نعامل الشباب كما نعامل الشيّاب

جعفر عباس يكتب لـ عربي21: نعامل الشباب كما نعامل الشيّاب

كان للحزب الشيوعي السوداني، تأثير كبير على جمهرة المتعلمين في السودان، وجماهير المدن بصفة عامة، ويكفي للتدليل على هذا، أنه فاز بمعظم مقاعد الدوائر البرلمانية المخصصة لخريجي المدارس العليا والجامعات في انتخابات عام 1965. 
 
 وعموما، فقد ظل اليسار الأعلى صوتا في معظم الدول العربية، حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، ولكن جميع الأحزاب اليسارية العربية انقرضت قبل انقراض الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الاشتراكي (ما لا يعرفه حتى من يحسبون أنفسهم من الإخوان المسلمين، أن مؤسس الحركة، الشيخ حسن البنا سبق الحركة المصرية للتحرر الوطني “حَدِتّو”، التي انبثق عنها الحزب الشيوعي المصري، في المطالبة بالإصلاح الزراعي، وتأميم البنوك الأجنبية، والانحياز الى الفقراء عبر نظام منهجي للعدالة الاجتماعية.
 
 ولكن الأحزاب الإسلامية التي تزعم أنها امتداد للإخوان المسلمين، أو تفرعت عنه، اختارت نهج أبو الأعلى المودودي “الرأسمالي”، الذي يتعارض مع رؤية البنا في الشأن الاقتصادي.
 
 
 كان الاشتراكيون وحدهم من يتكلم عن مكافحة الفقر، ومحاربة الاحتكار طوال ثلاث عقود، وغرسوا في ذهني -لا شأن لي بما غرسوه في أذهان الآخرين- أن جميع الأثرياء حرامية، وإذا لم يكن الواحد منهم حراميا بالمعنى الحرفي (الإجرامي) للكلمة، فهو حرامي لكونه يسرق عرق الطبقة العاملة. 
 
 ورغم أنني عرفت في سنوات لاحقة، أو قرأت عن عشرات العصامين الذين أصبحوا من أصحاب الملايين، إلا أنني، وإلى يومنا هذا، مقتنع بأن الكثير من المليونيرات “حرامية”.
 
 ولكنني أعرف أن مليارديرات عرب مثل بن لادن والفطيم والغانم والحكير والعليان وبهوان والخرافي والفردان وغيرهم، بدأوا من تحت الصفر، بالعمل اليدوي الشاق، واستخدموا ذكاء فطريا للاستفادة من الطفرات الاقتصادية في بلدانهم، وغامروا وقاموا ووقعوا، حتى ترسخت أقدامهم في سوق المال والأعمال.
 
 ليست غايتي اليوم فتح تحقيق عن الثراء الحرام أو الحلال، بل مواصلة الموال الذي بدأته على صفحات “عربي21” يوم السبت الماضي، عندما نعيت على المجتمعات العربية، ميلها إلى تحديد أمد صلاحية للإنسان، وبالتالي اعتبار أن ابن آدم لابد أن “يقعد قعودا تاما، وليس فقط أن يتقاعد” بعد تجاوزه الستين.
 
 ولكن موال اليوم يسير في اتجاه معاكس، وهو أننا لا نعطي شبابنا الفرصة ليبدعوا في أي مجال (سوى الغناء).
 
 مارك زكربيرغ مؤسس “فيسبوك”، بدأ مشروعه الذي جعله خامس أثرياء العام (20 مليار دولار فقط لا غير)، وهو طالب جامعي، والأمريكي الآخر كاميرون جونسون، بدأ في تصميم وبيع بطاقات المناسبات العامة عبر الإنترنت وعمره 11 سنة، وفي السنة النهائية في المرحلة الثانوية، كان رصيده البنكي مليون دولار، وشون بيلنك بدأ في طرح بطاقات التسوق مع بالتعاون مع متاجر كبرى وعمره 16 سنة، وبعدها بأربع سنوات كان رصيده البنكي زهاء الأربعين مليون دولار.
 
