إدارة الفساد المنظم في مصر

أشرف دوابه يكتب لـ عربي21: إدارة الفساد المنظم في مصر

في يوم من الأيام صرح زكريا عزمي عضو مجلس الشعب ورئيس الديوان الجمهوري الأسبق في عهد حسني مبارك بأن الفساد في مصر أصبح للركب، ووقتها تناقلت الأصوات تلك المقولة لتمثل اعترافا من أعلى مسؤول رفيع في الدولة وقتها بحال الفساد في مصر.
 
 وجاء عهد عبد الفتاح السيسي بانقلاب عسكري ليترحم الناس على الفساد في عهد مبارك، فقد رفع السيسي شعاره لا أريكم إلا ما أري، وخلق بيئة تشريعية لتقنين الفساد وعسكرة الاقتصاد، فسيطر العسكر على مقدرات وموارد مصر بالأمر المباشر، حتى جاوز الفساد الأعناق، وأصبح الفساد يدار بصورة منظمة، ولم ينس السيسي استخدام أسلوب اللقطة الإعلامية كعادته لإظهار محاربته للفساد، وقدا بدا ذلك واضحا في مسلسل القبض على وزير الزراعة في ميدان عام، والقبض على أمين عام مجلس الدولة والتخلص منه بطريقة مريبة.
 
 وقد جاء مؤشر مدركات الفساد لعام 2016 الذي أعلنت عنه منظمة الشفافية الدولية في الأسبوع الماضي ليشير إلى أن مصر أكثر فساداً في عام 2016، فقد تدهور وضعها على مؤشر الفساد درجتين في 2016، حيث سجلت 34 نقطة، مقابل 36 العام السابق. ومن المعروف أنه كلما اقتربت درجة الدولة على المؤشر، الذي يقيس مستويات النزاهة سنويا في مختلف دول العالم، من صفر كلما دل ذلك على أن تلك الدولة أكثر فساداً وكلما اقتربت من 100 كلما عكس ذلك زيادة نزاهتها. وقد احتلت مصر المركز 108 في مؤشر الفساد من بين 176 دولة شملها المؤشر في 2016، وكانت تحتل المرتبة 88 من بين 168 دولة في عام 2015.
 
 وقد وصفت منظمة الشفافية الدولية الفساد في مصر بأنه مستشريا في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته. وذكرت أن الحكومة المصرية تعدت على الهيئات المستقلة حين أقال عبد الفتاح السيسي بمرسوم رئاسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، وأدانته وحاكمته قضائيا عندما كشف عن حجم ما كلف الفساد في مصر في الأربع سنوات الأخيرة والذي قدره بنحو 600 مليار جنيه.
 
 إن ما ذكرته منظمة الشفافية الدولية يعكس كيف استشرى الفساد في ظل حكم العسكر، وغوص السلطة الحاكمة فيه، وحمايتها لها. فمن المسلمات أن الفساد نقيض الإصلاح، وأنه ينمو ويترعرع في ظل غياب الشفافية والإفصاح، التي لا مكان لها في حكم العسكر باسم حماية الأمن القومي المزعوم! 
 لقد حذر ابن خلدون من الجاه المفيد للمال حيث يكتسب البعض من خلال المنصب والنفوذ الإداري في جهاز الدولة أوضاعا تسمح لهم بالحصول على المغانم المالية وتكوين الثروات السريعة، وتكون عادة بمثابة “ريع المنصب” وهو ما يفعله العسكر الآن، وهو نفس ما توصلت إليه الأمم المتحدة في تعريفها للفساد بأنه: سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص.
 
 والفساد والاستبداد لا ينفصلان، فليس من وراء الاستبداد إلا الفساد وليس من وراء الفساد إلا خراب العمران، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر 6–14).
 
 إن خطورة الفساد في سرقته لثروات الأمة، فهو يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل وقدرة أكبر على الحصول على المسكن والطعام والمياه وغيرها من ضروريات الحياة، وهو يضعف جودة البنية الأساسية والخدمات العامة، كما أنه يؤثر على كل من العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية نظراً لارتباطه بإعادة توزيع أو تخصيص بعض السلع والخدمات، حيث يسهم الفساد في إعادة تخصيص الثروات لصالح العسكر محتكري السلطة ، ويوسع الفجوة بين الطبقات ، ويؤذي الشريحة الفقيرة من المجتمع ويزيدها بطالة وفقرا، ويهدر الإنفاق العام ويزيد من عجز الموازنة ويحول دون التخصيص الأمثل للموارد.