"القدود الحلبية".. حكاية "موسيقية" خلدت وفاء المدينة
من أشهر مغني “القدود الحلبية” صباح فخري- أرشيفية

“القدود الحلبية”.. حكاية “موسيقية” خلدت وفاء المدينة

من كلّ هناء “الروزانا”، إلى اجتماعنا مع سود العيون على “العقيق”؛ خلّد الفن الغنائي الذي اختص به حلب، والمعروف بـ”القدود الحلبية”، تاريخ المدينة وحاضرها، وقصصها القديمة بالهناء والوفاء.
 
 واختصت حلب تحديدا بفن “القدود الحلبية”، الذي يمثل خليطا من الموشحات الأندلسية والأعجمية، والأغاني الشعبية، واشتهر بها عدد من المغنيين الحلبيين، أشهرهم: صباح فخري، وحسن الحفار، وأغان انتشرت عالميا من حلب، منها: “على العقيق اجتمعنا”، و”عالروزانا”، التي غنتها فيروز.

“على قدر”
 

 وقيل إن القدود الحلبية عرفت منذ زمن القس السرياني مار أفرام 306، الذي دعا الناس وعمل على ترغيبهم للحضور إلى الكنيسة، وإدراج الألحان الدينية التي يألفها الناس في طقوس الأحد، ومن ضمنها كانت انطلاقة القدود وكما هو معروف قدود القس مارافرام في الكنيسة السريانية هي أقدم القدود في حلب.
 
 ورأى الفنان عيسى فياض، أن القدود ظهرت بشكل جلي “في منتصف القرن الثامن عشر، مع ضعف السلطنة العثمانية”، وما أسماه “تنامي الحركات التحررية والتنويرية، وازدياد وتيرة الوعي القومي، التي دفعت المفكرين والأدباء والشعراء للتأليف والتعريب لتأكيد الهوية العربية المفقودة”.
 
 أما تسميتها، فقيل أن اسمها مأخوذ من “قد المرأة”، من حيث الرشاقة والجمال، لكن فياض رأى أن القدود منظومات غذائية بنيت “على قدر”، وأنشأت على أعاريض وألحان دينية أو مدنية.
 
 وقال الباحث عبد الفتاح قلعة جي، إن “كلمة (قد) تعني المقاس، فالألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية لتبحث عن كلمات فيها الغزل وفيها القضايا الاجتماعية، فيبقى اللحن الذي كان أساساً أنشودة دينية وتصوغ وفقه كلمات تدخل في الحياة اليومية فهذه على قد تلك ومن هنا نشأ القد”.
 
 أما من الناحية الموسيقية فالقد ليس قالبا موسيقيا بحد ذاته، لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذي نشأ منه، فإن كان بالأصل موشحا بقي كذلك، وإن كان “طقطوقة” أو أغنية بقي كذلك أيضا، ولذلك اشتهرت القدود بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها، المجهولين على الغالب، فالذين ألفوا القدود هم شعراء لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقيا أيضا، بحسب قلعة جي.
 
 سيدة الموشحات
 
 وخلال القرون الخمسة الماضية، كان هذا الفن يتطور في حلب ويتفاعل مع عناصر البيئة المحلية، وأصبح للموشح الحلبي صورته الفنية المستقلة بالإيقاع والضرب والأداء والكلمة.
 
 وتجاوزت ضروب الموشح الحلبي بفروعها وتفاصيلها المائة، وأصبحت لها قواعدها وأسسها وتقاليدها وبلغ هذا التطور ذروته في القرن الماضي نصا ولحنا وغناء،‏ ولا يمكن الفصل بين الموشح والألوان الغنائية الأخرى، فكلّها قد نضجت وتطورت في مدينة حلب، ومنها “القصيدة ـ الموّال — الأناشيد الدينية — الأغنية الشعبية — النوبة الأندلسية.. الخ”، بحسب بحث لموقع “ساقية”.
 
