أصوات القصف والرصاص تحرم أطفال سوريا من "التهويدة"
أم محمود: غالبا ما كان يغيّب صوتي عن طفلي صوتُ القصف أو المعارك ليلا — تويتر

أصوات القصف والرصاص تحرم أطفال سوريا من “التهويدة”

لم تعد كثير من الأمهات السوريات يرددن “التهويدة” لأطفالهن قبل النوم، فلحظات الآلام والقتل والقصف العنيف؛ أنست الأم السورية الكثير من فنون أمومتها، وغالبا ما أصبحت تكتفي بتلاوة القرآن والدعاء بسلامة أطفالهن، حيث أصبحت السلامة من تبعات القصف وأزيز الرصاص؛ هي القضية الأولى في البلاد.
 
 أم محمود، شابة عرفت الأمومة أواخر طفولتها بعد اندلاع الثورة الشعبية في سورية بشهور قليلة، لكنها كانت واثقة من أنها ستنجو، وبالفعل وصلت وأسرتها أخيرا إلى أنطاكيا بتركيا، محملة بثلاثة أطفال ولدوا خلال سنوات الحرب.
 
 تقول أم محمود: “عندما أنجبت طفلي الأول محمود؛ كانت رحلة الحرب والنزوح قد بدأت، وفي كل مرة يشتد القصف؛ نضطر لمغادرة منزلنا في ريف حلب الشمالي، والتوجه للغربي، ومن الغربي للشمالي.. وهكذا باستمرار”.
 
 وأضافت لـ”عربي21": “لم أكن أتذكر أية أنشودة أرددها للطفل، كما كانت تفعل الأمهات سابقا، وغالبا ما كان يغيّب صوتي صوتُ القصف أو المعارك ليلا، كل ما أذكره أنني كنت أحتضنه وأبكي، وأدعو الله ان يحفظه لي”.
 
 وعن الأناشيد والأهازيج التي تعلمها طفلها الذي بلغ خمس سنوات من عمره، أوضحت أنه “يحفظ بعض الأناشيد التي تعرضها قنوات الأطفال التلفزيونية”، مشيرة إلى أنه “يحفظ أيضا العشرات من أناشيد الثورة السورية وشعاراتها. ورغم أنه لا يدرك معانيها؛ إلا أنه يفتخر بترديدها، ويطلب منه والده أن يرددها أمام أصدقائه؛ فيرددها بسعادة”.
 
 وكبر أطفال سوريا وهم يرددون “الشعب يريد إسقاط النظام”، “الله.. سوريا.. حرية وبس”، وما زالت أفواه الأطفال تلهج بهذه الشعارات، إلا أن رحى الحرب ما زالت دائرة من غير أن تتحقق هذه الشعارات، ليبقى الجديد هو أن الأطفال كبروا وبدأوا يسألون عن معاني هذه الشعارات التي حفظوها منذ الصغر.
 
 وأكدت أم محمود أنها لا تعرف كيف تشرح لأطفالها معاني هذه الشعارات التي يرددونها، قائلة: “لم أدرك بعد كيف أصبحت الشعارات السياسية أول ما ينطقون به ويسألون عنه، كما أنني لم أعد أدرك حقيقة ما يحصل في سوريا”.
 
 من جهته؛ قال السوري المقيم في تركيا، أبو عزام، إن “التهويدات اللطيفة وأناشيد الأطفال انقرضت في زمن الحرب، والأطفال لم يعيشوا هذه البراءة، لكن ذلك لا يعني مطلقا أن الأطفال قد فقدوا براءتهم، فالطفل يحفظ ما يسمعه دون ان يعي معانيه”.
 
 وأضاف لـ”عربي21" أن “المؤلم هو أن الحرب السورية قسمت كل شيء، فلم يقتصر الأمر على موالاة ومعارضة ومناطق نظام ومناطق محررة، بل أصبح لدينا أطفال يلقَّنون في المدارس النظامية ثقافة النظام وشعاراته الزائفة، وآخرون يتلقون ثقافة المعارضة وشعاراتها أيضا”.
 
 ويبقى الأطفال السوريون محرومون من التهويدة، ولا تلامس مسامعهم “يالله تنام يالله تنام” ولا “نامي نامي يا صغيرة”، فأصوات الانفجارات باتت هي تهويدتهم المزعجة التي تطير النوم من أعينهم.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.