بورتريه: إضراب الأسرى.. رسائل لا يحملها البريد

بورتريه: إضراب الأسرى.. رسائل لا يحملها البريد

الإسرائيلي أسير قلعته وكراهيته وحبيس دائرة الانتقام.. لا يرى الأخر، العربي، إلا من خلال فوهة البندقية أو قضبان السجن.
 
 وعبثا تحول، جدران المعتقل الرطبة وسطوة الجلاد المغتصب، بين الأسرى واستنشاق عبق الحرية القادم عبر الإضراب والمقاومة، والمندفع بكبرياء عبر طرقات القدس القديمة وحجارتها المشبعة برائحة الياسمين والقرنفل.
 
 مع نضوج الكرز واللوز، دخل 1500 أسير فلسطيني إضرابهم عن الطعام في سجون الاحتلال، التي مر عبر بوابتها أكثر من مليون فلسطيني منذ عام 1967، بينهم أكثر من 15 ألف سيدة وفتاة وطفلة فلسطينية.
 
 الاعتقالات لم تقف عند بلدة أو قرية أو مدينة معينة، ولم تنحصر في شريحة أو فئة محددة، بل طالت كل شرائح المجتمع الفلسطيني دون تمييز، الأطفال والشبان والشيوخ والفتيات والأمهات والزوجات، ومرضى ومعاقين وعمال وأكاديميين ونواب في المجلس التشريعي ووزراء سابقين وقيادات سياسية ونقابية ومهنية وطلبة جامعات ومدارس وأدباء وصحفيين وكتاب وفنانين.
 
 وتفيد الوقائع وشهادات المعتقلين بأن جميع الذين مرّوا بتجربة الاحتجاز أو الاعتقال تعرضوا لأحد أشكال التعذيب الجسدي أو النفسي، والإيذاء المعنوي، فيما الغالبية منهم تعرضوا لأكثر من شكل من أشكال 
 التعذيب.
 
 والحديث عن الأسير الفلسطيني، نصفه عاطفة وأشعار وكلمات ودموع تمجد الأسير الذي ضحى بحريته من أجل حرية وطنه وتغلغل في الوجدان والذاكرة، ونصفه الأخر أرقام وإحصائيات لا تدوم على حال ولا تقف عند رقم محدد فهي في ازدياد.
 
 وتقول الإحصائيات أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وفقا لتقرير مشترك لمؤسسات “هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين”، و”نادي الأسير”، و”الجهاز المركزي للإحصاء”، وصل، منذ أيلول/ سبتمبر عام 2000، إلى نحو (100) ألف حالة اعتقال، بينها نحو (15) ألف طفل تقل أعمارهم عن 18 عاما، و(1.500) امرأة، ونحو (70) نائبا ووزيرا سابقا، بينما أصدرت السلطات الإسرائيلية نحو (27) ألف قرار اعتقال إداري.
 
 وذكر التقرير أن عدد الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال بلغ (57) أسيرة من بينهن (13) فتاة قاصرا، وأقدمهن الأسيرة لينا الجربوني والتي أفرج أخيرا.
 
 وأشار التقرير المشترك إلى أن الأسرى القدامى الذين مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً، بلغ عددهم (44) أسيراً، بينهم (29) أسيرا ، وبحسب التقرير، بلغ عدد الأسرى الإداريين نحو (500) أسير إداري.
 
 وبلغ عدد الأسرى المحكومين بالمؤبدات (500) أسيرا، وقالت مؤسسات فلسطينية أن عدد الفلسطينيين الموجودين حاليا في السجون الإسرائيلية يقدر بحوالي 5600 أسير فلسطيني.
 
 من ضمن الأسئلة الكبيرة في قضية الأسرى ما يعرف بقضية “ الأسرى الشهداء” الذين استشهدوا أثناء اعتقالهم على يد الجيش الإسرائيلي، وأعدموا بدم بارد، وأيضا الأسرى الذين استشهدوا في السجون نتيجة الإهمال الطبي المتعمد ،أو نتيجة عمليات القمع التي يتعرض لها المعتقلون داخل السجون، وبلغ عددهم 207 شهداء، وهناك عدد من الأسرى استشهدوا بعد تحررهم بأسابيع.
 
 ومنذ نكبة فلسطين عام 1948، نفذت عمليات إعدام جماعية بحق أسرى فلسطينيين من خلال إطلاق النار عليهم بعد إلقاء القبض عليهم وهم أحياء، وكثيرا ما ادّعت “إسرائيل” أن هؤلاء الأسرى حاولوا الهروب فتم إطلاق النار عليهم، وفي حالات أخرى، فإن جيش الاحتلال يترك الأسرى الجرحى ينزفون حتى الموت، دون تقديم إسعافات لهم.
 
 ومن الملفات الأخرى ما يعرف بـ”الأسرى المعزولون”؛ حيث يعزل “الشاباك” الإسرائيلي 16 أسيرا انفراديا بذريعة “الدواعي الأمنية والملفات السرية”، سبعة منهم معزولون منذ عام 2013، علاوة على سياسة العزل شبه اليومي للعديد من الأسرى بذريعة “العقوبة”، التي غالبا ما تكون نتيجة لاحتجاج الأسرى على الظروف السيئة.
 
 وثمة 70 نائبا، أي أكثر من نصف أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني اعتقلوا، ولا يزال 13 منهم يقبعون في سجون الاحتلال، مما يعتبر إهانة لكل البرلمانيين وللديمقراطية ولحقوق الإنسان، كما تعتبر إهانة للحرية والعدالة، ويجب الرد عليها.
 
 حكاية الأسرى الفلسطينيين هي حكاية فلسطين بأكملها، فالشعب العربي الفلسطيني يعيش في الواقع في سجن كبير، لكن بلا جدران وقضبان، وأكبر نموذج لهذا النمط من السجون التي لا توجد سوى في فلسطين، هو سجن قطاع غزة الذي يعاني من حصارين: إسرائيلي، وعربي.
 
 ويرى كثير من الفلسطينيين أملا في استعادة الأسرى لحريتهم عبر سلاح المقاومة وفرض صفقات تبادل جنود أو رفاتهم مقابل إطلاق سراح الأسرى، بعد أن تعهدت المقاومة في غزة بإطلاق سراح جميع الأسرى من السجون الإسرائيلية، إثر إعلانها عن أسر عدد من جنود الاحتلال في حرب غزة الأخيرة.
 
 الأسرى لن يصمتوا ولن يستسلموا ولن تنكسر إرادتهم وإضرابهم الآن والمعروف إعلاميا بـ”إضراب الحرية والكرامة”، هو وسيلة شرعية وسلمية لمواجهة انتهاك حقوق الأسرى التي يكفلها القانون الدولي.
 
 الاحتلال الإسرائيلي اختار الاستمرار في سياساته القمعية والعقوبات الجماعية ضد الأسرى الفلسطينيين والتحريض ضدهم.
 
 مصير الأسرى الفلسطينيين هو مصير الشعب الفلسطيني نفسه، شعب بأكمله بلا حماية أو أية حقوق على أرض وطنه، فالقانون الإسرائيلي يبيح الاستعمار والعقاب الجماعي والتمييز والفصل العنصري، والمحاكم الإسرائيلية، جزء من هذا الاحتلال العسكري. “إضراب الحرية والكرامة” رسالة للعالم لليقظة والانتباه إلى ما يواجهه الأسرى والفلسطينيون من نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) من قمع وقهر وإبادة وفقا لتقرير للأمم المتحدة.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.