ليبيا.. نذر المواجهة بين حكومة الوفاق وخليفة حفتر

أحمد خليفة يكتب لـ عربي21: ليبيا.. نذر المواجهة بين حكومة الوفاق وخليفة حفتر

بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على أزمة الصراع العنيف على السلطة في ليبيا، أو ما عرفت إعلاميا باسم “الأزمة الليبية”، وأفرزت انقساما حادا بين الليبيين، بدأ معسكر شرق ليبيا الذي يضم حلفاء سابقين وحاليين للواء المتقاعد خليفة حفتر؛ بالتحالف مع معسكرها الغربي الذي يقوده أهم قطبين سياسيين في هذه المنطقة، وهما المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الذي يرأسه فايز السراجـ والمجلس الأعلى للدولة الذي يرأسه السياسي عبد الرحمن السويحلي.
 
 فثمة مصادر مقربة من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق تحدثت عن نية المجلس تعيين أحد أبرز القادة العسكريين والأمنيين السابقين لعملية الكرامة، النقيب “فرج اقعيم” وكيلا لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق في بنغازي؛ التي تعتبر من أهم مدن الشرق الليبي، وهي بطبيعة الواقع العسكري والأمني الحالي خاضعة لنفوذ خليفة حفتر، وهذا تمدد لحكومة الوفاق في مدينة بنغازي سيواجهه حفتر بالرفض لا محالة.
 
 ولأسباب عدة يتعلق بعضها بالنفوذ والمال والسلطة، تحول اقعيم من قيادي عسكري وميداني بارز بعملية الكرامة إلى مناوئ شرس لطموح حفتر العسكري والسياسي في شرق ليبيا، ورافض لتغول حفتر وأبنائه على السلطة والقرار والمال في تلك المنطقة، وهو ما دعاه في العام 2016 — خلال تجمع قبلي بضواحي بنغازي — إلى اتهام خليفة حفتر بالضلوع، عبر موالين له، في أعمال اغتيالات وتفجيرات شهدتها بنغازي، وإدارة سجون سرية يعتقل فيها معارضون لحفتر وتمارس فيها أبشع أنواع طرق التعذيب.
 
 وتشهد المنطقة الشرقية تغولا لأبناء حفتر، بشكل أضحوا معه متساوين مع أبناء العقيد معمر القذافي الذين سيطروا في آخر سنوات حكم أبيهم لليبيا على مفاصل الدولة الليبية.
 
 وينتمي فرج اقعيم لإحدى أكبر قبائل الشرق الليبي، وهي قبيلة “العواقير” التي يراود الكثير من أبنائها شعور بأنها رجعت بخفي حنين من معركة بنغازي التي دامت لأكثر من ثلاثة أعوام، بين مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي وقوات حفتر ومن يدعمها من المسلحين المدنيين الذين قتل منهم الآلآف في هذه المواجهات، إلى جانب أن قبيلة العواقير قدمت أبناءها وشبابها لحفتر ليكونوا وقودا في حربه لأكثر من ثلاث سنوات على ما يسميه الإرهاب، وترى الآن أن حفتر استعمل تأييدها ودعمها له مطية لتنفيذ مآرب سياسية؛ توّجها بلقاء خصوم الأمس الذين كان يصفهم بعملاء الغرب. وهنا أعني تحديدا اللقاءين اللذين جمعا خليفة حفتر وفايز السراج في العاصمة الإماراتية أبو ظبي والفرنسية باريس، وهما اللقاءان اللذان يمكن القول عنهما إنهما فشلا فشلاً ذريعا، ولم تشهد أرض واقع الأزمة الليبية تحقيق أي شي مما أعلن في البيانات الختامية للقاءين من وقف إطلاق النار، وانضواء حفتر تحت القيادة السياسية، وهي المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وهو أحد مخرجات اتفاق الصخيرات السياسي الذي وضع حدا مؤقتا لأزمة الصراع العنيف على السلطة في ليبيا.
 
