التفسير الديني للأحداث السياسية

أحمد أبو رتيمة يكتب لـ عربي21: التفسير الديني للأحداث السياسية

يعتبر الدين مكوناً عميقاً في الشخصية العربية، وهو ما يظهر في الثقافة الشائعة بين الناس إذ تشحن أحداث الحياة بدلالات دينية بدءً من مستوى الفرد الذي إذا أصابته حسنة قال: الحمد لله، هذا من فضل ربي، وإذا أصابته سيئة قال: الحمد لله على كل حال، قدر الله كله خير.
 
 يبقى استحضار الروح الدينية مثمرا ما دامت هذه الروح تحفز في نفس صاحبها المعاني الإيجابية مثل الرضا والطمأنينة والشكر وتحصنه من اليأس والضياع، والدين في الأساس يهدف إلى إصلاح العالم الداخلي للإنسان، فإذا انطفأت حيوية الإيمان في قلب الإنسان و وافق ذلك نشوءه في بيئة متدينة وجه الثقافة الدينية المكتسبة باتجاه العالم الخارجي، أي استعمل معرفته الدينية لإدانة خصومه لا لإدانة نفسه، وبذلك يصير الدين أداةً يطوعها الإنسان بدل أن يمتثل لهديه؛ يتجلى هذا في ازدواجية المعايير لدى كثير من الناس في تفسيرهم الديني للأحداث فهم يرون المصيبة التي تحل بأحبابهم ابتلاءً من الله لرفع درجتهم بينما يرون ذات المصيبة حين تحل بمن يكرهون انتقاماً من الله!
 
 نشأت الحركات الإسلامية في مجتمعات معبأة بالروح الدينية، وأعلنت أن هدفها تغيير الأوضاع السياسية، ولما كان من الطبيعي أن يستحضر الإنسان في معركته السياسية كل الأدوات المتاحة للانتصار وجدت هذه الحركات في النصوص الدينية التي تنزع الشرعية عن ممارسات السلطات أداةً صراعيةً، فتنامى استحضار الدين في إدانة الخصوم السياسيين وفي تأصيل المواقف الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية، وساهم في تعزيز هذا الاستحضار الثقافة الدينية العالية للمنتسبين للحركات الإسلامية و مرجعية القرآن والسنة التي تمكنهم من استحضار الشواهد الدينية بكثافة وربطها بالأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة.
 
 في مقابل موقف الإسلاميين كان موقف العلمانيين المطالب بالفصل بين الدين والسياسة، فالدين لله والسياسة ممارسة بشرية تحت دائرة النقد والمساءلة، ومن شأن خلط الدين بالسياسة إضفاء طابع القداسة على الجماعات الإسلامية والتعامل مع خصمها السياسي كأنه عدو لله ورسوله. 
 
 الأمر مختلط؛ فمن جهة تبدو وجهة النظر العلمانية منطقيةً إذ ينبغي الفصل بين الدين الإلهي والممارسة البشرية، والسياسة تقيم بالأدوات السياسية وليس بمعيار الإيمان والكفر والهدى والضلال، لكن من جهة أخرى فإن القرآن ذو رسالة إيجابية في الحياة فهو ليس كتاباً قاصراً استعماله على التعبد الفردي والرهبانية، بل فيه الدعوة إلى الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والقتال والصدع بكلمة الحق، وهذه الأوامر تقتضي المدافعة الاجتماعية والسياسية، كما أن القرآن يفرد مساحةً كبيرةً للحديث عن قصص الأمم وعاقبة الظلم والإفساد في الأرض، فإذا قلنا بتحييد الدين عن معترك السياسة والمجتمع فما قيمة كل هذه المعالجة القرآنية لمشكلات الاجتماع والسياسة والحضارة؟
 
 لتفكيك الالتباس ينبغي التفريق بين إحياء روح الدين في حياتنا وبين استغلاله السياسي. الدين هو دعوة الحق والعدل والإصلاح في كافة شئون الحياة بدءً من سريرة الإنسان وانتهاءً بالعلاقات العالمية. القرآن الذي يقول لنا: “ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله” يقول لنا أيضاً: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”.
 
 لكن الإيمان بدور الدين الإصلاحي لكافة شئون الحياة مبحث مختلف عن الاعتقاد بأن جماعةً بشريةً تتبنى الخطاب الديني صارت تستمد شرعية وجودها مباشرةً من التفويض الإلهي فيؤدي هذا الاعتقاد إلى إلغاء المسافة الفاصلة بين البشري و الإلهي وإلى التماهي بين القيم الدينية الأخلاقية المجردة وبين السلوك البشري الذي يداخله الهوى والخطأ والقصور، وإلى إضفاء حصانة ما ينبغي أن تكون لمجموعة من البشر يتسلحون بها لحماية ذواتهم من المراجعة والنقد. 
 
 هناك حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند ابن ماجه يوصي فيه أمير السرية: “و إن حاصرت حصناً فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا”. 
 
 هذا الحديث الغائب من التراث الفكري للحركة الإسلامية يحمل مفهوماً ثورياً أقرب إلى الروح العلمانية، فهو يمنع الخلط بين قداسة الدين و بين ما يصيب البشر من أخطاء وقصور، و يوفق بين رسالة الدين الإيجابية وبين تحريم استغلال اسمه لتبرير السلوك السياسي وهو ما يعود بالضرر على الدين في حال جانب المجتهد مراد الله من حيث علم أو جهل.
 
