"البناء والتنمية" بمصر يعتزم طرح مبادرة جديدة (مقابلة)
عبّر تيسير عن أمله في أن يجد ردود فعل مختلفة هذه المرة

“البناء والتنمية” بمصر يعتزم طرح مبادرة جديدة (مقابلة)

كشف الرئيس الجديد لحزب البناء والتنمية المصري، محمد تيسير، عن اعتزامه القيام بصياغة وطرح مبادرة جديدة لمحاولة حلحلة الأزمة المصرية خلال الفترة المقبلة، متمنيا أن تكون الأجواء والظروف مهيأة لقبول تلك المبادرة وإجراء حالة نقاش مثمر بشأنها، كما قال.
 
 وأكد، في مقابلة خاصة مع “عربي21”، أن المبادرات التي تم طرحها سابقا لم تنجح؛ لأن المناخ العام حينها لم يكن مهيئا لها، مضيفا: “لكن ما لم يكن مقبولا أو مطروحا في زمن، ربما يُقبل طرحه في زمن آخر، وتلك هي السياسية التي هي فن الممكن والمرونة، والتي لا تعرف التصلب في المواقف، وبالتالي فكل شيء وارد ومتوقع”، على حد قوله.
 
 وحول توقعه بشأن التعاطي مع مبادرتهم الجديدة، قال تيسير: “نحن نسعى ونجتهد ونبذل الجهود قدر المستطاع، ونتواصل مع كل مؤسسات الدولة ومع الجميع بلا استثناء. وبغض النظر عن النتائج، سنجرب أيضا من جديد، ويحدونا الأمل أن تكلل تلك الجهود الجديدة بالنجاح والتوفيق لإخراج البلاد مما هي فيه، ولعلنا نجد ردود فعل مختلفة هذه المرة”.
 
 ودعا إلى التراجع خطوة أو أكثر للخلف، مطالبا بـ”تغيير طريقة التفكير في التعاطي مع المشهد، ويجب أن تكون هناك مرونة مع الواقع وتطوراته في الداخل والخارج”، مشدّدا على “أهمية النظر للإمام وإلى مستقبل البلاد والعباد، دون الجمود والوقوف عند الماضي ومراراته وأخطائه”.
 
 وفي 19 آب/ أغسطس الجاري، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية بحزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، فوز القيادي محمد تيسير برئاسة الحزب، خلفا لطارق الزمر الذي تقدم باستقالته على خلفية وضع اسمه على قوائم الإرهاب للدول المحاصرة لقطر.
 
 وفيما يلي نص المقابلة:
 
 * ما الذي سيختلف بالنسبة لمواقف وسياسيات الحزب عقب إجراء الانتخابات الأخيرة؟
 

 — سياسيات الحزب ومواقفه لا تقوم على أفراد، والحزب لا يتغير بتغير الأشخاص، لأن الحزب له مؤسساته وهي التي تصنع قراره وترسم مواقفه، وهي المكتب السياسي والهيئة العليا، بالإضافة إلى المؤتمر العام للحزب، وتلك المؤسسات هي المعنية بتحديد القرار ومنهجية العمل.
 
 * ما الذي وصلت إليه قضية حل الحزب؟
 

 — القضاء سينظر تلك القضية في 21 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، ونحن سنقدم الدفوع القانونية المطلوبة، والتي تثبت صحة موقفنا، وفي النهاية نحن نحترم أحكام القضاء أيا كانت.
 
 * وماذا سيكون موقفكم حال حل الحزب؟
 

 — بالطبع سنقوم بتنفيذ القرار، وسنبحث وقتها في البدائل كفكرة إنشاء حزب جديد، أو الانضمام لحزب قائم بالفعل، لكن هناك بديل ثالث وهو عدم حل الحزب، ولدينا أمل كبير في ذلك؛ لأنه لا يوجد أي مبرر على الإطلاق لحل حزب سياسي قائم؛ له ومواقف إيجابية وسلمية وجميعها يصب في الصالح العام.
 
 * هناك جدل ولغط بشأن موقفكم من الاستمرار في تحالف دعم الشرعية من عدمه.. فما هي حقيقة هذا الموقف؟
 

 — حزب البناء والتنمية يعمل حاليا بشكل مستقل وبعيدا عن أي تحالفات أو كيانات، سواء داخل أو خارج مصر، ولا علاقة بأي كيانات أو تحالفات أخرى. وبالنسبة لتحالف دعم الشرعية، فقد أصبح غير موجود على الأرض داخل مصر ولا توجد له أية فعاليات، وبالتالي فلا مجال للحديث عن وجود حزبنا بداخله؛ لأنه غير موجود من الأساس، فكيف نكون أعضاء في شيء لا وجود له أصلا؟
 
 * لكن بعض أعضاء حزب البناء والتنمية خارج مصر يشاركون في بعض التحالفات والكيانات السياسية؛ مثل الجبهة الوطنية المصرية؟
 

 — أي شيء يحدث خارج مصر غير ملزم لنا في أي شيء، فنحن ملتزمين بقرارات الهيئة العليا والمكتب السياسي للحزب، وجميع أعضائهما موجودون داخل مصر، وبالتالي فمثل هذه المواقف التي تتحدث عنها هي مواقف شخصية تخص أصحابها لا تمثل ولا تعبر عن الحزب ومؤسساته.
 