 وكان للزوايا والتكايا الصوفية، التي عرفت حلقات الذكر والأناشيد الدينية، دور كبير في تطوير فن الغناء في مدينة حلب، ولا تزال “الزاوية الهلالية” التي يرأسها اليوم الشيخ جمال الدين الهلالي مستمرة في عطائها الصوفي والفني منذ أربعة قرون، وقد تخرج منها عدد كبير من أعلام الإنشاد والموسيقا من أمثال مصطفى بشنك في القرن الثامن عشر، ومحمد عقيل وأحمد رحال، وصبحي الحريري، وعبد اللطيف تنكجي، وفؤاد خانطوماني، وصولاً إلى المرحلة المعاصرة مع كبير المنشدين مسعود خياطة.‏
 
 أما هذه الأيام، فصباح فخري، وصبري مدلل، وحمام خيري، ومحمد قدري، وحسن حفار، لا يمكن أن تغيب عند ذكرها مع القدود.
 
 لماذا حلب؟
 
 ويرى الفنان عيسى فياض إن “ارتباط القدود بمدينة حلب دون غيرها فمرده إلى أمرين اثنين: احتضان حلب للعديد من الفنون الموسيقية الوافدة إليها بسبب موقعها التجاري والفني الهام، ومن تلك الفنون قدود الشيخ أمين الجندي الذي جاء إلى حلب برفقة إبراهيم باشا عندما زحف إلى سوريا العام 1831، وجعل من حلب قاعدة لعملياته العسكرية، وقد كان الجندي من المقربين إليه وجعله من خاصة مستشاريه.
 
 وخلال إقامة الجندي في حلب واحتكاكه بأهل الأدب والفن تم التعرف على قدوده وانتشارها من هناك في حين اقتصر غناء قدوده في حمص على الجلسات والسهرات البيتية والنزهات على ضفاف العاصي.
 
 أما السبب الثاني لانتشار القدود في حلب، هو انتشار الإذاعة، مما ساعد على توثيق وتسجيل العديد من تلك القدود ضمن وصلات الغناء التراثية التي سجلتها وبثتها الإذاعة وتعرف عليها المستمع بأصوات عدد من المطربين الحلبيين الكبار والذين اشتهروا بغناء هذا اللون أمثال: صباح فخري، محمد خيري، عبد القادر حجار.

وفاء “عالروزانا” 
 
 ومن أشهر الأغاني والقدود الحلبية أغنية “عالروزانا”، وتختلف الروايات حولها لكن أغلبها تدور حول قصة سفينة تدعى “روزانا، بحسب صحيفة “العربي الجديد”.
 
 وتقول القصة الأولى إن “روزانا” سفينة عثمانية محملة عنبا وتفاحا، وجيء بها إلى بيروت لتبيع كل إنتاجها، بدل إنتاج المزارعين اللبنانيين، وهو ما حصل، فكسد الإنتاج اللبناني، ليأتي تجّار حلب ويتضامنوا مع اللبنانيين ويشتروا كل محصولهم، وينقذوهم من الفقر والعوز.
 
 أما الرواية الثانية فتقول إن السفينة التي تدعى “روزانا” هي سفينة إيطالية وأرسلتها إيطاليا إلى لبنان وسورية وقت المجاعة الكبرى عام 1914، محملة بالقمح، لكن عنما وصلت تبيّن أنها محملة عنبا وتفاحا ما أصاب اللبنانيين والسوريين بالخيبة، ورغم ذلك قام أهالي حلب بتأمين القمح اللازم للبنانيين، لإنقاذهم من المجاعة.

خلال الشهر الماضي، لم يبق من القدود مدينة الفن والغناء والوفاء والهناء والقدود، سوى آهاتها ووجعها، ولم يعد هناك فرق إن كانت “روزانا” عثمانية أم إيطالية، فلا سفينة اليوم إلا حاملة الطائرات الروسية، التي لم وقفت حلب وحدها أمامها، دون أن تجد ما يكفي من “الوفاء” الذي حفظ شوارعها ومبانيها وذكرياتها التي صارت ركاما وحطاما.