إعلام أصله قرد

أحمد عمر يكتب لـ عربي21: إعلام أصله قرد

بشرى سارة وخبر عاجل:
 
 عثرت الفضائيات العربية على الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد بعد سقوط الانقلاب التركي. كانت هذه الحلقة مخبأة تحت قاعدة الانقلاب التركي، كما كان الخاتم السحري مخبأ في بطن السمكة المسكينة في الحكاية الشهيرة.
 
 ساد هذه المرة اسم الانقلاب بلا مواربة في كل الإعلام الذي يرقص على ألحان “بشرة خير”، وكان الإعلام العربي قد وجد مشقة في وصف انقلاب فاتح مصر الجديد عبد الفتاح السيسي ومحررها من “احتلال” عمرو بن العاص بالانقلاب. اتكأت فضائيات الربيع العربي وقتها على وصف جون ماكين للثورة السيسية التلفزيونية بالانقلاب، فجون ماكين شيخ من شيوخ الكونغرس، ونحن بحاجة لشهادة مثل شهادة ماكين، فهو من أهلها، شهادته بشهادة اثنين، وهناك من يقول شهادته بمليون عربي.
 
 وكان جون ماكين قد وصف الانقلاب بالبطة. الإوزة أرشق من البطة لطول قوائمها وتلع جيدها، وهي تتشابه مع البطة في كثير من الصفات أولها أنهما من الطيور، لكن الإوزة ليست بطة، والفأر ليس سبعاً. وكان الدميري في كتابه “حياة الحيوان الكبرى” قد أنكر مبكرا، بالحدس والفطنة والفراسة قبل اكتشاف علم الجينات وعلم المؤتفكات وعلم الفوتوشوب، أن يكون الورل من أسرة التمساح الشريفة. العلماء الأقدمون كانوا يعتقدون أنّ الفأر ولد من عطسة الأسد، والعلماء المحدثون علماء جينات الكفتة يظنون أن السيسي من آل البيت، مع أنه من اللافقاريات وهناك من يقول إنه من مفصليات الأرجل.
 
 بعد ثبوت هلال النصر للشعب التركي على بوكيمونات طروادة، وبعد أسبوع من سرقة القطة لأذن أكين أوزتورك، اضطرت فضائياتنا الموقرة للقبول بوصف البطة التركية، فسمّته انقلابا، وكادت من قبل أن تصير انتفاضة على لسان السفير الأمريكي بأنقرة، وشهادته بمليون أيضا، وعملت انعطافة في الموال، فأصبحت تغرد قائلة إن الكيان الموازي هو الأخ التوأم لتنظيم الإخوان المسلمين، وكان حزب العدالة والتنمية هو أخوه التوائم في خطابها السابق طوال مدة حكم أردوغان، فسبحان مغير الأحوال و… الموال.
 
 تطوع أحد الكتاب في موقع حزب الحرية والعدالة،الذي يتشابه اسمه مع اسم حزب العدالة والتنمية، وربما أخذ عنه، وتشابه الأسماء لا يعني شيئا، فمعظم الأحزاب الدكتاتورية الحاكمة لها صفات الديمقراطية والاشتراكية وهي منها براء… فقارن الكاتب الإخواني بين التنظيمين: الموازي في تركيا، وتنظيم الإخوان في مصر، وكان قد جاء في مقال جريدة الشروق المصرية: “حلال على الإخوان أن يكونوا كيانا موازيا في مصر، وحرام على غولن وجماعته أن يفعلوا نفس الشيء، أم أن الرئيس التركي يكيل بمكيالين؟!”.
 
 كان مقال الشروق قد أدعى خمسة وجوه للتشابه بين الإخوان وتنظيم غولن، وهي: التعليم، والعمل الخيري والإغاثي، واختراق للقضاء والإعلام والجيش، والشرطة، وإنشاء بنوك ومصارف…
 
 يزعم كاتب الشروق في الوجه الخامس للشبه أن الأهم هو موقف أمريكا التي تستغله أحسن استغلال، فالإخوان طابور خامس أمريكي مثل تنظيم غولن! كاتب الشروق يعتقد، جادا غير مازحٍ ولا هاذرٍ، أن اليسار هو المخلص المنتظر وهو عدو أمريكا الأول! من الجهة المقابلة يحاول الكاتب الإخواني في رده تفنيد ادعاءات كاتب الشروق، فيقول: إن تنظيم الإخوان لم يستطع التسلل إلى الجيش والشرطة والإعلام فكلها أجهزة كتيمة، وأقرّ بأن التنظيم “المقاطع” للإخوان اخترق مجالا سياسيا واحدا هو النقابات المهنية القابعة في ظلال الهامش والتي سرقها الانقلاب أيضا.
 
 ويقرّ بأن التمييز بحق الإخوان كان شاملا، والحق أنه تمييز بحق الشعب المصري في الجيش والشرطة والإعلام.. والحياة، كما لو أنهم من طبقة الشودرا في الهند. ويرد على دعوى الشبه الثاني فيقول: إن الكيان الموازي لجأ إلى الانقلاب في دولة ديمقراطية، بينما لجأ حزب الإخوان إلى الديمقراطية في دولة ديكتاتورية، ويردُّ على شبهة الشبه الثالث بالاستدلال بالقبول الشعبي للإخوان بدليل فوزهم في الانتخابات الرئاسية والدستورية، أما أصوات خدمة فقدرت نسبته في التقديرات الانتخابية بـ 5%…أما الشبهة الرابعة، فهي الدعم الأمريكي ومشاركته في الانقلاب وقيادته له، ورعايته لغولن الذي يعيش في حضنها.
 