 وفي المقابل، فما من مليونير عربي دون الثلاثين إلا وثروته بالوراثة، فلا مناهجنا ولا أساليبنا في التربية تفتح للشباب هامشا للمجازفة والمغامرة، وما من إنجاز كبير في تاريخ البشرية إلا وبدأ بمغامرة أو “حلم”.
 
 كما أن هناك اقتناعا عربيا جمعيا بأن مرحلة الشباب ميسمها الطيش، بمعنى الاستهتار وانعدام العقلانية، بينما الطيش عنصر من عناصر المغامرة، في السعي لتحقيق إنجاز إيجابي.
 
 انظر إعلانات الوظائف في وسائل إعلامنا: أن يكون عمر المتقدم للوظيفة ما بين الخامسة والثلاثين، والأربعين، أو مطلوب سيدة/ آنسة لإدارة مكتب في شركة كذا وكذا. 
 
 في بريطانيا مثلا، يعدّ اشتراط سن معينة للفوز بوظيفة ما تمييزا على أساس العُمر، يتعارض مع قوانين العمل بمسمى “ageism”، بينما تحديد جنس معين لوظيفة معينة أيضا غير قانوني، ويسمونه “sexism”، أي الانحياز ضد أو لجنس معين.
 
 وما من شاب عربي تقدم لوظيفة معينة، مسلحا بشهادات مع مرتبة الشرف، إلا ووجد جاهلا عصاميا في إدارة شؤون الموظفين، يقول له “عندك المؤهلات، ولكن تنقصك الخبرة”، والخبرة عندنا تعني عدد سنوات الخدمة في مواقع أو موقع ما، وليس الدراية والدربة والمهارة والكفاءة. 
 
 وتحضرني هنا تجربة مستشار قانوني شاب، كان عضوا في لجنة لإرساء مناقصة بفرز عطاءات كثيرة تقدمت بها أطراف مؤهلة، وقال كبير القوم في اللجنة، إن شركة كذا وكيت هي الأكثر تأهيلا بموجب كذا وكذا، فاعترض المستشار على تلك الحيثيات فقيل له: نحن نعمل بهذا الأسلوب منذ أكثر من عشرين سنة، فرد عليهم المستشار: معنى هذا أنكم كنتم ترتكبون أخطاء جسيمة في فرز العطاءات، على مدى أكثر من عشرين سنة.
 
 ومن يحرمون الشباب من فرص التوظيف، متعللين بأن الخبرة تنقصهم، يعطونك الانطباع بأنهم -اسم الله عليهم- دخلوا الحياة العملية بعد الفطام، رغم أنه ما من ابن آدم يدخل أي مجال من مجالات الحياة، أو يدخل الحياة نفسها إلا وهو بلا “خبرة”. 
 
 ولكن التعويل في الحياة عموما وفي مجالات العمل، يكون على الفهم والإدراك والانضباط والرغبة في التعلُّم.
 
 ويحلو لجيل الديناصورات، أن يتباهى بأن التعليم “أيام زمان” كان تمام التمام، وأن التعليم في الوقت الراهن صار أي كلام، ولكن الجيل الذي تلقى التعليم الـ”أي كلام” هو الذي يعلمنا كيف نستخدم الهواتف والكمبيوترات، و”يا بنت تعالي ارسلي لعمك اللوكيشن”. 
 
 وحتى لو صار التعليم في عالم اليوم فقير المحتوى والمخرجات، فالعتب على جيل الكبار، ومع هذا فمعطيات الحياة اليومية، تعلم صغارنا وشبابنا يوميا أشياء كنا نراها يوما ما في أفلام الخيال العلمي، أو نعرفها من المطبوعات التي تصلنا عبر البريد السلحفائي بعد انتهاء أمد صلاحيتها.
 
 وهكذا، فنحن نركن الشياب ذوي الخبرة والدراية في مختلف مجالات العمل في البيوت، بحجة أن السن “له أحكام”، ونفعل نفس الشيء بالشباب بحجة أنه يفتقر إلى عامل “السن”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.