انتخابات الأردن.. فرصة أم سقطة إخوانية؟؟

يتخذ التيار السياسي موقفه بين ما يريده وما يخشاه، ويبدو أن مشاركة الإخوان الانتخابية كانت خليطا بين الأمرين. 
 
 إن الضامن الأول لحماية أي تيار أو مشروع سياسي ليس هو المشاركة ضمن المربع الذي يتم رسمه له، بل هو قوته على الأرض وقدرته على تمثيل الجماهير التي تؤمن به وترى فيه قيادة يمكن السير وراءها ويمكن تحقيق المشروع الوطني من خلالها — وهذا بالضبط ما افتقدته الحركة الإسلامية منذ زمن طويل.
 
 قاطع الإخوان الانتخابات مرارا تحت مبررات غياب الديمقراطية و تضييق الهامش السياسي، لكنهم يترشحون بكثافة غير مسبوقة لانتخابات 2016 في أضعف فترات الديمقراطية الأردنية وبعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي قلصت الهامش المتبقي للمشاركة السياسية.
 
 من الواضح أن هدف النزول يتعلق بالجماعة وحماية وجودها أكثر مما يتعلق بوجود مشروع وطني أوبالعمل السياسي من أصله، وليس عيبا من حيث المبدأ أن تسعى حركة سياسية لحماية نفسها لكن المحزن أن يتم تبرير المشاركة بذات الخلطة اللامنطقية التي بررت المقاطعة مرارا والتي يتم فيها حشد الدين والتاريخ والأحلام الوردية المستقبلية وإصدار التعميمات و التنميط البدائي للخصوم.. كل ذلك التكلف في التبرير يتم حشده لتمرير اجتهاد سياسي، ثم الآن يتم استخدام نفس الأدوات لتبرير العكس.
 
 إن قوة الحركة في الشارع هي التي تحمي الحياة الديمقراطية في البلاد وليس الترشح الكثيف في انتخابات هزيلة لمجلس فاقد للأهلية الدستورية.
 
 قانون الانتخاب الجديد تم تصميمه بحيث لا يمكن أن ينتج كتلة كبيرة للمعارضة، وإذا كانت القوانين هي ابنة الدستور فقد رأينا مرارا في الأردن كيف يقتل الابن أباه! فالحكومات الأردنية تقدم أمثلة مبدعة نرى فيها القانون الحكومي يلغي الدستور بدل أن يعززه، فقانون الانتخاب الحالي يلغي عمليا المادة الأهم في الدستور والتي تنص على أن النظام (نيابي ملكي) إذ يضمن القانون ألا يكون هناك مجلس نيابي فاعل و قوي. ومن الناحية الفنية يجب الاعتراف أنه قانون ذكي جدا حقق هدفين متضادين؛ فهو تماشى مع طلب الملك بأن لا عودة لقانون الصوت الواحد وألغى نظريا قانون الصوت الواحد المجزوء والذي جلب سمعة سيئة للأردن لحوالي ربع قرن، ولكن وبنفس الوقت نجد القانون الجديد حافظ على نفس مخرجات قانون الصوت الواحد — وهو المطلب الدائم للتيار المحافظ داخل النظام! 
 
 إن الأساس في عمل أي تيار سياسي هو المشاركة لا المقاطعة، ومقاطعة الحركة الإسلامية لفترات طويلة كانت أقرب لـ “حرد الكناين “ منه إلى العمل السياسي إذ أنها لم تستند إلى أي برنامج وكانت مجرد ردة فعل عدمية. لكن ذلك لا يعني التطرف في الاتجاه المعاكس والاندلاق الكامل للمشاركة في مجلس صوري تم نزع بقية هيبته في تعديلات دستورية مريبة”.
 
 كان يجدر بالإخوان الاكتفاء بمشاركة رمزية لبضعة نواب ذوي خبرة وكفاية سياسية و ضمن قوائم محدودة، لكن غزارة نزول المرشحين تبدو متعلقة بغياب للرؤية وباستمرار مسلسل التخبط الطويل. و حين تغيب الرؤية تحضر مبررات أخرى كثيرة لتفسير ضخامة عدد المرشحين؛ ما بين غياب للناظم ورغبة لإثبات أن التنظيم مازال قويا وفاعلا وأنه تجاوز أزماته — التي لم يتم بالمناسبة حل أي منها وما يحصل هو استمرار سباق الهروب للأمام- وتحضر هنا أيضا الرغبة الفردية ـ المفهومة إنسانياـ لدى البعض لإثبات الذات مستغلين حالة السيولة التي يعيشها التنظيم وعدم وجود قيادات وازنة تشكل محل إجماع.
 
