وحده في البيت... ومصّيف درجة ثالثة!

أحمد عمر يكتب لـ عربي21: وحده في البيت… ومصّيف درجة ثالثة!

تعقب القصاصون والقيّافون، آثار المرشح الملياردير العشوائي ذو الناصية الشقراء الطويلة، الألماني الأصل، الهتلري النزعة، دونالد ترامب، فنبشوا في المذكرات والوثائق، فعثروا له على مشهد قصير مدته أقل من نصف دقيقة، من فيلم “وحده في البيت”، إنتاج 1990. عمل فيها المرشح الرئاسي الجمهوري “كومبارسا” لولد عمره ثمان سنوات!
 
 وتذكر المصريون الرئيس مبارك، الذي عمل أيضا “كومبارس” في فيلم “وداع في الفجر” من غير أن ينطق بجملة واحدة! وحجب الفيلم، وتلكما سبّتان غير حميدتان. الكومبارسية تشي بأنّ الرئيس القدير، كان يسعى للظهور، في صندوق الدنيا، حاشيةً لأحمد مظهر، وشادية. ترامب نطق جملة واحدة! أما مبارك، فظهر أخرس، وحرك شفتيه تمتمة غير مسموعة. لا يستطيع ترامب منع الفلم، أما مبارك فمنع الفيلم وصادر بكرات الفيلم، مع أنه ظهر في الفيلم قائدا لسرب طيران؟ ودّعْنا مبارك في الفجرية والديك يصيح كوكو، وسنودّع ترامب في منتصف الليل البهيم. قولوا إن شاء الله.
 
 إلا أن الفيلم-والشيء بالشيء يذكر-ذكّر كاتب هذه السطور، بفيلمين أو ثلاثة، كلها أفلام أمريكية، أولها فلم من إنتاج 1971 عنوانه: “أن تكون هناك”. سنلخصه للقارئ، لأنه أقل شهرة من فيلم “وحده في البيت”. فهو مربط “البغل” في هذا المقال.
 
 استطاع هذا الفيلم الساخر الفريد، النجاة من بأس النمطية الهوليودية الأمريكية، التي تهدف إلى تسويد صورة السوبرمان الأمريكي، ومن ضمنه فلم “وحده في البيت”، الولد السوبرمان، متوسلا في ذلك كافة الوسائل والأساليب التقنية والفنية. كما أن تميزه يتأتى من شجاعته في نزع القناع عن وجه الحضارة الأمريكية، وكشف زيف “أضواء المدينة” التي دغدغها من قبله شارلي شابلن من خاصرة أخرى. إنه مقلوب السوبرمان: العبيط!
 
 ملخص قصة الفيلم:
 
 “تشانس” والذي يعني بالعربية: المحظوظ، بستانيٌ، “مبروك”، ساذجٌ، بسيطٌ، ليس له من عمل في حياته البسيطة سوى: العناية بالحديقة، ومشاهدة التلفزيون. يجد تشانس نفسه في الشارع بسبب الضرائب ومصلحة العقارات، مع حقيبة ومظلة، هي كل متاعه من الدنيا. وهو رجل أنيق، قليل الكلام، ينطق بما يشبه الحكمة. قال الأقدمون خذوا الحكمة من أفواه المجاذيب. لكننا أسرفنا فأخذنا الرؤساء من المجانين.
 
 يجد تشانس نفسه تائها في الشوارع، ولأنه اسم على مسمى، تدهمه سيارة فاخرة صدمة خفيفة لا بأس منها، وتصرُّ السائقة، زوجة الملياردير على إسعافه إلى قصرها، وتحضر فريق العائلة الطبي لمواساته ومداواته، وينشد الجميع للرجل الغريب، الذي يواجه طقوس الحياة الفاخرة بصوفية نادرة. فيقع صاحب البيت، الملياردير “راند”، عضو الكونغرس، وضيوفه، في أسر أجوبته وصمته، ويعامله بندية. مردّ الوله به هو بساطة الرجل، وزهده في المراسيم. يجتهد المضيف في تأويل كلمات البستاني المجذوب، كما لو أنها رسائل مترعة بالحكمة الكونية!
 
 تتطور الصداقة بين الملياردير والبستاني الفقير إلى أن يصير أسيرا لحكمة البستاني، فيشركه في مصير ثروته و….زوجته! ويستمتع المُشاهد بمشاهد مرحة، لا اصطناع فيها، كما في فيلم “وحده في البيت”. أقوى تلك المشاهد نراها حين تندس الزوجة في فراش البستاني، متحرشة به، وحين تقبله، فيبادلها بقبلة طفلية عاصفة. يفاجَأ الرئيس الأمريكي الزائر باحتقار البستاني له، وطريقة مصافحته، وأجوبته الشعرية المجازية عن الحياة السياسية، فيعود مكدرا، ويكلف دوائر الاستخبارات، باستقصاء هوية هذا الرجل الداهية الغامض، الذي استهان به وازدراه، فلا يعثرون له على أثر!
 
 يتحول تشان إلى شخصية المشهد الأمريكي السياسي المركزية، ونجم الانتخابات القادمة، وتتسابق إليه كبريات الصحف طلبا لمقابلات صحفية، وتتحول كلماته إلى نظريات سياسية، ويتبنى الرئيس الأمريكي نظريته الاقتصادية، في خطابه إلى الكونغرس: فلابد لكل حديقة من بستاني! إنه آدم سميث جديد: دعوه يزرع، دعوه يحصد.
 
