د.محمد الفيضي يكتب: لماذا على تنظيم الدولة الإسلامية الانسحاب من الموصل الآن؟

في ساعة متأخرة من ليلة أمس أعلن رئيس الوزراء في بغداد حيدر العبادي انطلاق معركة الموصل. وقد اندفعت باتجاه مدينة الموصل، قوات تبدو بحجم أعدادها وطائراتها ودباباتها، كأنها في مواجهة دولة إقليمية كبرى، بينما المعلن انها لمحاربة تنظيم لا تربو أعداده في المدينة على أربعة آلاف مقاتل!

ولن أخوض في الحديث عن الموقف من تنظيم الدولة الإسلامية، ولا فيما انتهت إليه تجربته في العراق أو سوريا، لأني أريد في هذا المقال أن أناقش بشكل هاديء وموضوعي المآلات التي ستنتهي إليها مدينة الموصل إذا استمرت الحرب، وأصل إلى النتيجة التي جعلت منها عنوانا لهذا المقال.

هذه المدينة التي ولدت فيها، عزيزة على قلبي، وأرى لها حقا عليَّ في تسجيل كلمات، عساها أن تكون مساهمة في سبيل دفع الشر عنها، وتجنيبها الويلات. ومثل هذه المهمة؛ تقتضي أن أتجنب لغة الصراخ والتأجيج، وكيل الأوصاف، وأن ألتزم بالحوار الهاديء، لأن ثمة مئات الآلاف من البشر ينتظرهم مصير مظلم.

هناك ست محافظات عراقية قام أهلها بتظاهرات واعتصامات في سبيل دفع الظلم عنهم ونيل حقوقهم، وهوما أضر دولياً بسمعة العملية السياسية التي وضع الأمريكيون أسسها، ومازالوا رعاة لها، ويرون فيها منطلقاً لا غنى عنه في سبيل تنفيذ مخططهم الاستراتيجي للعراق، والمنطقة بشكل عام.

هذه المحافظات الست بعد استهداف ساحات التظاهرات والاعتصامات فيها بالأسلحة الثقيلة، والتورط في سفك دماء أبنائها، كما حدث في الحويجة وديالى والموصل والأنبار، تحولت فعالياتها السلمية إلى ثورة مسلحة تبنتها القوى العشائرية آنذاك، وقد زاد هذا الأمر من الحرج الأمريكي، وتعاظم خوفه على عمليته السياسية.

وحين اقتحم تنظيم الدولة حرم هذه الثورة بعد انطلاقها، وانتهى إلى مصادرتها من أهلها، والهيمنة على المدن الثائرة، رأى الأمريكيون أن الفرصة سانحة، لتدارك الخطر الذي ألمَّ بهم، وتلقين هذه المحافظات درساً لا ينسوه، يحملهم على احترام الإرادة الأمريكية، والرضا بالعملية السياسية على عواهنها، وذلك من خلال استهداف أهلها تحت ذريعة محاربة الإرهاب، ومن ثم إخضاعهم بالقوة للقبول ببقية المسلسل الأمريكي المزمع استكمال حلقاته في المرحلة القادمة فيما يخص مستقبل العراق والمنطقة.

وبالفعل تم التنفيذ بحرفية عالية، وتم تدمير المدن الثائرة الواحدة تلو الأخرى، وتحت غطاء الحرب على التنظيم، قام التحالف الدولي بتدمير المدن تدميراً شبه كامل والإجهاز على ما تبقى من بناها التحتية، وانتهينا إلى خراب وتدمير شاملين، وصلت نسبتهما في بعض المدن إلى أكثر من 85 بالمائة، وإلى تشريد ما يزيد على أربعة ملايين نسمة في الفيافي والقفار من دون رعاية إنسانية، لا من الحكومة، ولا من المجتمع الدولي، في توافق غريب، يحتاج إلى تفسير قطعاً.

ومن المثير للسخرية أن تمارس كل هذه الموبقات، بحق مدن؛ عناصر التنظيم فيها لا تتجاوز نسبتهم واحد من كل ألف، وأحياناً أقل!

اليوم وصل المسلسل الأمريكي إلى المحطة الأخيرة، والتي تقتضي استهداف الموصل بالطريقة نفسها، ويقطن الموصل الآن ما لا يقل عن مليوني نسمة، فيها أهلها، وفيها الذين فروا من حرب المدن هذه، ولجأوا إليها.

حتى اللحظة الأمور تسير ضمن المرسوم، فالمعركة انطلقت، والتنظيم مصر حتى اللحظة على المقاومة، وقد أعد العدة، وحفر الخنادق، وجلب الأسلحة من كل مكان، وعبأ الجنود، ولكن هل نحتاج إلى عناء في معرفة السيناريو المرتقب، والمآلات التي ستنتهي إليها الموصل.. لا أبداً، فهي لن تكون أحسن حالا من مدينة الرمادي .

