هل هم أسماء مختلفة لجماعة واحدة؟

السنوسي بسيكري يكتب لـ عربي21: هل هم أسماء مختلفة لجماعة واحدة؟

ما يزال توصيف التيار الإسلامي الملون والمتعدد عصي حتى على المثقفين بل وبعض من يضعون أنفسهم في خانة الباحثين. فالدارج عند قطاع واسع من المثقفين الليبيين أن الإسلاميين بأطيافهم يصدرون عن جماعة واحدة هي جماعة الإخوان المسلمين.
 
 كثير من هؤلاء يختلط عنده الفهم في هذه القضية، وآخرون تتضح لهم ملامح التوزيعة والاختلافات بل الخلافات بين مكونات التيار الإسلامي في مجموعه العام، إلا إنهم يجدون مصلحة في التعميم، ويستخدمون هذا الربط لأغراض سياسية، فالتيار السلفي بات مزعجا اليوم بعد أن كان سندا، وإحدى طرق عزله قد تكون بضمه لقائمة المنبوذين من الجماعات الإسلامية.
 
 من المعلوم أن جماعة الإخوان المسلمين كانت من بين أولى الجماعات الإسلامية الحركية التي تأسست في الربع الأول من القرن المنصرم. ومن المعلوم أيضا أن بعض الجماعات الإسلامية تأسست بإنشقاق أفرادها عن الإخوان، والسبب هو تغير قناعات المنشقين حول منهج التغيير الذي تنتهجه الجماعة خاصة مسألة التغيير بالقوة والذي اعتبره من انشقوا عن الجماعة في ستينيات القرن الماضي نقطة ضعف بل انحراف عن المنهج الرباني، فظهرت جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، واعتمدت تلك الجماعات في بعض أدبياتها على تفسيق بل وحتى تكفير الإخوان لانحرافهم العقدي وإهمالهم لفريضة ثابتة هي فريضة الجهاد، وكانت الجماعتين المذكورتين الحافز لظهور الجماعات الجهادية المحلية حيث اعتمدت معظم الجماعات الجهادية في العالم العربي على أدبيات جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، وكان تنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة خروجا على ما اعتبروه انحراف عند من سبقهم.
 
 كان انشقاق من تبنوا الفكر الجهادي والتكفيري هو الدافع الرئيسي للمرشد العام لجماعة الإخوان لتأليف كتاب “دعاة لا قضاة”، والذي يفند فيه فكرة تكفير الأنظمة الحاكمة أو عامة الناس واستخدام القوة للتغيير باعتبار أن الجماعات الإسلامية بالأساس جماعات دعوية، وليسوا قضاة يصدرون الأحكام ويقومون بتنفيذها هم أنفسهم.
 
 أيضا ليس هناك دليل أو حتى قرينة على الارتباط بين التيار السلفي وجماعة الإخوان، فقد كانت نشأت السلف كتيار سابقة لتأسيس جماعة الإخوان عند كثير من الباحثين، ووقع الخلاف المستحكم بينهما حين اعتبر الكثير من علماء ودعاة التيار السلفي وأنصاره الإخوان مبتدعين وضالين لأسباب عدة منها ما يتعلق بالعقيدة والخلاف القديم المعروف بين السلفية والأشاعرة، وانتهاجهم التنظيم والتحزب وهو في رأي السلف بدعة مخالفة للدين. ويذهب قسم من التيار السلفي في تبديع الإخوان وتضليلهم أكثر من ذلك حيث يرونه جزء من الماسونية العالمية وأنهم أخطر على الإسلام وعلى الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى. فيما ينظر الإخوان للسلفية على أنهم منغلقون وفهمهم للاسلام ضيق ويتشبون بظاهر النصوص ولا يغصون إلى لبها.
 
 وتتفق الجماعات والتيارات الإسلامية الجهادية والسلفية في حكمهم بضلال الإخوان في مسألة مهمة وهي اعتراف الإخوان بالديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، إذا يعتبرها قطاع واسع من التياران الجهادي والسلفي مخالفة للدين بل مناقضة له وتوجب كفر من يعتقد بجوازها.
 
 أيضا تظهر الفروق والاختلافات في منهج التعامل مع النصوص الشرعية، فالسلفيون والجهاديون، مع اختلاف بينهما، يلتزمون غالبا بظهر النصوص، ولا يقبولون التأويل فيها إلا قليلا، فيما يأخذ الإخوان أكثر بمآلات الأمور ويتعمقون في فقه المصالح والمفاسد، وهو على العموم اختلاف ضارب في عمق التاريخ الإسلامي وينسبه البعض إلى الصحابة الكرام، واتضحت ملامحه أكثر مع ظهور المذاهب الفقهية الرئيسية: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فقد عُرف ابوحنيفة بإقلاله في جمع الحديث وتصنيفه والتوسع في تأويل النصوص والنظر فيها بعمق لاستنباط دلالتها، فيما اشتهر ابن حنبل باعتماده على الحديث الشريف وصنف في ذلك مسنده المشهور. إلا إن الخلاف أخذ وجها عنيفا تورط فيه من جاء بعدهم من الفقهاء، وشهد العصر الحديث تشددا في الخصومة وإصدار أحكام تخرج المخالفين من الملة.
 
 ما أردت طرحه هنا لا يتعلق بالترويج لجماعة دون غيرها، فالجميع له أخطائه، ولا يمكن أن يكون أي منها معصوما، وإلا انتزعت عنهم صفة “البشرية”، فالبشر يخطئون ويصيبون. 
 
 هدفي الأساسي من هذا العرض هو التنبيه إلى القصور المعرفي والخلط المنهجي المتعلق بمسائل يكشف الاطلاع البسيط والبحث السطحي عن خطا التعميم فيها. هذا التعميم بهذا الشكل لا يقبله الجهاديون ولا السلفيون ولا الإخوان. وخروج جماعة أو مجموعة من رحم جماعة أخرى لا يفيد في الربط بينهما واعتبارهما واحدا، فهذه المسألة منافضة لمبدأ التطور والتحول، وبالرجوع إلى التيارات والجماعات والمذاهب والطوائف في القديم والحديث، في العالم الإسلامي، والعالم الغربي نجد أن الكثير منها خرج من رحم من سبقها، فالشافعي كان تلميذا لمالك فهل يقبل اعتبار المذهب الشافعي هو هو المالكي؟!، وهل يستقيم القول مثلا أن حزب الديمقراطيين الأحرار هو ذاته حزب العمال البريطاني لأنه خرج من رحمه، والمعروف الخلاف الكبير بين الحزبين وتشكل هوية واتجاه كلا منهما باختلاف واضح عن الآخر؟؟!!

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.