختفاء الألقاب. ألبس حتى أعماق نفسي العاطفية ثياب الأسرة المكلومة التي عاشت مئات الليالي السوداء من الساعة الأولى للحادثة حتى سماع الجملة المؤلمة: عظم الله أجرك.
 أنا مؤمن تماما بالحق الإلهي لأسرة القتيل ولا ينازعهم في هذا الحق إلا صاحب خلل وهوى في المعتقد. ودائما ما أقول إن أسرة القاتل ينازعها الموت المجازي تحت الأماني والانتظار ألف ألف مرة.
 وفي مثل هذه القصص المأساوية تتوزع عواطفي منقسمة ما بين مشاعر الأسرتين. ويحزنني أكثر من هذا أنهما “شابان” في العشرين من العمر، وكطيش آلاف الشباب كانا بلا قضية، وأنا هنا، وأشهد الله، وأنا أكتب بعد صلاة جمعة، أنني أكتب بتجرد من الألقاب وطبقات الأسر ووضع القاتل والقتيل. 
خبر تنفيذ القصاص هذه المرة في “مواطن” ملأ أقنية الإعلام في كل اتجاهات البوصلة. وهنا أتعاطف، وهذا أبسط حقوقي الشخصية، مع والديه وأهل بيته لأنني أشك في أن الوضع الاجتماعي لأسرة ذلك الشاب لم يسمح في هذا الزمن بالتحديد بأن تتصرف لإنقاذه مثلما تفعل بقية آلاف الأسر الأخرى بالضغط والجاه والمال عندما تعيش نفس القصة.
 أشفق مثلاً، على والدته حين تقف مشلولة أمام المأساة لأن حولها من سيقول لها كوارث تحويل أي محاولة إلى قصة رأي عام، وهذا التحذير العبثي ينطبق على أسرتيهما الصغرى والكبرى.
 أشفق على أهله في الدائرة الصغرى حين تتحول فزاعة “الرأي العام” إلى بعبع لا يترك للقصة أن تذهب اعتيادية في المجرى الطبيعي، بالقصاص أو العفو، كما يحدث لبقية آلاف الأسر مع نفس القصة. المجرم الخفي هو من يشارك دون أن يخاف الله بكلمة خبث أو سوء في قصة حزينة ومغلقة ما بين أسرتين ولا علاقة له فيها ولا بما ستنتهي إليه من قبل أو بعد.
وسأكتب ما يلي، وللأسف الشديد، متوقعا بعض نشاز وشذوذ ردة الفعل: سيحدث للأسرة الكبرى مما يقرب من خمسة آلاف فرد ما يحدث للصغرى من خمسين فردا من بقية الشعب. في الطرفين من الأسرتين سيوجد حتما من الشباب المراهق من يعاكس في الأسواق ويخالف أنظمة المرور ويدخل إلى ذكريات المعارك الصغيرة مع أقران المدرسة وينظر بفوقية إلى عامل وافد. 
أبعد من هذا قد تحدث مثل هذه القصة المأساوية لشاب اسمه “ابن سعود” مثلما حدثت وستحدث لآلاف الآباء والأمهات في كل قرية ومدينة. كل الأسر وكل الشباب خلقها الله في مصاف المتوسط البشري الذي يخطئ ويصيب، فلماذا يغشانا الوهم الواسع حول طبيعة الفطرة البشرية. لماذا، مثلاً، أتوقع الخطأ والجنح من أولادي الثلاثة في تفاصيل حياتهم العامة كشباب وبشر ثم “أستكبره” حين تبتلى وتمتحن أسرة أخرى لمجرد اللقب والاسم. لماذا أسمح لنفسي البشرية بأن تفرح بجنون إذا ما سمعت لغة العفو والصفح عن قاتل في ساحة البحار بأبها ثم تحتفي وتبتهج ذات النفس لصوت الرصاصة في “صفاة” الرياض، وفقط من أجل عدالة العدالة رغم أن المسارين المتناقضين هما حكم الله وشرعه في ذات الوقت. أنا لن أسمح لنفسي بأن توغل في هذا المرض وأن تتخلى عن فطرة الإنسان السوي الذي يؤمن أننا أمام ابتلاءات حياتنا مجرد آباء وأمهات لا وزن فيها أبداً أبداً للقب أو مكانة أسرة. رحم الله هذين الشابين وتولى أسرتيهما بلطفه وعفوه.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.