ربيع الغضب في تونس

امحمد المالكي يكتب لـ عربي21: ربيع الغضب في تونس

تعيش تونس على وقع الاحتجاجات الغاضِبة منذ شهور، ليس في عاصمتها الإدارية والسياسية، ولا حتى في مدن شريطها الساحلي، بل في محافظات عُمق البلاد، وتحديداً حواضر الجنوب، في “مدنين”، و”الكاف”، و”تطاوين”، وإلى حد ما “القيروان”، أي المناطق الأكثر معاناة من فجوة الاختلال المجالي والاجتماعي في البلاد التونسية. جديرة بالتذكير أن هذه المدن ، أما يسمى بلغة التونسيين “مناطق الظل”، ظلت منذ استقلال البلاد عام 1956 على هامش المشاريع الكبرى للبلاد، ولم تنل حظها الكافي من عناية سياسات الدولة وخططها الإنمائية، سواء على عهد الرئيس “ الحبيب بورقيبة” (1957 ـ 1987)، أو خلال حكم “إبن علي” (1987 ـ 2011). لذلك، شكل هذا الشريط من المجال الجغرافي التونسي موئلاً للمعارضة السياسية والاحتجاجات الاجتماعية على امتداد أكثر من نصف قرن، وهي أيضاً التي مثلت وقود الحراك الاجتماعي المندلع في تونس منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول 2010، قبل أن يسقط النظام في 14 يناير/ كانون الثاني 2011.
 
 ليست تونس وحدها التي تعاني من الاختلال المجالي وتداعياته الاجتماعية ، فكثير من الدول تعيش الظاهرة نفسها، حصل هذا في إيطاليا بين جنوبها الفقير وشمالها الغني، وفي فرنسا، وإسبانيا، والقائمة طويلة، كما تعاني دول من نفس مستوى تونس من الاختلال ذاته، غير أن الفرق بين الدول الأوربية وغيرها من بلاد الجنوب، كما هو حال تونس، يكمن في الأدوار الفعالة التي تلعبها المجالس التمثيلية، والحكومات المسؤولة، والوعي الواضح للمجتمع المدني،والرقابة المُمارسَة على أجهزة الدولة وأدائها السياسي، والوقع الذي ينجُم عن هذه الأدوار على صعيد مراقبة مؤسسات الدولة، ومساءلة القيمين على أجهزتها التنفيذية. ومع ذلك لا يجوز التغاضي عن فصول الحيف والتفقير التي طالت هذه المناطق طيلة أكثر من خمسة عقود على استقلال البلاد ، بحجة أن “ الاختلال المجالي ظاهرة عامة، و أن” المصيبة إذا عمت هانت”، كما يُقال. فالوجه الثاني لمفارقة ما يجري في محافظات الجنوب التونسي، أنها أكبر خزان للنفط في البلاد، وتعمل بها شركات بترولية كثيرة، غير أنها الأقل استفادة من ثرواتها الطبيعية، والأضعف من حيث حظوظها من فرص الشغل وإمكانيات العمل. 
 
 يتصدر “شعارُ الشغل أولا والشغل أخيرا “ مطالب “ربيع غضب” محافظات الجنوب التونسي. فالشغل هو مفتاح اندماج مناطق الظل في النسيج الاجتماعي والمجالي التونسي، وبالشغل يستطيع شباب متعلم، سُدت أبواب المستقبل أمامه، أن يسترجع ثقته في بلده، ويشعر من جديد أنه له أقراناً يُناظرهم في الحقوق والحريات والواجبات. أما إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فستتضاعف موجة الغضب، وتتآكل شرعية السلطة ، وتضعف رابطة الولاء بالدولة ومؤسساتها، و يتبرم الناس من كل الوعود والخطط والسياسات. لذلك، لا يبدو أن ثمة أفقاً لحل مشكل غضب الجنوب التونسي من خلال الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة التونسية في أعقاب زيارة رئيسها “ يوسف الشاهد” إلى قلب حواضرها الأسبوع المنصرم، فإقالة بعض المسئولين المحليين، من محافظين ومن دونهم مستوى، أو وزراء من ذوي العلاقة، قد لا يشكل خطوة فعالة وناجعة في نظر ساكني مدن “ الكاف”، و”مدنين”، و”تطاوين”، وغيرها، وقد نعتها بعضها ب “ الحلول الترقيعية”، و” المسكنات”، التي تقدم علاجاً حقيقياً لمصادر الاختلال الاجتماعي والمجالي الذي أرهق حياتهم، وحولها لدى الكثير منهم إلى جحيم يومي. 
 
 يتفق كل من يعرف أوضاع تونس جيداً أنها في وضع لا تُحسد عليه، لاسيما من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية. كما يُدرك أن للانتقال السياسي، والانتقال الديمقراطي تحديداً، كلفة اقتصادية أولا، وثمنا اجتماعياً على المدى القريب والمتوسط ثانيا. وربما يزداد حجم الكلفة، ويتوسع مداها الزمني أكثر إذا كان سياقها الإقليمي والدولي دقيقاً ومضطرباً كما هو حال تونس. فتونس خلقت حقاً ما يُشبه الاستثناء عربيا، على صعيد التغيير الحاصل في رأس السلطة، وبناء الأسس الدستورية والمؤسساتية المنظمة للوضع السياسي الجديد، غير أن هذا الإنجاز على أهميته الكبيرة، لم تعقبه وتترتب عنه التغييرات التي انتظرها الناس، الذين كانوا وراء الحراك ، على الرغم من مرور ست سنوات على سقوط رمز الظلم الذي ألمَّ بهم، واستبد بأحوالهم. فالفجوات المجالية واختلالاتها الاجتماعية لم تُمسّ من قريب ولا من بعيد على مدار كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة، كما ظلت أوضاعها كما هي، بالرغم من الوعود التي أعطيت لها عبر برامج وتصريحات المسئولين المتعاقبين على السلطة منذ العام 2014. والأكثر من ذلك، لا يبدو في الزمن القريب أن ثمة أفقاً واضحا لصياغة حلول ناجعة وواقعية التطبيق، لأسباب موضوعية بالدرجة الأولى، تتصدرها حالة مصادر انكماش الثروة في تونس، سواء في إيرادات السياحة وتحويلات المهاجرين، أو في المصادر الطبيعية الداخلية، أو في الاستثمار الإقليمي والدولي، ناهيك عن انكماش الوضع العالمي نفسه على المستوى الاقتصادي والمالي.
 
 وفي كل الأحوال يتطلب تزايد الغضب في البلاد التونسية تكاتف الجهود، وبدرجة أساسية على الصعيد الداخلي، من أجل تقليص الفجوة المجالية والاجتماعية في مدن الجنوب وحواضرها الكبرى، كما يستلزم من صناع القرار السياسي من اعتماد قدر واضح من الذكاء الخلاق لاجتراح حلول ومعالجات أقرب إلى المواطنين في هذه المناطق، وأكثر أقناعاً لاسترجاع ثقتهم في شعارات التغيير التي قدموا تضحيات من أرواحهم وأموالهم من أجل تحقيقها، ودون هذا قد يكون لاستمرار الغضب وتوسع دائرته ما يُرهق الدولة أكثر، وينزع عن قادتها ما بقي لهم من الصدقية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.