 * هل تعتقد أن جماعة الإخوان مطالبة اليوم بتقديم مراجعات حقيقية على غرار التي قامت بها الجماعة الإسلامية في التسعينيات للخروج من الأزمة الحالية؟
 

 — أي كيان سياسي، أيا كان توجهه، يجب أن يراجع مواقفه وسياساته بصفة مستمرة، فالمراجعة ترشد التصرفات وتصحح الأفكار وتقوم الممارسات؛ بل والمراجعة تعظم الفرص وتقلص الأخطاء وتقلل الأخطار.
 
 * طرحتم سابقا أكثر من مبادرة لمحاولة حل الأزمة “سياسيا”.. فما هو سبب إجهاض تلك الطروحات؟
 

 — بالفعل، نحن قدمنا عدّة مبادرات خلال الفترة الماضية، وسنظل نقدم مبادرات سياسية لمحاولة حلحلة الأزمة القائمة، ولن نيأس مهما طال الوقت أو قصر.
 
 والمبادرات السابقة لم تنجح ربما لأن الأجواء والمناخ العام لم يكن مهيئا لها في حينها، لكن ما لم يكن مقبولا أو مطروحا في زمن، ربما يُقبل طرحه في زمن آخر؛ وتلك هي السياسية التي هي فن الممكن والمرونة، والتي لا تعرف التصلب في المواقف، وبالتالي فكل شيء وارد ومتوقع.
 
 * وهل هناك جديد في هذا الصدد؟
 

 — أنوي صياغة مبادرة جديدة خلال الفترة المقبلة، وسأطرحها على الهيئة العليا والمكتب السياسي للحزب، وأسعى بكل جهد لتفعليها على أرض الواقع، وأتمنى أن تكون الأجواء والظروف مهيئة لقبولها وإجراء حالة نقاش مثمر بشأنها، وذلك كي تعود لحمة الوطن كما كانت، ولنقف جميعا في صف واحد ونعلي المصالح العليا للوطن على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.
 
 وأتمنى عودة جميع السياسيين المصريين المتواجدين بالخارج إلى أرض وحضن الوطن مرة أخرى؛ ليلتئم الصف وتندمل الجراح، وهذا ليس بمستحيل بل هو وارد، وقد حدث سابقا في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات حينما شكّل بعض المصريين في الخارج كيانا للمعارضة باسم “مصر العروبة” وكانت له إذاعة معارضة تبث من العراق، ثم أطلق السادات مبادرة لعودة الجميع إلى أرض الوطن دون مشاكل، وهو ما حدث فعلا ونجحت هذه التجربة. وكذلك حينما أطلق القادة التاريخيون في الجماعة الإسلامية في فترة التسعينيات مبادرة “وقف العنف” الشهيرة؛ تم حل أكبر أزمة في تاريخ مصر الحديث، ولم يكن يتخيل أحد وقتها أن الأزمة ستنتهي، إلا أنها انتهت ونجحت المبادرة في أهدافها.
 
 * لقد فشلت جميع المبادرات التي قدمتموها في السابق لحل الأزمة الراهنة.. فهل تتوقعون نجاحا بشأن أي مبادرة جديدة؟
 

 — نحن نسعى ونجتهد ونبذل الجهود قدر المستطاع، ونتواصل مع كل مؤسسات الدولة ومع الجميع بلا استثناء. وبغض النظر عن النتائج، سنجرب أيضا من جديد، ويحدونا الأمل أن تكلل تلك الجهود الجديدة بالنجاح والتوفيق لإخراج البلاد مما هي فيه، ولا بد أن يكون هناك أمل وتفاؤل رغم الصعوبات والتحديات. والعمل السياسي يبدأ بالخيال السياسي إلى أن يصبح حقيقة ملموسة على الأرض، ولعلنا نجد ردود فعل مختلفة هذه المرة.
 
