درع الفرات وتحرير الباب

إسماعيل ياشا يكتب لـ عربي21: درع الفرات وتحرير الباب

عملية درع الفرات التي أطلقها الجيش التركي قبل حوالي شهر لتطهير حدود تركيا من المنظمات الإرهابية ومساندة فصائل الجيش السوري الحر في تحرير مدينة جرابلس وما حولها تستمر، ويمكن أن نقول إن مرحلتها الأولى انتهت بتحرير مدينة جرابلس، كما انتهت مرحلتها الثانية بتطهير الشريط الحدودي ما بين جرابلس وأعزاز من عناصر تنظيم “داعش”، لتبدأ المرحلة الثالثة وهي مرحلة الزحف نحو مدينة الباب. وقد تتجه فصائل الجيش السوري الحر مباشرة نحو مدينة الباب أو تقوم أولا بتحرير ما بقي من المناطق الواقعة بين الراعي وأعزاز ومارع من تنظيم “داعش” قبل تحرير مدينة الباب.
 
 ومنذ تحرير مدينة جرابلس، تسعى الحكومة التركية إلى تقديم كافة الخدمات والمساعدات الممكنة إلى سكان المدينة، وتعمل المؤسسات الرسمية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني التركية لتوفير حياة كريمة قدر المستطاع لسكان جرابلس ورسم البسمة على وجوه أطفالها ليشعروا بتحسن ملموس في حياتهم اليومية بفضل نجاح عملية درع الفرات.
 
 ما تحقق منذ انطلاق عملية درع الفرات حتى اليوم يعتبر نجاحا كبيرا، إلا أن العملية لم تحقق بعدُ جميع أهدافها. ومن أهم تلك الأهداف، الحيلولة دون سيطرة ميليشيات حماية الشعب الكردي التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، على مزيد من المناطق غرب نهر الفرات لتواصل تمددها نحو البحر الأبيض المتوسط. وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بتحرير مدينة الباب من تنظيم “داعش” قبل تسليم هذا الأخير المدينة إلى تلك الميليشيات المدعومة من واشنطن.
 
 رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان قال في مؤتمر صحفي عقده بإسطنبول قبل توجهه إلى مدينة نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن فصائل الجيش السوري الحر المدعومة من أنقرة ستتقدم جنوبا نحو مدينة الباب، مشددا على أن عملية درع الفرات ستستمر إلى حين التأكد من أن المنطقة لا تشكل تهديدا لتركيا. ولفت إلى أن فصائل الجيش السوري الحر لا ترغب في تدخل قوات خاصة أمريكية في سوريا، ملقيا باللوم على سلوك المسؤولين الأمريكيين في تزايد التوتر مع مقاتلي المعارضة، في إشارة إلى أفراد القوات الأمريكية الذين دخلوا بلدة الراعي السورية الأسبوع الماضي ولكنهم أجبروا على الانسحاب باتجاه الحدود التركية بعدما احتج الثوار على وجودهم.
 
 موقف واشنطن من الثورة السورية منذ اندلاعها مريب، بل ويميل إلى مساندة النظام السوري بشكل أو آخر. وفي أحدث مثال لانحياز الإدارة الأمريكية للنظام السوري، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن البيت الأبيض عمل بشكل سري الأسبوع الماضي لعرقلة مذكرة بالكونغرس تفرض عقوبات على الأسد لجرائمه ضد الانسانية ووحشيته ضد شعبه. وبالتالي، يحق لفصائل الثورة السورية أن تتوجس ريبة من القوات الأمريكية وأجندتها وأن ترفض مشاركتها في معركة الثوار ضد تنظيم “داعش” الإرهابي والنظام السوري وحلفائه. 
 
 تركيا، هي الأخرى تتوجس ريبة من الوجود الأمريكي في الشمال السوري، ولا تثق على الإطلاق بسياسات واشنطن ووعودها، لأن الإدارة الأمريكية وعدت تركيا بانسحاب ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردي من مدينة منبج إلى شرق الفرات بعد تحرير المدينة، إلا أنها لم تف بوعدها حتى الآن. كما أن أنقرة تدافع منذ فترة طويلة عن حل مشاكل المنطقة بتفاهم أطرافها المعنية بمساعدة اللاعبين الإقليميين بعيدا عن التدخل الخرجي. وباتالي، من يعتقد أن أنقرة ترغب في مشاركة القوات الأمريكية في قتال تنظيم “داعش” ضمن عملية درع الفرات يقع أسيرا لأوهامه. بل يعتقد الأتراك أن واشنطن تحمي حزب العمال الكردستاني وذراعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي على وجه الخصوص، وتقدم إلى ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردي جميع أنواع الدعم، الأمر الذي يشكل تهديدا مباشرا لأمن تركيا الوطني.
 
 هناك مصالح مشتركة تجمع تركيا وفصائل الجيش السوري الحر للقتال معا ضد تنظيم “داعش”، مثل إقامة منطقة آمنة، والحفاظ على وحدة سوريا، وإفشال مخططات التقسيم، وعدم وقوع المناطق المحررة بيد حزب العمال الكردستاني. كما أن التحديات الكبيرة التي تواجهها تركيا والثورة السورية تفرض على الطرفين التعاون والمناورة في المساحة المتاحة لصالح مصالحهما المشتركة، في ظل النظام العالمي الحالي الذي يعطي الإدارة الأمريكية -للأسف- حقا في أن تحشر أنفها في منطقتنا.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.