 محزن النظر إلى البطاقات التعريفية لمرشحي الإخوان؛ فتجد منهم من يعدد دورات التنمية التي حصل عليها! وآخر يعدد تجارب العمل الخيري التي عمل بها.. وثالث يعدد مؤلفات لم تشتهر ولم يسمع بها إلا أصدقاؤه والدائرة الضيقة حوله… إلخ، وقد نقبل جدلا أن يكون عضوا في مجلس النواب من لمع نجمه في مجالات أخرى غير السياسة، لكن أن تكون مؤهلات المرشح هي عبارة عن تجارب باهتة أوعادية في جوانب أخرى غير سياسية فهذا يشير إلى أزمة مركبة عند القوم.
 
 بالمحصلة يحق للناخبين أن يتساءلوا: كم واحدا من مرشحي الإخوان خاض تجارب سياسية حقيقية و متحررة من التداخل القاتل بين الدعوي والسياسي؟؟.
 
 الجماعة ما زالت تعتبر العمل السياسي مجرد بوابة لإثبات الذات ولتقوية الأذرع الدعوية، ولذلك تفرز للانتخابات كوادر الجماعة وليس كوادر سياسية أو حزبية، و يبدو أن الطريق ما زال طويلا قبل أن تعي الجماعة واقعها وتدرك آليات تغييره.
 
 ودعك هنا من ترهات وأوهام يتم بيعها للصف الداخلي وللأنصار عن خبرات العمل السياسي لدى المترشحين الإخوانيين.. فستجد بعضهم يدعي الخبرة السياسية لأنه فقط مهتم بالسياسة بدليل أنه يكتب بوستات “سياسية” تحظى بالـ “لايكات”، وبعضهم لأنه كتب يوما بضعة سطور سماها تحليلا سياسيا وتم نشرها في صحيفة أو موقع تابع للجماعة يعرف فيه صديقا أو “أخا” من نفس تياره، وبعضهم يدعي الخبرة السياسية لمجرد أنه كان عضوا في لجنة تنظيمية سمت نفسها لجنة سياسية لكنها لم تمارس غالبا من السياسة إلا بابا مبتدعا هو “الوعظ السياسي”، وبعضهم يعتبر نفسه ذو خبرة سياسية لأنه اعتاد أن يدعى لإلقاء “محاضرات سياسية” لكوادر الجماعة وأنصارها يقوم فيها بخلط التحليل بالموقف بالأمنيات بالإشاعات دون أن يلحظ الفرق بين ذلك كله. وكل ذلك ضمن بيئة غير شفافة تنتشر فيها الذرائعية والتلفيق والانتقائية.
 حتى من كان منهم عضوا سابقا في مجلس النواب إذا وضعناه على مسطرة العمل السياسي نجده بالغالب لم يشتغل بالسياسة بقدر ما كان “يخطب” حول المواضيع السياسية؛ فلا تجد إجابة مقنعة عن أسئلة مثل: كم مرة نجح في سن قانون مهم للناس أو كم مرة نجح في منع قانون ضار، كم ملف فساد كشف، وكم لوبي أو مجموعة ضغط مؤثر صنع، وكم حملة سياسية قادها أو صنعها واستطاعت الوصول إلى هدفها …… الخ.
 
 نفس العقلية العقيمة القديمة ما زالت تتحكم بمفاصل التنظيم.. فإذا كان الشخص واعظا وصعد المنابر واستمعت له مجاميع قليلة من الناس يتخيل تلقائيا أنه يصلح للنيابة.. و إذا كان “بياع أوهام”- و ما أكثر مدمني الأوهام ـ واستطاع حشد مجموعة من المستمعين المخلصين لـ “نظرياته” فإنه يصبح أوتوماتيكيا مرشحا محتملا ..
 
 العمل الخيري ليس أبدا مدخلا للسياسة بل الربط بينهما يكاد يكون جريمة.. ومن يعرض تطوعه “المفترض” في العمل الخيري كرصيد في الدعاية الانتخابية فقد أخطأ في الجانبين.. فضلا عن أنه يسيء لتجربته وتاريخها.
 
 كان المؤمل أن يخرج الإخوان بتجربة جديدة ومختلفة يخرج فيها السياسي من عباءة الدعوي ويكون ذلك بداية للتحول الضروري و المأمول، لكن للأسف تمتلك الجماعة قدرة كبيرة على استمرار دفع الثمن لذات الأزمة وبمخزون كبير من الجمود يروج للأتباع من “ضرورة الصبر على الامتحان”! الامتحان الذي صنعوه لأنفسهم ولا يريدون أن يتخطوه.
 
 وقد يجادل البعض هنا في كون مرشحيهم أفضل من منافسيهم! حسنا.. هم بالتأكيد أفضل من نائب البيزنس الذي احضر تورتة للاحتفال بميلاد الملك تحت القبة وهم أفضل من الآخر الذي صوت لصالح الاستثمارات اليهودية بكلتا يديه … لكن، هل هذه معاييركم؟! هؤلاء هم القاع في العمل النيابي، لكن استمرار الزحف بمعايير التقييم والأداء إلى قعر الحدود الدنيا والاكتفاء بأننا أفضل من القاع سيظل يجر سفينة الحركة الإسلامية إلى الأسفل. 
 
