غسان بادكوك يكتب: هذا ما يريده المواطن من «أم الوزارات»

تعليقات | 0

تاريخيا، تعتبر وزارة الخارجية هي أولى الوزارات التي تم تأسيسها في المملكة عام 1349هـ، ولكن إذا استثنينا طبيعة عمل (الخارجية) باعتبارها الوزارة المعنية بالشأن السياسي، تصبح وزارة المالية السعودية هي فعليا (أم الوزارات) في المملكة؛ حتى إن جاءت في الترتيب الثاني من حيث تاريخ التأسيس؛ حيث أنشئت الوزارة عام 1351هـ عندما تم تغيير اسم (وكالة المالية العامة) إلى وزارة المالية، هذه الصفة الفريدة التي انفردت بها وزارة المالية تعود لكونها الذراع التنفيذية الحكومية التي تولّت (تاريخيا) مسؤولية معظم المهام ذات الطابع الاقتصادي والتنموي، إضافة للأنشطة المرتبطة بمعيشة المواطنين؛ حيث كانت الوزارة تضم (مديريات) تتولى الإشراف على مسؤوليات عديدة في الدولة؛ تشمل المواصلات والتجارة والموظفين والتخطيط والحج والجمارك الزكاة والزراعة وغيرها.

المعلومة التاريخية السابقة ربما تفسر جنوح وزارة المالية لاحقا وبعد تأسيس الكثير من الوزارات المتخصصة في البلاد، إلى استمرار هيمنتها على عمل العديد من الوزارات بشكل غير مباشر، وإدارتها للأنشطة والمهام التي ترتبط بحياة الناس كالصحة والتعليم والتوظيف، عبر تحكّمها في ضخ الاعتمادات المالية أو تقليصها؛ وذلك بحكم سيطرتها على الخزانة العامة للدولة، ومسؤوليتها عن رسم السياسة المالية للدولة، وإعدادها لمشاريع الميزانية السنوية، ومتابعة تنفيذها بما (يفترض) أن يكفل الالتزام ببنودها المقررة، وتنفيذ أهدافها بدقة وفاعلية، ولكن السؤال الذي يبرز هنا هو: إلى أي مدى نجحت وزارة المالية عبر تاريخها المديد في تحقيق أهداف الدولة المالية والتنموية والاقتصادية؟ وهل للوزارة صلة بالوضع المالي المتأزم الذي تمر به المملكة منذ تراجع أسعار النفط في منتصف عام 2014؟.

وللإجابة على السؤال السابق أقول إن وزارة المالية مشكورة قد بذلت قصارى جهدها لتحقيق تلك الأهداف، خصوصا في العقود الأربعة الأخيرة، ولكن جميعنا يعلم أن العبرة بالنتائج، وأن بذل الجهود لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف، إذ بات واضحا الآن أن السياسة المالية التي انتهجتها الوزارة وقامت بالإشراف على تنفيذها لم توفق كثيرا في تحقيق أهم أهدافنا الوطنية؛ وهو تنويع مصادر الدخل، حيث لا يزال اقتصادنا ريعيا بعد 10 خطط تنمية خمسية، كما تأخرنا كثيرا في إطلاق صندوقنا السيادي، وربما لو وُفقّت وزارة المالية في أداء مسؤولياتها بالشكل الأمثل، لكانت ظروفنا المالية اليوم أفضل مما هي عليه الآن، وهذا يعني أن السياسة المالية التي طبقتها الوزارة لم تكن هي الأكثر ملاءمة لاحتياجات البلاد؛ خصوصا في إدارة الدخل الهائل المتحقق من بيع النفط خلال فترات ارتفاع الأسعار، واستثمار الاحتياطيات المالية الضخمة للبلاد.

الحقيقة الجلية السابقة تجعلنا الآن في أمس الحاجة لقيام الوزارة بمراجعة شاملة لسياساتنا المالية لتستجيب لمتطلبات الظرف الحالي، كما يتعين عليها ما يلي:

1- إعادة النظر في إستراتيجية إدارة استثماراتنا الخارجية ذات العوائد المنخفضة حاليا، شريطة أن يتم ذلك على نحو يحقق أعلى عوائد ممكنة، وهو ما لا يمكن تحقيقه بدون تنويعها؛ سواء من حيث القطاعات المستثمر فيها أو العملات والبلدان.