 ولك أن تعرف أن أكثر جهة رحبت بمبادرة “وقف العنف” هي جهاز أمن الدولة، الذي كان يقتل أعضاء الجماعة الإسلامية، ولك أن تعلم أيضا أن إطلاق هذه المبادرة تم عام 1997، وهو نفس العام الذي وقعت فيه مذبحة الأقصر الشهيرة (راح ضحيتها 58 سائحا)، ومع ذلك كللت المبادرة بالنجاح، ونرى أن الأجواء الحالية أفضل كثيرا عما كانت عليه خلال فترة التسعينيات.
 
 * وما هي ملامح هذه المبادرة الجديدة؟
 

 — الفكرة لم تتبلور بشكل نهائي بعد، وهي في طور البحث والنقاش، وبالتالي فلا يمكنني الإفصاح عن تفاصيلها حاليا؛ لأننا لم نحددها من الأساس، لكننا نستصحب تجربة “مصر العروبة” ومبادرة “وقف العنف”، واللتان نجحتا في نهاية المطاف.
 
 * معظم الصراعات العسكرية أو السياسية التي لا ينتصر فيها طرف بعينه تنتهي بتقديم تنازلات متبادلة من الأطراف المعنية.. فما هي التنازلات المطلوبة لإنهاء أزمة مصر؟
 

 — أنا لا أسميها تنازلات على الإطلاق؛ لأننا يجب أن نعمل جميعا في إطار الأسرة المصرية الواحدة والبيت الوطني الواحد، وينخرط في ذلك الجميع دون استثناء أو إقصاء وتهميش، كالأحزاب والحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة المختلفة، وهذا قد يتطلب في وقت ما التراجع خطوة أو أكثر للخلف، والتي ربما تكون في أساسها دفعة للإمام. ولذلك يجب أن تتغير العقلية وطريقة التفكير كي تتعاطي بمرونة مع الواقع وتطورات المشهد في الداخل والخارج، فلا يجب ولا يصح التمسك والإصرار على وجهات نظر ومواقف باعتبارها ثوابت أو أشياء مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها والتحاور بشأنها، فكل شيء — أيا كان — قابل للحوار والنقاش.
 
 وكذلك، لا بد أن يعمل الجميع بشكل متجرد، إعلاءً لمصلحة الوطن ودرءا للمفاسد، وتنحية الخلافات الشخصية والحزبية جانبا. فدفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، وهو ما يستوجب القبول بالحوار والحل السياسي السلمي، والجلوس على مائدة الحوار والمفاوضات، ووضع جميع نقاط الخلاف على تلك المائدة، والتفاوض بشأنها، للوصول لحل مشترك يرضي أو يقبله كافة الأطراف بشكل أو بآخر، وإعطاء تطمينات لمختلف فئات الشعب ولمؤسسات الدولة وللجميع.
 
 ونشدّد على أهمية النظر للإمام وإلى مستقبل البلاد والعباد، دون الجمود والوقوف عند الماضي ومراراته وأخطائه، بل تأجيل النظر فيها لمرحلة لاحقة. فلكي نصل للمربع رقم 2 علينا الوصول أولا للمربع رقم 1، وهكذا. والقبول بالحوار ليس من الضروري أن يكون موجودا لدى جميع الأطراف في البداية، ويكفي أن يكون موجودا لدى البعض، وهو ما قد يدفع الطرف الآخر للقبول به والانخراط فيه.
 
 * ماذا عن مبادرة سيناء التي قدمها حزبكم بهدف وقف نزيف الدماء هناك؟
 

 — كانت مبادرة ناجحة جدا، وبعض الجهات والمؤسسات الرسمية في الدولة رحبت بها وثمنت طرحها، وقالت إننا أقدمنا على ما لم يستطع البعض الإقدام عليه والاشتباك مع هذه القضية الشائكة.
 
 * كيف تردون على الاتهامات التي توجه لكم من وقت لآخر بانتهاج العنف؟
 

 — حزب البناء والتنمية الذي يعتبر في خانة المعارضة حتى الآن لم يُسجل عليه أية أعمال عنف؛ فقد حافظ على السلمية، وكافة مقرات الحزب مفتوحة، ونجري كافة أنشطتنا ونمارس عملنا السياسي السلمي بشكل طبيعي، بل إن الحزب كان له دور بارز في تراجع العنف؛ وتصحيح أفكار الشباب وتوجيه طاقتهم فيما يفيد المجتمع. والجماعة الإسلامية حافظت على جميع الوعود التي قطعتها على نفسها؛ لأن هناك ثقة متبادلة بين الطرفين (الجماعة الإسلامية والجهات الأمنية)، والأمن يثق في حزبنا لأنه يدرك جيدا أن كلمته واحدة ولا يتراجع عنها.

Like what you read? Give عربي21 a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.