كاسترو وتقليب المواجع والدفاتر (1)

جعفر عباس يكتب لـ عربي21: كاسترو وتقليب المواجع والدفاتر (1)

رحل عن الدنيا يوم في الخامس والعشرين من تشرين الأول/ نوفمبر المنصرم، الرئيس الكوبي السابق فيدل أليخاندرو كاسترو عن تسعين سنة، قضى السنوات الثمان الأخيرة منها بعيدا عن كرسي السلطة الذي جلس عليه لسبع وأربعين سنة (من 1959 إلى 2008)، وحطم بذلك الرقم القياسي للبقاء في سدة الحكم منذ أن عرفت البشرية “الجمهورية”، وحتى بين الملكيات المعاصرة لم تحطم ذلك الرقم سوى الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا الحالية التي جلست على كرسي العرش عام 1952 (يعني نحو 56 سنة)، و”ما زال العرض مستمرا”، وصار ابنها تشارلس أطول حامل للقب ولي العهد في عالمنا اليوم، وملك تايلند الذي توفي في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعد أن جلس على العرش منذ أيار/ مايو 1950، وهناك سلطان بروناي حسن البلقيه الذي يتولى حكم بلاده منذ عام 1966.
 
 قال أبو العتاهية في مدح الخليفة المهدي (ترتيبه الثالث بين الحكام العباسيين):
 
 أتته الخلافة منقادةً / إليه تجرر أذيالها
 فلم تك تصلح إلا له / ولم يكُ يصلح إلا لها
 
 وكاسترو لم يدخل الحياة السياسية كطالب سلطة، بل كسب مركز الصدارة في كوبا عن جدارة واستحقاق، بوصفه قائد الثورة التي أطاحت بحكم باتستا، الذي كان دمية تحركها عصابات الجريمة المنظمة والولايات المتحدة، وشخص يبقى في كرسي الحكم بلا منافسة لقرابة نصف قرن ينال أيضا عن جدارة واستحقاق لقب ديكتاتور، ولكن كاسترو لم يكن “يستعر” من هذا اللقب، لأن فلسفة حكمه قامت على ديكتاتورية الطبقة العامة والفلاحين، تماما كما أن الجماعات الإسلامية الجهادية لا تستعر من “الإرهاب”، لأن القرآن حسب رؤيتهم يحض على “إرهاب العدو”، ولعل كاسترو هو الزعيم الوحيد في التاريخ المعاصر الذي لم تعايره دولة سوى الولايات المتحدة بالديكتاتورية.
 
 وعاش كاسترو ومات وهو في نظر مئات الملايين، في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا نموذج لرجل المبادئ المناضل، وسيرته في الحكم توحي بأنه يحمل جينات عربية، لأنه أبقى على شقيقه راوول ساعدا أيمن له ثم سلمه مقاليد السلطة، ولكن سجل راوول النضالي شفع له في أنظار الكوبيين فلم يعتبروا الأمر توريثا، فقد شارك راوول في كل الانتفاضات المسلحة ضد حكم باتستا، وكان ضمن مجموعة قليلة العدد والعتاد نزلت من جبال سييرا مايسترا في الهجوم الأخير، الذي قاد ثوار كوبا الى السلطة (لم تكن مع الثوار أسلحة كافية فحمل بعضهم أخشابا تشبه في تصميمها البنادق للإيحاء بأنهم مجموعة “ضاربة”).
 
 راس الدولة الوحيد في التاريخ قديمه وحديثه، الذي أجمعت كل الدول على أنه استثنائي في قدراته وحكمته ونزاهته، هو نيلسون مانديلا الذي خرج من السجن لسبع وعشرين سنة إلى قصر الرئاسة، ورغم كل ما عاناه هو وبني جلدته السود في وطنهم (جنوب أفريقيا)، فقد كانت الأولوية بالنسبة له تحقيق مصالحة وطنية لدفن الأحقاد، وكبح الرغبة في الانتقام لدى الأغلبية السوداء، من البيض الذين ساموها سوء العذاب، وكان مانديلا مثل كاسترو ماركسيا، ولكنه رأى بعد أن صار أول أسود يجلس على كرسي الرئاسة في جمهورية جنوب أفريقيا، أن تمسكه والحزب الذي يقوده (المؤتمر الوطني الأفريقي) بالماركسية سيؤدي على الشقاق عوضا عن الوفاق.
 