2- تطوير أسلوب إعداد ميزانيتنا لتصبح ميزانيات برامج بدلا عن ميزانية البنود التي تخلت عنها الكثير من دول العالم، لا سيما بعد أن ثبتت عدم ملاءمتها لحاجة التنمية في بلادنا.

3- تغيير آلية مواجهة عجز الميزانية والتعامل مع الدين العام.

4- تغيير آلية المناقصات البالية التي اعتمدت طويلا على أقل العروض سعرا؛ وهو ما أثر سلبا على جودة ومدّة تنفيذ الكثير من مشاريعنا التنموية.

وعلى ضوء ما تقدم، بات واضحا الآن أنه عندما يتعلق الأمر بأداء وزارة المالية، فقد كان بالإمكان أحسن مما كان، وإلا لما اضطرت حكومتنا الرشيدة في الأشهر الأخيرة لاتخاذ عدد من الإجراءات غير المعهودة؛ كان منها تخفيض الإنفاق العام تحت وطأة تراجع أسعار البترول، وإعادة هيكلة دعم السلع الأساسية على نحو رفع أسعارها على المواطنين، وتقليص مخصصات البند الأول من الميزانية وهو ما أدى لانخفاض الرواتب وإصدار أدوات للدين العام الخارجي، كما نترقب قريبا إقرار أول ضريبة في البلاد؛ هي ضريبة القيمة المضافة، وغني عن القول فإنه كان بمقدورنا أن نتجنب بعض تلك التحولات؛ بشيء من التخطيط (المالي) والتوجّه الاقتصادي بعيدي المدى، مع التنفيذ الحازم لأهداف خططنا التنموية العشر الماضية خصوصا أن الوزارة كانت حتى فترة قريبة مضت مسؤولة كذلك عن ادارة الإقتصاد.

وغني عن القول، فإن مقال اليوم لا يهدف إلى القدح في سياساتنا المالية السابقة ـ التي وإن لم تؤدِ لتحقيق أبرز أهدافنا الوطنية ولا تطلعاتنا كمواطنين ـ إلا أننا نعلم أن ثمة عوامل محلية وخارجية، ربما تداخلت أو أبطأت إحداث التطوير المطلوب، وإنما أهدف من مقالي هذا إلى إيصال رسالة إلى (أم الوزارات) في عهدها الجديد ربما يرغب الكثير من المواطنين في إيصالها للوزارة ومفادها ضرورة استماعها لآراء المواطنين؛ خصوصا المختصين منهم في المالية والاقتصاد، وأن تتبنى المزيد من الشفافية والمكاشفة، مع الحرص على تطوير السياسات المالية وأسلوب الميزانية ومعالجة العجز وإدارة الاستثمارات والاستفادة من الدين العام وتمويل المشاريع بالصكوك.

ختاما، يسرني أن أنتهز هذه الفرصة لتقديم جزيل الشكر لجميع وزراء المالية السابقين الذين نكن لهم كل التقدير؛ كان آخرهم معالي الدكتور إبراهيم العساف، على كل ما بذلوه من جهود أو اجتهادات؛ لا نشك على الإطلاق بأنهم استهدفوا بها الصالح العام، كما أجدها مناسبة كي أدعو للتفاؤل بالأوامر الملكية الأخيرة الصادرة قبل أيام التي قضى أحدها؛ وربما أهمها، تعيين وزير جديد للمالية متمنيا له كل التوفيق، لا سيما أن تعيينه جاء في فترة حرجة يمر بها اقتصادنا الوطني، وتشهد فيها بلادنا تغييرات دراماتيكية؛ كان من الصعب تخيل إمكانية الإقدام عليها، لو كان أداء ماليتنا مواكبا للتطلعات، ولكن الأوضاع العصيبة اضطرت متخذي القرار لاتخاذها من أجل تهيئة البلاد لعصر ما بعد إدمان النفط.