التطبيع من الأبواب الخلفية

أنس مقداد يكتب لـ عربي21: التطبيع من الأبواب الخلفية

عندما نشأ مصطلح “التطبيع” كان من أجل الحديث عن “الكيان الصهيوني”، وتعامل الدول العربية المجاورة معه، كان ذلك رسمياً أو بدوائر ضيقة وخفيه، أو كما أصبح اليوم تحت لافتات الدفاع عن “العروبة” ومحاربة “إيران” كملف مشترك يضع مبرراً لتطبيع هدفه الحقيقي “أمن إسرائيل” ولا يتعلق بمواجهة التمدد الإيراني المشؤوم. 
 
 خلال الفترة الماضية انتعشت في واشنطن ونيويورك مؤتمرات تجمع هؤلاء المطبعين مع أزلام الكيان الصهيوني، بمشاركة دبلوماسيين خليجيين، وهو ما يثير الكثير من الوجع حول مستقبل السياسة الخليجية تجاه القضية الفلسطينية الباردة أصلاً منذ مدة، وكيف يمكن تفسير ظهور هؤلاء “الأعراب” بجوار وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، والدبلوماسي الإسرائيلي ميخائيل أورين، جنباً إلى جنب مع دبلوماسيين وأكاديميين من الإمارات والبحرين والسعودية ولبنان، في مؤتمر “ضد إيران نووية” نهاية سبتمبر الفائت في نيويورك وكان سفير أبوظبي في الولايات يوسف العتيبة أبرز المتحدثين!
 
 بعد ذلك بأيام كتب سلمان الأنصاري رئيس جهاز اللوبي السعودي في واشنطن مقالاً بعنوان “كيف تستطيع إسرائيل المساهمة في رؤية 2030 السعودية”، وكل ذلك يأتي بعد شهرين من قيادة أنور عشقي الجنرال السعودي وفداً لزيارة حكومة الكيان الصهيوني وألتقى الدبلوماسي الإسرائيلي دوري غولد (مؤلف كتاب “مملكة الكراهية” ضد السعودية)، وخلاصة اللقاء والمقال إن السعودية و (الخليج) بحاجة إلى (إسرائيل) لمواجهة إيران و”داعش”. والسؤال المحير هو ما الذي يوجد في إسرائيل ولا نجده في إيران؟، فكلاهما كيانين متطرفين طائفيين كل منهم يقتات ويبني نظامه الطفيلي على حروبنا وأوجاعنا العربية. بل إن الأعجب من ذلك أن أبوظبي تبني علاقتها مع “إسرائيل” أمنياً وسياسياً وفتحت حتى مكتب لـ”تل أبيب” وشاركت بشكل علني في مناورات عسكرية مع الكيان والولايات المتحدة، وفي نفس الوقت تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران اقتصادياً وسياسيا! 
 
 كما أن تطبيعا مع الكيان الصهيوني إلى هذه الدرجة الكبيرة من دول خارج الدول “الطوق” مع فلسطين هو الأول من نوعه منذ “أوسلو”، وهو على قدر كبير من الشك والمواربة يشير إلى حالة عربية جديدة تضيق معها الخيارات وتستنتج فيها تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، لتتحول إلى قضية تخص الفلسطينيين وحدهم وليست قضية “ إسلامية وعربية” خالصة. ولذلك يحرص “الإسرائيليون” على ظهور اجتماعات وزيارات خليجية وعربية لهم في وسائل الإعلام الغربية، حتى وإن كانت غير ذات جدوى سواءً كانت قريبة من الأنظمة أو بعيدة عنها، كونها ذات بُعد ثالث يتعلق بتقوية وجهة النظر “الإسرائيلية” في المحافل الدولية أمام أي محاولة فلسطينية للتصعيد أمام الكيان الصهيوني. ويبدو أن المقالات والمؤتمرات تعطي ذلك الانطباع المذهل للغرب.
 
 كما أن “الإسرائيليين” استغلوا تواجد رجال مخابرات عملوا في الماضي على تطبيع العلاقات مع “الفلسطينيين” لوضع روابط مشتركة مع دول الخليج، أمثال “محمد دحلان” القيادي في حركة فتح والذي يعمل في الإمارات كمستشار أمني، والحقيقة إنه أكثر من ذلك فهو عرّاب التطبيع واللقاءات المستمرة بين الإماراتيين (و ربما الخليجيين) و “الإسرائيليين”، وبعلاقته الأمنية الواسعة مع “الكيان الصهيوني” امتلك دحلان مفاتيح السلطات في الإمارات لتكون أبوظبي أحد أهم دول الخليج التي فتحت مكتباً صهيونياً على أراضيها.
 
 أنكرت السلطات الإماراتية في بادئ الأمر أن يكون المكتب ممثلاً لـ”تل أبيب” بمثابة سفارة، مقنعةً نفسها بأن ذلك متطلب لاستضافة “ايرنا” مؤتمر الطاقة على أراضيها، والسبب في حالة الإنكار الإماراتية والخليجية بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، هي حالة الشعوب العربية التي تعتبر “القضية الفلسطينية” قضيتها وليست “فلسطين للفلسطينيين”، وهي الرؤية الصهيونية التي تتبناها الأنظمة العربية التي تضيف عليها أن “التحالف مع إسرائيل” هو الأداة الرئيسية ضد “العدو المشترك (إيران)” وهي الرؤية الصهيونية التي بدأت تروج على نطاق واسع منذ توقيع الاتفاق النووي (يوليو 2015)، باستباحة السذاجة للقائلين فإن مجموع الرؤى التي يقدمها مسؤولو الكيان الصهيوني لا تتعلق بالأمن القومي العربي لا من قريب ولا من بعيد بل على العكس فكلها تتعلق بـ”أمن إسرائيل” وتحتاج العرب ليكونوا درعاً لأمنها فقط. 
 
 لو حقاً تريد الأنظمة العربية مواجهة “إيران” فعليها أن تتوحد مع رؤى الشعوب وحدها فهي الكفيلة في تصدع النظام الإيراني، ووقف تمدده، وتواجه الخطر الإسرائيلي الأكثر جُرماً وهمجية. وإن أياً من الحديث أن تحالفاً مع عدو هذه الشعوب (إسرائيل) سيهزم المشروع الإيراني، تكون قد تلقت خذلاناً لا تتبينه إلا بعد النّدم، فهي بهذه الخطوة تقذف بالشعوب على اختلافها في حضن إيران إما انتقاماً من القمع والاستبداد أو مبرراً طائفياً للعمل لصالح المشروع الإيراني في المنطقة.
 
 تويتر:

 @AnasMekdad

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.