 لا تشترط فاعلية الدين الزج باسمه وإلباس الاجتهاد البشري به، إنما يكفي لتحقيق مقاصد الدين الاجتهاد في البحث عن أفضل طريق تؤدي إلى العدل والإصلاح، فإذا تحقق العدل والخير والإصلاح فهذا هو مقصد الدين دون حاجة إلى تنصيب الذات ناطقاً رسمياً باسم الدين أو مفوضاً من الله.
 
 يبين القرآن سنن الله الضابطة لحياة الجماعات البشرية ويضرب لنا أمثلةً من الذين خلوا من قبلنا عن دور الظلم والفساد والترف في هلاكهم، لكن القرآن يتناول هذه العلل تناولاً علمياً، فهي قوانين موضوعية تجري على الجميع، والقرآن يرسخ وحدة القانون الاجتماعي والتاريخي فيقول: “ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به”، “ويقول: “قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق”، ويقول: “سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً “، والبشر لا يجدون حرجاً في التناول العلمي للمسائل فهم لا يغضبون من طبيب يشخص مرضاً بيولوجياً و لا يتهمونه بالانحياز لأن العلم قوانين ثابتة متعالية على أهواء البشر.
 
 تنشأ المشكلة حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا يجري استحضارها بطريقة انتقائية للتعبئة في اتجاه واحد وتوظيفها سياسياً ضد الخصم، فيصبح حال من يفعل ذلك كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. 
 القرآن يقدم قوانين صارمةً لا تتجزأ، فهو يقول مثلاً: “ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”.
 
 هذه الآية تبين قانوناً اجتماعياً يشبه قوانين الرياضيات في دقته: الجوع والخوف هي وسائل إلهية لمعاقبة المجتمعات على كفرها بأنعم الله، لكن القانون هنا للعبرة وليس للتسييس، وحين نرى مجتمعاً غارقاً في الجوع والخوف مثلما يحدث الآن في مصر فهي آية إلهية تحثنا على الاعتبار، لكن الحساسية تنشأ من حالة الاستقطاب السياسي والانتقائية في قراءة النصوص بما يخرجها من حقلها الطبيعي الهادف إلى وعظ الإنسان ويعطل فائدتها الروحية. 
 
 هل نترك التفسير الديني للأحداث سداً لباب التوظيف السياسي للدين؟
 
 إن تبنينا هذا الرأي فسيفوتنا خير كثير لأن القرآن كتاب فاعل اجتماعياً وفيه آلاف القوانين التي تتناول أزمات الناس في كافة الميادين وتنبههم إلى موطن الخلل الرئيس حين يغفلون عنه، وإن فتحنا الباب للتفسيرات الدينية فسيجري التلاعب بها واستحضارها ممن لا يبحث عن الحق ويتخذ من الدين مطيةً لخدمة أهدافه الدنيوية.
 
 ربما يكون سبيل ثالث بين ذلك قواماً، وهو أن تحيد التفسيرات الدينية من حقل العمل السياسي وأن تقوم الأحزاب على أساس مدني وتتبنى الصيغ المدنية في خطابها ومواقفها، وفي ميدان آخر يعمل العلماء على إحياء معاني الدين الاجتماعية والسياسية دون أن تكون لهم مصلحة خاصة لدى جهة دون أخرى، والضامن هنا لئلا يتم استغلال الدين هو التقوى الداخلية في نفس الفرد التي تدفعه لتدبر آيات الله بقلب الباحث عن الحق لا بقلب الباحث عن غرض شخصي أو حزبي، كذلك وأمارة التفسير الديني الصحيح للأحداث السياسية هو أن يكون تفسيراً نزيهاً يدين صاحبه نفسه قبل أن يدين خصمه ويبصر عيوبه قبل أن يبصر عيوب الناس، وأن يستطيع تقديم إطار تفسيري شامل للأحداث المتفرقة في العالم في سياق جامع، فإذا افترض أن مصاباً من جوع أو خوف أو تمزق اجتماعي مرده إلى الظلم والفساد فعليه أن يكون قادرا على إثبات هذه الفرضية حتى النهاية وعلى استحضار أمثلة متعددة من سياقات سياسية وثقافية مختلفة تؤكد ذات الفرضية وأن يملك إجابةً مقنعةً على كل الشبهات المعاكسة. 
 
 الدين يقدم قوانين طبيعيةً تتعلق بالفعل البشري وعاقبته، و حين نبرز المحتوى السنني في الدين سنحرره من الأدلجة والتوظيف. الأحداث السياسية والصيرورة التاريخية والتقلبات الاجتماعية كلها آيات يخاطبنا الله بها تماماً كما يخاطبنا بالقرآن، والقرآن لا يعني ب”الآية” الآية القرآنية وحدها، إنما يعني بها كذلك الآية الطبيعية التي تشمل أحداث السياسة والاجتماع والتاريخ: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم”.
 
 القرآن كلام الله والواقع والتاريخ كلام الله أيضاً، والمؤمن يقف إزاء أحداث السياسة والمجتمع ليس بقصد استغلالها سياسياً، بل وقفةً خاشعةً معتبرةً لأنه يعلم أن الله يخاطبه بهذه الأحداث ويحذره إن اتبع نفس السنن بأنه سيجد نفس العاقبة.
 
 “قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.