 وفي حالة كاسترو ورفيقه في النضال أرنستو تشي غيفارا (“تشي” ليس جزءا أصيلا من اسم غيفارا، بل هي كلمة دارجة في بلاده الأرجنتين، تتخلل الكلام بمعان كثيرة من بينها: هل تسمعني؟ يا صاحبي..أوكي؟ كانت تتردد كثيرا على لسانه، وكانت غريبة على الكوبيين فجعلوا منها كنية للرجل، ولا تُنطق كما يفعل معظم العرب بكسر الشين كما في she ولكن بإمالتها) المهم أن مئات الملايين في مختلف القارات تكن تقديرا عاليا لكاسترو وغيفارا ليس لأنهما ماركسيان، بل لأنهما من صنف القادة الذين تتطابق أقوالهم وأفعالهم، ولأنهما رمز الصلابة والجسارة في وجه الغطرسة الأمريكية.
 
 وما من بلد في العالم، إلا وآلاف الشباب فيه يرتدون قمصانا عليها صور غيفارا الذي اغتالته المخابرات الأمريكية في بوليفيا في أكتوبر 1967، حيث كان ينظم حركة ثورية ضد النظام العميل للولايات المتحدة، وكان غيفارا قد قدم إلى بوليفيا من الكونغو بعد أن ساهم في تدشين النضال المسلح ضد الديكتاتور جوزيف موبوتو.
 
 ومثل كاسترو فقد درس غيفارا الطب، ولكن حتى قبل أن يكمل دراسته في جامعة بوينس آيرس في الأرجنتين، كان قد قام بجولات مطولة في مختلف أرجاء اميركا الجنوبية لتقصي أحوال سكانها، بل هجر كرسي الدراسة لحين من الدهر، وتفرغ للعمل في “مستعمرة” مخصصة لمرضى الجزام في بيرو، وجولاته تلك، هي التي جعلت منه مناضلا أمميا يحارب في كوبا والكونغو وأنغولا وبوليفيا، مما جعل الكثير من الأحزاب الشيوعية تتبرأ منه باعتبار أنه يمثل اليسار الطفولي,
 
 لابد أنك تعرف جيفارا البديري؟ إنها مراسلة قناة الجزيرة في الضفة الغربية القابضة على جمر الوطن المحتل والمختل؟ كان أبوها يحلم بأن يرزق بولد كي يطلق عليها اسم الثائر الأرجنتيني، فلما جاء المولود بنتا قال: زي بعضه، هي جيفارا (تكتب اسمها بالجيم)، وتسمع تقاريرها عن العسف الإسرائيلي فتحس أن بها الكثير من روح أرنستو دي لاسيرنا غيفارا.
 
 وانظر حالنا اليوم مع الجنرالات الذين أكلوا السلطة وهي “والعة”ـ وجلسوا في كراس أكبر من “مقاساتهم”، وكلما خابوا وقفوا على عتبات البيت الأبيض والكرملين وبكين باكين مستجدين للفياغرا المصرفية على أمل أن تعالج “العجز”، وعندما يستفحل الوضع يلجأون للوصفات الشعبية: مزيدا من الضرائب ورفع أسعار السلع الضرورية ومن هنا عرف العالم العربي صنف الحكومات التي ينفق عليها الشعب وليس العكس.
 
 وفي مقالات مكملة لهذا المقال أشرح كيف أن موت كاسترو قلَّب علي المواجع وحملني على مراجعة دفاتري القديمة.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.