 وطيلة الفترة الماضية احتكر خليفة حفتر التفاوض مع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من خلال وسطاء إقليميين ودوليين، وإن حدث وأن تواصل أحد القادة العسكرين أو الأمنيين من شرق البلاد مع هذه الحكومة فإنه يوصف بالخائن والعميل.
 
 لم يكن فرج اقعيم القيادي العسكري الأول بعملية الكرامة الذي يقفز من سفينة حفتر إلى سفينة حكومة الوفاق الوطني أو معسكر طرابلس، فقد سبقه إلى ذلك وزير دفاع حكومة الوفاق الوطني العقيد “المهدي البرغثي” الذي كان من أبرز القادة العسكريين الموالين لحفتر، ولعل الدافع وراء عملية القفز هذه هو أنه تكشّف لدى هؤلاء العسكريين أن ما يمكن أن نسميه بـ”مرحلة خليفة حفتر” في ليبيا قد انتهت بانتهاء دوره، وأن المجتمع الدولي يجهز الآن لتدشين مرحلة جديدة لا مكان فيها لحفتر وطموحه العسكري الذي ينتمي لحقبة الانقلابات العسكرية العربية، علاوة على ما يمكن أن نصفها برغبة هؤلاء العسكريين والأمنيين المنشقين عن حفتر في الدخول تحت مظلة الشرعية الدولية التي تتمتع بها الهيئات السياسية المنبثقة من اتفاق الصخيرات، وهي الشرعية التي جعلت من العاصمة طرابلس قبلة لكل الوفود الأممية والغربية على حد سواء.
 
 وفي حال صدور قرار بتعيين فرج اقعيم وكيلا لوزارة داخلية حكومة الوفاق الوطني في بنغازي، فهذا يعني المواجهة المباشرة والصدام السياسي والعسكري بين خليفة حفتر وفايز السراج من ناحية، إذ إن حفتر سيعتبر هذا القرار إعلانا للحرب عليه بتعيين وكيل لوزارة الداخلية في مدينة لا سلطة فيها بأي شكل من الأشكال لحكومة الوفاق، ويرى حفتر أنها معقله الرئيسي وعاصمة نفوذه وسلطته.
 
 وإلى جانب ذلك، من الممكن أن تشهد بنغازي مواجهة جديدة ستكون عسكرية لا شك بين حفتر والحاضنة القبلية التي أيدته سابقا بعد أن خدعها بأكذوبة مكافحة الإرهاب، والآن تحولت هذه الحاضنة، أو بدأت في التحول، للالتفاف على خصمه فرج اقعيم التي تراه هذه الحاضنة القبلية مؤيدا بشرعية مجلس رئاسي مقره بطرابلس، ويتمتع بالشرعية الدولية، مما يعني حصوله لاحقا على الأموال والميزانيات التي لا يستطيع حفتر توفيرها بشكل دائم.
 
 ولعل أولى نذر هذه المواجهة ما حظي به فرج اقعيم من استقبال حافل في مطار بنينا في بنغازي، بعد عودته خلال اليومين الماضيين من تونس التي التقى فيها مسؤولين من حكومة الوفاق، حيث كان في استقباله مسلحون موالون له ومناوئون لحفتر يستقلون سيارات مسلحة وأخرى مصفحة رافقته إلى مقر سكنه بضواحي المدينة.
 
 ورغم ذلك يبقى ترقب تعيين فرج اقعيم وكيلا لوزارة الداخلية ورقة ضغط يلوح بها السراج في وجه حفتر لعلها تحد من تغول حفتر وطموحه إلى حكم ليبيا، وخصوصا بعد أن أعلنت منظمات دولية بارزة في تقاريرها أن قوات حفتر، المدعومة بشكل مباشر من حكومتي مصر والإمارات، ارتكبت جرائم الحرب خلال مواجهاتها لأكثر من ثلاثة أعوام مع مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي والموالين له في شرق البلاد، وهي جرائم دفعت محكمة الجنايات الدولية إلى إصدار مذكرة اعتقال ضد الرائد محمود الورفلي القائد العسكري لهذه القوات الذي اشتهر بقتل ضحاياه خارج نطاق القضاء، تماما مثلما يفعل تنظيم الدولة.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.