مرسي والسيسي الأمير والفقير

أحمد عمر يكتب لـ عربي21: مرسي والسيسي الأمير والفقير

تعدُّ حكاية الأمير والفقير من أثرى النصوص الملهمة للدراما على الإطلاق، ولا أعرف حكاية اقتبست عنها الأفلام أكثر منها، وتحسب القصة التي كتبها أبو الأدب الأمريكي مارك توين هي أم هذه الأفلام والمسرحيات الكوميدية وأشهرها عند العرب مسرحية “الزعيم” لعادل إمام وما لا يحصى من أفلام ومسلسلات الشبيه وكلها تدور حول الملك والثروة، وفلم الدكتاتور (من إخراج لاري تشارلز)، وفيلم الدكتاتور لشارلي شابلن، لكن رواية الكسندر دوماس الأب “الرجل في القناع الحديدي” هي أقدم من قصة مارك توين، وكان فولتير قد سبق دوماس في توثيقها تاريخاً، وأقدم منهما قصة في ألف ليلة وليلة تروى عن هارون الرشيد الذي كان يتنكر لمعرفة أحوال الرعية، فيجد فقيراً يدعو ربه أن يصير أميراً، فيوليه الخلافة يوما وحداً، وأقدم منها قصة وردت في الأثار الإسلامية الإسرائيلية ويراها علماء المسلمين قصة منكرة، لا تليق بالنبوة والعصمة، وفيها أنّ الشيطان أخذ صورة سليمان وتقمص شخصه وسرق خاتمه من زوجته واسمها المتجردة وهو في الحمام، في الرواية يتولى الشيطان الحكم أربعين يوما، ويتشرد سليمان عليه السلام في الشوارع ويعمل صيادا حتى يعيش، ثم يصيد سمكة في بطنها خاتم ملكه فيعود إلى الملك، وهو ملك لم ينله أحد من العالمين. لم يرد أن الرواة قالوا إن الشيطان تهدد الناس قائلا: اللي ح يقربها لها ح أشيلوا من وش الأرض!
 
 والأقدم على الإطلاق هي قصة الخليقة التي وردت في الكتب المقدسة: قصة الأمير هابيل والفقير قابيل، وهما توأم يفصل بينهما ساعة ولادة، وجد فيها الأكبر ولادة أنه الأولى من أخيه بسبب عامل الزمن والبكورة، لكن التفاضل عند الله هو بالتقوى، عفوا قابيل لم يكن فقيرا، وهابيل لم يكن أميرا، قابيل لم يكن ابن ست مثل السيسي، وهابيل لم يكن مثل مرسي ابن فلاحة مصرية لكنها حكاية النبل والفضيلة والجريمة والسلطان، وفي القرآن الكريم هي قصة التقوى والتقوى في القرآن الكريم هي أم الفضائل وبطاقة الدخول إلى الجنة ومناط التفاضل عند الله، لا العرق ولا اللون، والتقوى خصلة يمكن لكل البشر اتباعها فيصيرون بها أمراء وملوكا في الدنيا والآخرة.
 
 بعد استعراض هذه الديباجة، وديباجة الدستور مادة دستورية، ولم يكن يوما في البلاد العربية المركزية والجمهورية خاصة دستور، فهو حبر على ورق، وماء في ثلاجة، ولا يعني شيئا، سأتذكر بعض مفارقات الفقير السينمائية الكوميدية في قصر الملك، وتسمى في علوم النقد السينمائي سينما الشبيه.
 يتولى الفقير الأمارة باتفاق بين الأمير والفقير، و الفقير يشبه الأمير الخالق الناطق، فيرد عليه الخدم ويغسلون يد الأمير(الفقير) على المائدة فيشرب الماء الفاضل من الغسل في الإناء فيتأسى به جميع الأشراف والنبلاء! وتقع لحظات درامية مؤثرة في الفيلم المأخوذ عن قصة دوماس الأب عندما يعطف الملك الفقير السجين سابقا بعد تحريره من القناع، على سيدة من الأشراف تتعثر في الرقصة، فيخرق المراسيم والآداب ويفزع لنجدتها! وكان الملك قد حبس شقيقه التوأم في قناع حديدي حتى لا ينافسه في الملك، كما يحبس السيسي مرسي في قفص زجاجي ويحول بينه وبين الناس، ونعرف جميع المفارقات في مسرحية عادل إمام خذ مثلا عندما يطالب سكرتيره بأجر تمثيل دور رئيس الجمهورية فيطلب: عشرة جنيه! فيضحك أحمد راتب ويقول أنت رئيس جمهورية.. رئيس جمهورية…!! فيرفع المبلغ لأثني عشر جينها.. فيما بعد جاء فقير بالعقل والنقل والكرِّ والصرِّ، صغير بالشأن، إلى القصر رئيساً وطالب الشعب بالفكة، وأمراء الخليج بالرز، والشعب بالجوع.. وتبيّن بعد تصريح الثلاجة أنه سمكة كما تنبأت في مقال على هذه الصحيفة التي سيأكلها الدود ولم ينتبه إلى الطرفة أحد.
 
 شرط الكوميديا في النص هو التباين بين الفقر والغنى، والكرامة والخسة، والأصالة والدس.. تعالوا نقارن بين الأمير مرسي وبين التزوير السيسي:
 
 لنعترف أنّ مرسي فلاح مصري أصيل، لكنه بشهادة الشهود ومنهم أحمد زويل عالم، اجتهد وتفوّق وصار أستاذا في جامعة الزقازيق، وله مشاريع علمية، تختلف عن مشاريع السيسي العلمية مثل الكفتة وفيروس الكبد “والسلاطان” و”علاكه”، وكان الإعلاميون المصريون يسخرون من اسم الجامعة ويكادون يزقزقون مثل الصراصير، وهذا لا يليق بإعلام محترم يسخر من جامعات بلاده.
 
