الإعلام وصناعة الأصنام

جعفر عباس يكتب لـ عربي21: الإعلام وصناعة الأصنام

حطَّم الإسلام اللات والعزى ومناة وهبل، ثم جاء ال”هُبل”، واستبدلوا الأصنام المصنوعة من الحجر والشجر، بأخرى “حية تسعى” على أرجُل، ولكن عرب الجاهلية كانوا على الأقل يعبدون أصنامهم جيلا بعد جيل، ولا ينفضون عنها بعد بضع سنوات ويوالون أصناما جديدة، في حين أننا نجد أن الإعلام العربي، وعلى مدى العقود السبعة الأخيرة، ظل يهلل ويطبل للزعيم الملهم، ثم المبُهم، ثم التاريخي، ثم الجغرافي، ثم الفذ، ثم حارس البوابة الشرقية، وهذا اللقب الأخير، فاز به الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. 
 
 لم يتساءل الإعلام: ومن هم حراس البوابات الشمالية والجنوبية والغربية؟ والجواب على هذا السؤال سهل، فقد نال صَدَّام اللقب بعد ان دخل في صِدام مع إيران، التي ومنذ عام 1979، صارت تطرح نفسها كقوة عظمى، وتتحدث عن تصدير الثورة، بنفس السهولة التي كانت تتحدث بها عن تصدير الصابون والليمون، وبعد ان انتهت الحرب العبثية بين العراق وإيران بالتعادل السلبي، هجم حارس البوابة الشرقية على البوابة الجنوبية واحتل الكويت، وهلل بعض العرب للاحتلال، وكان ذلك مؤشرا لمعاناة الحس السياسي لبعض الزعماء العرب للاختلال. 
 
 وهكذا وجد الأمريكان ذريعة لحشر فوهات دباباتهم في المنطقة العربية، وهكذا ظهر تنظيم القاعدة، ونوري المالكي وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي، وإلى يوم الناس هذا يصيح معظم العرب: الله يجازي من كان السبب، ويعتبرون الولايات المتحدة هي “السبب”، ولا يعيدون المسألة إلى جذورها، وهي احتلال العراق الكويت، وفي العقيدة المسيحية يتكلمون عن الخطيئة الأساسية original sin ويعنون بذلك خطيئة أبينا آدم عليه السلام، التي أخرجت بني البشر من الجنة، ومن ثم صار البشر خطائين، وهو ما لخصه شاعر العرب الأشهر أبو الطيب المتنبي بقوله: أبوكم آدم سن المعاصي / وعلمكم مفارقة الجنان، وهكذا فإن خطأ صدام بغزو الكويت، هو الذي جر على المنطقة العربية، سوء المآل الذي تعيشه في قسمها الشمالي الشرقي، وكان عرّاب القصف والنسف والعسف هو الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو بوش، الذي بنى خياله ترسانة سلاح فتاكة في مخازن حكومة صدام حسين، فقرر غزو العراق، ثم سلم العراق لنوري المالكي الذي سلم المناطق السنية، في بلاده لتنظيم الدولة الإسلامية، بما فيها من عتاد عسكري، ثم جعل من ذلك ذريعة هو وأمثاله المؤتمرين بأمر إيران، ل”تحرير” تلك المناطق من التنظيم والسنيين، ويتولى تلك المهمة حاليا الحشد الشعبي الذي يتألف من مهووسين، يعتقدون أنهم مكلفون بتصفية حكم أبو بكر وعمر وعثمان عليهم السلام، في الأنبار والموصل. 
 
 هل بشار الأسد نبت شيطاني؟ لماذا لم يتجرأ الإعلام العربي (باستثناء أصوات سورية فردية في المهاجر القسرية) لإدانة أساليب الحكم الباطشة والطائشة لوالده حافظ الأسد، الذي حكم سوريا لأكثر من ثلاثين سنة، اضفى عليه الإعلام العربي لقب “بطل الصمود والتصدي”، مع أنه من قام بتسليم هضبة الجولان لإسرائيل ملفوفة بورق السوليفان في عام 1967، ووضع لبنان تحت الوصاية السورية، وهلهل نسيجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وشق صفوف المقاومة الفلسطينية باحتضان قيادات مرتزقة، تلقت منهم تعليمات: عليكم بجماعة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، ولكن لو “هَوَّبْتُم” نحو إسرائيل، يا ويلكم، ولهذا لم تكن جبهة الجولان تشكل أي قلق لإسرائيل طوال سنوات الحكم الأسدي الذي دام حتى الآن 46 سنة. 
 
 وكان الإعلام العربي معجبا بالزعيم الليبي (كان زعيما من زعم يزعم) معمر القذافي، وبتصريحاته وخطبه، التي كان يكتبها أشخاص من نفس طينة من يكتبون ما يحسبونه شعرا غنائيا لشعبان عبد الرحيم، وكانت عبارته الأشهر “طز في أمريكا” واسعة التداول، باعتبار أنها تصدر عن قائد فذ، يملك الشجاعة لتحدي أمريكا، والغريب في الأمر أن القذافي هو الوحيد من بين الثيران التي وقعت منذ عام 2011، الذي تكاثرت عليه السكاكين، أما الأصنام التي تهاوت قبل وبعد تلك السنة فلا يسبق أسم كل منها سوى كلمة “الراحل”، التي — في تقديري — لا تقال على استحياء، بل بكل قلة حياء.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.