 تنطلي هذه الخدعة على الشعب المقاد بتعويذة الإعلام السحرية، سوى طبيب الملياردير راند. الذي يكتشف حقيقة البستاني العبيط، لكنه لا يجرؤ على البوح بالحقيقة، فلن يصدقها أحد بعد أن أممها الإعلام تأميما، وصار تشان أيقونة و”أيدول”. لن يستطيع كسر الصنم.
 
 تُذكّر رواية البولوني المهاجر جرزي سوينسكي (1933 -1991) “أن تكون هناك”، بقصة لعزيز نسين، عنوانها “ملك السماد”، وفيها يهاجر تركي إلى أمريكا، ويتحول إلى مليونير، وإلى”ملك السماد”، من وراء تجارة بسيطة لا تخطر على بال. أمريكا الديمقراطية كلها ملوك وأباطرة يا ناس: ملك للسماد، ملك للسينما، ملك للبطاطا، في القصة الساخرة ينصب المهاجر الفقير، الذي ليس له أي مهنة، أو رخصة عمل، خيمةً، ويقف على بابها، فيسأله العابر من السابلة: ماذا بالخيمة؟ فيقول له التركي بصراحة فجة: فيها “خـ”. فيدفع الأمريكي ثمن التذكرة، ليروي فضوله، ويدخل ويخرج وهو يولول: فيسأله الناس عن سرِّ بضاعة الخيمة، فيقول لهم هاربا: ليس فيها سوى “خـ.”..!
 
 الفلم الأمريكي الرائع يصور غباء المجتمع الأمريكي، وقوة الإعلام، وبيع “الخ…” للناس، وعطش الناس للغريب، وإلى البساطة والفطرة التي فقدوها، إلى ذلك الحد الذي تحول فيها بستاني عبيط، سفيهٌ، إلى ما يشبه المخلوق الفضائي، أو المهدي المنتظر. ثم ما لبثنا أن رأينا النبوءة متحققة في الرئيس الأمريكي الأهبل جورج بوش الذي وصفه الروائي الشهير نورمان ميلر: أغبى رئيس في العالم! ترام الشقي فيه بعض صفات البستاني، فهو عشوائي، صريح، عنصري، عصبي… لم نعهد صراحة مثل هذه في “الرؤساء” الأمريكيين، أو من في حكمهم، فهم يتدربون طويلا على بيع الخـ…. للشعب مغلفا في علب أو على شكل أفلام أو شعارات.
 
 السؤال: هل لهوليود، وهي المعبد الأمريكي الأكبر، أولمب أمريكا، بآلهتها من النجوم، قدرة على التنبؤ مثل عرافة دلفي؟ أم أن الأمر يكمن في قدرتها على صياغة الرأي العام وصناعة العقول وتدجينها! رأينا النبوءة في فيلم آخر: هو فيلم “الدفاع الأفضل”. 
 
 أُنتج هذا الفيلم الكوميدي سنة 1984، وكانت أحداثه تدور حول تهديد العراق للكويت، والحكومة الكويتية تستعين بالحكومة الأمريكية لتدريب الجيش والدفاع عن الكويت، مما استدعى إرسال جنرال هو الممثل الكوميدي ايدي مورفي، إلى الكويت لتدريب الجيش الكويتي على نوع متطور من الدبابات. وهنا تحدث المواقف الكوميدية الساخرة من الجيش الكويتي. لقد صدقت النبوءة، أو أنّ قادة الأمة الأميركية تبنوا سيناريو الفيلم، ونفذوه تنفيذا، أو أن هناك وحدة حال بين السينما والبيت الأبيض! “هوليوود وواشنطن تـنبعان من مصدر واحد” هكذا وصف جاك فلينتي الرئيس السابق لشركة “موشن” الأميركية لإنتاج الأفلام العلاقة بين العاصمة الأميركية وعاصمة السينما العالمية. في وقت إصدار الفلم كان الكويتيون يعلقون صور صدام حسين في صدر بيوتهم إعجابا بعروبته وتصديه للفرس “المجوس”! وكانت تمنع الرقابة الكويتية أفلام العنصري مورفي!
 
 نعود إلى مربط البغل …
 
 رأينا السيسي “هناك” في القصر الجمهوري! إنه يشبه البستاني تشان “كسيرا”. “صحيح”. قد يعارضنا معارض، فيقول: إنّ السيسي ليس بستانيا، فهو ضابط، ووزير حربية، وإن كان عقله عقل عبيط. يقول الحِكم، ويبدي الندم، في حق الغنم. وهو حديث الساعة، وقد صار رئيسا، بل سيجادل المعارض بأنه واسع الحيلة، وقد احتال على مرسي وعلى الشعب المصري. وأنه فلتة من فلتات الزمان. جوابنا هو: إن الجيش المصري كله بات يعمل في البستنة وصناعة الكعك، وليس السيسي وحده، واخد بال حضرتك…!
 
 تشان السيسي، دكر البط، هو ملك السماد المصري: طلوا على بلنكو صحيح. دي أشباه دولة.
 
 طفحت المجاري، ومياه الشرب بالسماد.
 
 اللهم سهلها يا رب.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.