 الأمير مرسي لم يقبض قرشاً واحداً من أجوره خلال سنة حكمه وهي علامة نبل وإمارة وخلق أشراف، وكان بسيطا مثل كل الناس، ونظر إلى ساعته في زيارته لألمانيا فاتخذها خصومه هزواً وهي علامة إمارة فالوقت سيف، واتهموه بهدر ثروة ثلاثة مليون دولار من أجل صلاة، والصلاة اتصال مع الله وهي أغلى من حُمر النعم، ومن الدنيا وما عليها لدى المؤمنين، وشعب مصر شعب مؤمن.. 
 
 وكان خصومه يسخرون من الفلاح الذي سيمشي على السجاد الذي مشى عليه الفراعنة، وعاد الخصوم لعبادة الفراعنة في مصر، حتى أن ثرياً موّل قناة اسمها الفرعين نكاية بعمرو بن العاص الذي قُتل على مذبح الإعلام المصري، وعمرو بن العاص أحد أشراف قريش، ومن الملأ المكي، وفاتح مصر، ومرسي في القفص وفي السجن مَثَلهُ مَثَل الأمير ذي القناع الحديدي في قصة ألكسندر دوماس. ووجدت النخبة المصرية العسكرية والإعلامية عجلاً جسداً له خوار وثلاجة فعبدته. 
 
 أما الصغير، الذي أخذ دور الأمير، بعد سرقة الخاتم، وزعم أنه سيد الزهاد والورعين، ويعيش على الماء، من غير تمر ولا بلحة، فرأينا عرساً على الفضاء الإعلامي فرحا “بمولد سيدي العطشان”. زعم الرجل أن ثلاجته لم يكن فيها سوى الماء، وربما كان يتدرب على تعويم الجنيه وتعليمه السباحة، فهي معجزة أن يعيش على الماء.
 
 وقد غرد الكولومبو ضاحي خلفان منجدا ومستنكرا السخرية من العابد، الزاهد، المشير، وقال: لمَ تستغربون أن يعيش السيسي على الماء وحده؟ فأنا ليس في بيتي ثلاجة من عشرين سنة! وأخشى أن يخرج دحلان أو حفتر ويقول: أنا ليس في بيتي ثلاجة، ولم أشرب الماء من ثلاثين سنة! حفتر ودحلان: مَثَلُهما مثل فأر الصحراء الذي لا يشرب الماء وإنما يؤلفه في جوفه موحداً بين ذرتي هيدروجين وذرة أكسيجين، فسبحان رب المشرقين والمغربين. أو قد يبرهن هؤلاء على إمكانية العيش من غير ماء إطلاقا، فهم لا يؤمنون بالعلم ولا بآيات الذكر الحكيم: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”.. أو أنهم موتى ولكن لا تشعرون.
 
 حطم السيسي سدّ الضحك العالي وغرقت بلدان توتير ومدائن الفاسبوك بالضحك. كان السيسي خلال هذه السنوات الجدباء، المحل، يأكل وجبة الميّة المشلتتة، وكشري المي، ومرق مرق مرق الميّة، وملوخية الميّة، وأكلة الميّة المحشية بالميةّ…وميّة بالميّة%.
 
 وانتظرنا أن يخرج متحدث رئاسي مثل عمر سليمان يقول فيه: في هذه الظروف الخلطبيطة التي تمر بها البلاد قرّر المجلس العسكري إحالة المدعو عبد الفتاح اللمبي إلى السرايا الصفراء بعد أن وجدته معتوهاً ومتوفيا وعاجزا عن العمل وما بيجمعش وخرنق والله الموفق (بفتح الفاء) والمستعان.
 أو يظهر متحدث عسكري مثل الفنجري يوضح أن تصريح السيسي حول ثلاجته السحرية كان تعبيرا مجازيا لا حقيقة، لكن ذلك لم يحدث. 
 
 يا معشر الناس: السيسي ليس كوميدياً بالفطرة وما مصدر الفكاهة إلا كوميديا الشبيه والتزوير، كوميديا الرجل الفقير في مكان الأمير، وكان الصديق سامي كما الدين قد توقع حلاً لهذه المعضلة وهي أن يشيع الإعلام المصري أن السيسي الحالي هو سيسي شبيه دسّه الإخوان للإساءة إلى سمعة مصر!
 
 وهكذا رأينا فقير مارك توين، شخصا من لحم ودم، لا من صوف الخيال.
 
 هل رأيتم أبو ضحكة جنان؟ أنه يضحك ضحكة عجيبة، كأن ملائكة تدغدغه في خاصرته، كأنه عدمان ووقع في سلة تين، يطير عقله مع “المزز”، ويأخذ الصور التذكارية مع السيّاح، وفاتن حمامة، وبقية الفنانين… ويزعم أنه طبيب وفيلسوف…. السيسي يهدد ويتوعد الشعب المصري من أن يقترب من مصر ويقول: اللي ح يقرب لها ح أشيلوا من وش الأرض وكأنها السيدة “مُزَته”، وعندما يسأل عن فلسفة الحكم وبرنامجه من فريق إعلامي فيصمت دهرا، وكل دقيقة على الإعلام ثمنها الشي الفلاني وتمر الدقائق والسنوات ثم يقول للفريق كفراً: كده!
 
 لم يحدث أن تفوق فيلم على فيلم الأمير مرسي والصغير سيسي: 
 
 عدمان ووقع في سلة تين.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.