عبدالعزيز محمد قاسم يكتب: لماذا يصرّ مفتي السعودية على التجنيد الإجباري؟

لم أستغرب أبدا دعوة سماحة مفتي عام المملكة عبدالعزيز آل الشيخ قبل أسبوعين ل”التجنيد الإجباري” لشباب الخليج، وعالمنا الجليل بات يهتبل أية فرصة لتكرار دعوته هذه، إذ سبق له إطلاق هذه الدعوة في العام الماضي، وما فتئ يكررها على مدى أعوام فارطات، رغم أن مسؤول اللجنة الأمنية في مجلس الشورى السعودي د. سعود السبيعي علق وقتها بأن السعودية لا تحتاج إلى تطبيق “التجنيد الإجباري” على شبابها.

سماحة مفتي السعودية يرى أن “الخليج العربي محسود على ما لديه من مكتسبات وخيرات وعلى ما فيه من اقتصاد وأمن، وكذلك محسود على تجمعه واتحاده، فالعدو يحاول بكل ما يستطيع أن يفرق هذا الاتحاد وأن يحدث الفوضى بين صفوفهم”، وفي خطبة له العام الماضي دعا إلى “الاستعداد والتسلح الدائم لمقاومة أي شيطان، والتجنيد الإجباري لشبابنا أمر مهم ومطلوب؛ لتكون لنا قوة لا تُغلب، مُدرّبة تدريبًا جيدًا”.

للأسف أنه لم يعد شيطانا واحدا نواجهه اليوم في الخليج، بل تعدّد هذا الشيطان وتشظّى ليكون في خاصرتنا الجنوبية وعلى حدودنا الشمالية والشرقية، ورغم أن التجنيد الإجباري فرضَ في دولتي الإمارات وقطر، ويُبحث اليوم في الكويت، إلا أن التعويل دوما على الأخ الأكبر السعودية، لما تمثله من ثقل بشري ومساحة جغرافية هائلة وإمكانات كبيرة.

توقفت عند مبررات عضو الشورى د. السبيعي، وهو يرد الدعوات التترى من نخب دينية وفكرية عديدة طالبت بالتجنيد الاجباري، تحت مسميات عديدة، بيد أنها لم تقنعني كثيرا، فهو يقول بأن “الحروب الحديثة ليست بكثرة الجنود، إنما باتت تعتمد على التقنية الحديثة والأسلحة المتطورة، وباتت الطائرات اليوم بدون طيار”.

ما قاله بالتأكيد عضو الشورى صحيح، ولكن الأصح منه، وبرهانه في العراق وسوريا واليمن؛ أن المعارك لا يحسمها سوى الأفراد في الأرض، هذه التكنولوجيا والتفوق الجوي والتقني تضعف العدو بالتأكيد، ولكنها لا تحسم المعارك، وانظروا لداعش، كم أطلقت عليها الصواريخ الموجهة الكترونيا على مدى أكثر من عامين، وكم تمّ رصدهم عبر الأقمار الصناعية، ولكن المعركة معهم لم ولن تحسم إلا عبر الجنود في البّر.

عدو الخليج الأول إيران، يمتلك جيشًا يقترب في تعداده البشري من ضعف حجم القوات المسلحة في دول الخليج الستّ مجتمعة، ما يدعونا لإعادة النظر في مسألة تأهيل شبابنا عسكريا، فالخبراء المتخصصون يقولون: بسبب عدم امتلاك دول الخليج، نُظمًا إلزامية للتجنيد الإلزامي، فإنها لا تمتلك قوات احتياط احترافية، ومن ثم فهي لا تمتلك نظامًا للتعبئة العامة لقوات الاحتياط؛ وهو الأمر الذي يخل بتوازن القوى التقليدي بينها وبين دول الجوار، لاسيما الدول الكبرى التي لديها طموحات توسعية.

حسب مؤسسة «غلوبال فاير باور»، المؤسسة الأمريكية المتخصصة في الدراسات التحليلية المتعلقة بالقطاعات العسكرية حول العالم، فالجيش السعودي هو الثالث عربيًّا بعد مصر والجزائر، والـ 28 على مستوى العالم. كما يبلغ تعداد الجيش السعودي 233 ألفًا و500 جندي.

تصوروا لو كان ثمة احتياطي لهم، وقد قدره الخبراء ب2مليون و400 ألف شاب سعودي، ممن تنطبق عليهم شروط التجنيد الاجباري، ألا يشكل ذلك ضمانة وقوة وهيبة، لذلك أدعو أميرنا الشجاع محمد بن سلمان أن يعيد دراسة ملف التجنيد الإجباري، فلا أقدر منه –وهو صاحب المبادرات الجسورة- على اتخاذ مثل هذا القرار المصيري الذي يتعلق بأمة كاملة، ووطن هو في الأحداق منا.

مفتي المملكة، صحيح أنه غير متخصص في الشؤون العسكرية، بيد أن مثله أوتي الكثير الكثير من خبرات الحياة والتاريخ، ولم يلحّ ويكرر عبثا.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.