ومن هنا تكون الدعوة التي أطلقَتها أكثر من جهة للتنظيم أن يبادر بالانسحاب من الموصل، دعوة سليمة، لا غبار عليها، من وجهة نظري، وذلك لأسباب عديدة، منها:

أولاً: كل المؤشرات تؤكد أن التحالف الدولي مزمع على أن يكون عنيفاً في التعاطي مع هذه المعركة، ومحصلة ذلك استهداف المدنيين، قتلاً وتهجيراً، وتدميراً لأموالهم وممتلكاتهم، ولأن الهدف إذلالهم، وتطويعهم ـكما بيناـ للقبول بمشاريعه القادمة، وعدم تكرار فعاليات التظاهرات والاعتصامات، ولذا سيكون من الضروري سحب الذريعة من الأمريكيين لفعل ذلك، كما فعلت من قبل طالبان حين انسحبت أول الغزو الأمريكي، من كبريات المدن الأفغانية، وقالت إنها فعلت ذلك ليس هربا من الموت، وإنما حرصاً على أرواح المدنيين وممتلكاتهم، ومازال الناس يذكرون لها هذا الموقف النبيل، ومع أن المعركة قد بدأت قبل ساعات فما زالت الفعاليات في أولها، والفرصة ما زالت مواتية للانسحاب.

ثانياً: أثبت التجارب أن التنظيم غير قادر على حماية المدن، وأن المشهد المألوف له في كل مدينة هو المقاومة لأيام أو أسابيع أو أشهر، ثم الانسحاب المفاجيء ليجد أهل المدينة أنفسهم أمام عناصر الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، والميليشيات التي تتعامل معهم على أنهم جميعاً من منتسبي التنظيم، وأنهم يستحقون أي عقوبة تنزل بهم، فيقع فيهم القتل والخطف، والسرقة والابتزاز، والاختفاء القسري.

ثالثاً: بعد كل معركة هناك مآسي يتعرض لها المدنيون، فسوى الخسائر الكبرى التي يقدمونها بالأرواح، والممتلكات؛ هناك مآس أخرى في مقدمتها ترك مدنهم، والتوطن في الصحراء بلا خدمات، والأدهى من ذلك كله عدم السماح لهم بالعودة إلى أماكنهم بعد المعركة في كثير من الحالات، وهذا جعل من وجودهم في بعض مناطقهم أثراً بعد عين، أو أقلية ضمن أكثرية وافدة، ثمة من تعمد إقحامها في مناطقهم لتغيير الديموغرافيا.

رابعاً: لم ينجح التنظيم طيلة وجوده في المدن الثائرة في كسب حواضنها الشعبية، وكل ما كان الوقت يمضي كانت الهوة تتسع بينهما، ولذلك أسباب ليس هنا محل بسطها، ومن بدهيات المعارك أنه لا يمكن بأي حال لقوة مقاتلة في المدينة أن تنتصر مع أي طرف مالم تكن لديها حواضن مساندة لها، ولذلك فإن التعويل على النصر هنا شيء يشبه السراب.

خامساً: من الشعارات التي يرفعها التنظيم، الدفاع عن أهل السنة، ولكن عملياً انتهى واقعهم بفعل المعارك التي خاضها إلى وضع من السوء لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلاً، ولا حتى في ذروة الاحتلال الأمريكي، ولا حتى في ذروة الاستهداف الطائفي لهم في 2006ـ2014م.

سادساً: ثمة أطراف عديدة كانت تنتظر بفارغ الصبر معركة الموصل للمشاركة فيها من أجل الحصول على الغنائم من المدينة، وأخرى تريد استحقاقات لمشاركتها في المعركة، حتى لو كانت مشاركتها رمزية، كما أن خلافاً دولياً قام حول مشاركة الميليشيات من عدمها، وقد حُسم الأمر على ما يبدو لصالح مشاركتها، وإعلان التنظيم عن انسحابه سيفوت الفرصة على جميع هؤلاء الطامعين، لتحقيق مآربهم، وتبقى الموصل لأهلها.

والقول بأن الانسحاب يعني أن تعود الأمور كما كانت، فالجواب: أن تبقى للمدينة قوتها، فتظل في طريق المطالبة بحقوقها أهون بكثير من أن تستنزف قوتها، وتدمر بيضتها، وتعود صاغرة، راضخة للواقع، ومستسلمة للظلم.

كما أن خوض حرب غير متكافئة عدة وعدداً، يكون وقودها السواد الأعظم من أهل المدينة، خطيئة ليس لها نظير في الإثم والخسران.

فهل سيفعلها التنظيم، وينسحب من الموصل، ليحفظ لأهل المدينة أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم، ولتبقى الموصل ـالقلعة الأخيرةـ ذخراً للعراق، أم ستلتحق الموصل بأخواتها، ونشهد حقبة جديدة مليئة بالإحباطات والانكسارات، والدم المسكوب؟!

Show your support

Clapping shows how much you appreciated الخليج العربي’s story.