 وفي الأثناء تجد الكثير من دعايات التلفيق… فحين يمتهن بعضهم الحديث عن الرؤية والاستراتيجية فلا يعني ذلك ضمنا أنه يملك رؤية أو استراتيجية، وما رأيناه في “البرنامج الانتخابي” المفترض مثال فاقع على ذلك.
 
 السياسة مازالت بالنسبة للجماعة ورقة في مزاد الدعوة، فقد كان يفترض بعد كل الهزات التي تعرضت لها في كل مكان أن تتخلص من عقدة الجماعة وتفصلها تماما عن العمل السياسي وتقدم خطابا سياسيا واعيا وبرنامجا يمكن أن يعيش على الأرض لكن برنامجهم كان مخيبا للآمال؛ فالمعضلة الأكبر كانت البرنامج الانتخابي… و من حيث المبدأ فما تم تقديمه على أساس أنه برنامج انتخابي لا يمكن اعتباره برنامجا؛ فهو عبارة عن عبارات إنشائية باهتة؛ فلا هي احتفظت بلمعان وحماسة البرامج الشعاراتية ولا هي احتوت شيئا من رصانة ومنهجية البرامج الانتخابية العملية.
 
 
 التنافس الانتخابي أفرز مجموعة تحديات ومشاهد يجب أن يتوقف عندها الإخوان طويلا:
 — لم يعد الإخوان وحدهم يحتكرون تمثيل الإسلام السياسي ـ وهو ما كان يعطيهم سابقا قوة كبيرة و مجانية: فهناك حزب الوسط وهناك مجموعة زمزم و هناك محمد نوح القضاة وهناك جمعية الإخوان المرخصة وهناك عدد من الإسلاميين المستقلين وربما نرى قريبا اتجاها سلفيا محافظا مدعوما ومناوئا للإخوان، وبالتالي فالأدوات التي كانوا يستخدمونها لتبرير مواقفهم السياسية يمكن أن تستخدم الآن لمحاربتهم.
 — شعبية الإخوان تتناقص وشعبية خصومهم تتصاعد، وهذه واضح بالعين المجردة، فسابقا كانت المهرجانات الانتخابية للإخوان تحشد عشرات الآلاف فيما الآخرون بالكاد يحشدون بضع مئات، أما اليوم فالأعداد متقاربة وتستطيع أن ترى بضعة آلاف في التجمعات الانتخابية لمختلف التيارات.
 ـ ظهور اتجاه علماني قوي ومتصاعد عبر عن نفسه بخطاب متماسك وحاز نسبة تصويت لا بأس بها، ما يشكل تحديا مستقبليا ليس هينا للخطاب الإخواني.
 ـ خلو مرشحي الإخوان — الأصيلين وليس الحلفاء ـ من الشخصيات الشعبية والكارزمية القوية مقابل وجود شخصيات ذات شعبية جارفة و كاريزما عالية في التيارات المنافسة، ما يسحب من أيديهم آخر أوراق التأثير بعد انتهاء احتكار خطاب الإسلام السياسي وإفلاس البرامج الانتخابية.. وذلك بمثابة جرس إنذار يجب أن يتنبهو له في الانتخابات المتلاحقة التالية.
 
 المتعلمون ثلاثة: هناك من يتعلم من تجارب غيره، وهناك من لا يتعلم إلا إذا دفع ثمن تجاربه الأليمة، وهناك من يدفع الفاتورة ذاتها مرارا دون أن يتعلم، و محزن أن تكرر الجماعة أزماتها دون أن تستفيد من الدروس القاسية التي تتلقاها.
 
 نتيجة الانتخابات ستمنح للجناح الأمني في النظام وكذلك لقيادة الإخوان فرصة لتسويق ذات الأوهام.. ستعطي الانتخابات فرصة لقيادة الإخوان ليروجوا طويلا أننا ما زلنا أقوياء وأننا نجحنا رغم المعيقات وهذا دليل على صحة مسارنا ولا داعي بالتالي لإجراء أية مراجعات جذرية..الخ، وكذلك يمكن للتيار الأمني والمحافظ في النظام أن يروج طويلا لصحة نظريته في أن الإخوان تتآكل شعبيتهم و ينقص رصيدهم و أنه يمكن المضي بمشروع تحديث الدولة دون المرور بمحطة الإصلاح السياسي.. والخاسر الأكبر من دعاوى الطرفين هو مشروع الإصلاح الوطني الذي ضحى من أجله آلاف الناشطين غير المتحزبين لسنوات دون أن يجدوا قيادة مؤهلة تصل به لبر الأمان.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.