 وعلى النقيض دعمت أمريكا انقلاب السيسي على الرئيس مرسي والإخوان منتصف 2013، باعتراف السيسي نفسه، بتواصله مع وزير الدفاع الأمريكي، وعلم أمريكا بالانقلاب على مرسي قبله بـ3 أشهر على الأقل وغضّت النظر عن مذبحة ومحرقة على الهواء مباشرة. أحيانا تقوم أمريكا باختبارات للتسلية وسبر قوة جهة سياسية في دولة ما، كما فعلت بموافقتها على انخراط حزب العدالة والتنمية في لعبة السياسة التركية، وقد تجاوز الإخوان والعدالة والتنمية كليهما الخطوط الحمراء الأمريكية، فجرى ما جرى: انقلاب ناجح في مصر وانقلاب فاشل في تركيا.
 
 وأضيف إلى مقال الرد قائلا: في أوجه الشبه قد نجد تشابهات كثيرة بين الكيان الموازي وتنظيم المورمون وتنظيم الإخوان والأخويات المسيحية في أمريكا، لكن الفرق الأهم بين الإخوان وتنظيم خدمة الموازي هو في الفروق بين العقيدة والمنفعة، فجماعة إخوان خدمة يؤمنون بشعار “الغاية تبرر الوسيلة،” فهي جماعة مرنة في العقيدة ثابتة في السياسة، على النقيض من إخوان مصر الذين هم جماعة ثابتة على العقيدة مرنة في السياسة. أهم ما أخذ على الإخوان من الجماعات المتشددة المنافسة، هي قبولها بالاحتكام إلى صندوق الانتخاب، فكُفرت عليه، بينما نجد عند جماعة غولن وكل السلفيات الدينية التي نزحت من الحلقات الصوفية إلى السياسة في البلاد العربية؛ مرونة هائلة في العقيدة، وثباتا على العقيدة السياسية!
 
 أباحت جماعة غولن الربا وأنشأت بنوكا ربوية، ورخصت في الحجاب فصارت عقيدتها في الحجاب مثل عقيدة وزارة الأوقاف المصرية: الحجاب عادة. قبل سنوات وجدت عمرو خالد، أحد أشهر الدعاة في العالم العربي، يبثُّ فيلما يحذر المسلمين فيه من الفرجة على مباريات وأفلام مقرصنة، فاستغربت، فهو ليس مفتيا، ولا يصلح للفتيا، وليس هذا ميدانه، فهو لا يتقن اللغة العربية، ولا يكاد يعرف تلاوة وقراءة القرآن والأحاديث الشريفة، ويرفع المنصوب في اللغة والسياسة وينصب المرفوع في اللغة والسياسة، إلى أن وقع انقلاب السيسي، وتلاه انقلاب تركيا، فوجدناه بين الانقلابيين وعرفناه بسبابته (أصبع الشهادة) وسبوبته.
 
 أهم ركن من أركان العقيدة الإسلامية في السياسة هي الموقف من إسرائيل “الحبيبة”. وقد رأينا موقف “خدمة” من سوريا ومن سفينة مرمرة.. أما موقف الإخوان فنعرفه وقد رُدعوا بعقوبة الاستئصال التي يقوم بها المندوب السامي الإسرائيلي في مصر السيد بلحة السيسي.
 
 وافق محمد زاهد غل، أحد الإعلاميين القريبين من العدالة والتنمية، على أوجه الشبه بينهما، فهو صحافي لا يهمه التدقيق، المهم لديه هو تجريم عصابة غولن، وإن جرّم معهم الإخوان عرضا في حوار شفاهي غير مدقق، بل إن إعلاميين من العدالة والتنمية يجاهرون بمعاداتهم لخطاب الإخوان الذي يضرهم في المحافل الدولية، أما خميني خدمة فقد تمنى أن يموت شهيدا مثل سيد قطب!
 
 تنظيم الإخوان هو الخصم القوي لكل انقلابات العرب، وهو المنافس الأوحد لها حاليا، أما التنظيمات السلفية فقد تحولت من التقوى الكاذبة إلى التهريج: تبيح الزنا بالعازل، أو بالهرب عند انقلاب المغتصب على الزوجة ( تنعقد الإمامة الكبرى بالتغلب والاستيلاء والاغتصاب بالقوة)، ويلتقي ناطق حزب النور بتسيبي ليفني فيحتفلون بشهادته من الجامعة الأمريكية… الجماعات السلفية بمعظمها هي جماعات مسيحية سياسيا، تقبل بهذا الصيغة: “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لشيخ الجماعة”.
 
 موقف أمريكا الراضي من ضحايا انقلاب العسكر على المنتخبين والغاضب على العسكر المنقلبين على المنتخبين؛ يوضح لكل ذي حجر الفرق بين الأخوان وبين جماعة غولن.
 
 الإوزة غير البطة، والورل لا علاقة له بأسرة التماسيح التي تحكم في معظم البلاد العربية والغربية أيضا، أما الإعلام العربي فقد بان أنّ أصله قرد.
 
 عثرنا على الحلقة المفقود بين الإنسان والقرد.