أزمة 11 نوفمبر

جلال زين الدين يكتب لـ عربي21: أزمة 11 نوفمبر

لا شك أن الجميع عاش بشكل من الأشكال حالة الحشد والتعبئة الضخمة ل 11 نوفمبر السابق، ونظرا لطبيعة تعقيدات الحالة المصرية توقع البعض — لأسباب متعددة- أنه سيكون يوما حاسما أو بمعني أدق سينتج حالة حاسمة بشكل سريع وتوقع البعض الآخر إلي حالة من الشك العميق حول هذه الأحداث وأن شيئا ما غامضا ويثير الريبة، وكان لكل منهم أسبابه سواءا اتفقنا معها أو لا.
 
 إلا أن اليوم مر مرورا عجيبا لا يتناسب مع حجم التعبئة ولا حجم الشكوك وتميز فقط بحالة من الحشد الزائد من نفس التيار الذي استمر منذ الانقلاب حتي اليوم وهو التيار الإسلامي في اعتبار التظاهر وسيلة مفضلة للتعبير عن رفضه لنظام الحكم أو كما يحلو للبعض تسميته بالانقلاب العسكري.
 
 ما حدث يحتاج إلي تفسير وعدة أسئلة ينبغي الإجابة عليها حتي لا يقع البعض فريسة للإحباط أو علي الجانب الآخر فريسة لإعادة إنتاج الحدث دون إدراك لتلك الإجابات، وعلينا أولا طرح الأسئلة، والسؤال الأهم لماذا كانت التعبئة بهذا الشكل الضخم من “معارضي الانقلاب” ولماذا ساهم النظام في مصر في الترويج لها وكانت في النهاية النتيجة كما رأينا؟
 
 الخطأ الأكبر لدي “معارضي الانقلاب” أنهم مستمرون في وصف أنفسهم بهذا اللقب -معارضي الانقلاب- فالأمر توقف عند تلك الحالة وهي بالتأكيد هامة ولكن المياه الكثيرة التي جرت كانت كفيلة بأن تتغير تلك الكلمة أو هذا الوصف إلي شيء آخر يؤسس لتغيير عميق بنمط المجتمع المصري أعمق من مجرد تجاوز انقلاب عسكري، فالاستمرار علي هذه الوصف يجعل المشاهد والمتابع يشعر أنه مجرد صراع سلطوي دون الدخول في قلب المشكلة مما يجعل قطاعا كبيرا يبتعد عن المشهد، فمع هذا الفرض يخرج قطاعا واسعا من معادلة الصراع لأن الحفاظ علي السياسات وتغيير من علي رأس السلطة فقط مع الحفاظ علي بنيتها لا يجعل الكثير من المدركين لحقائق الأمور يظهر حماسا لتلك الدعوات ، ومع الإصرار علي المصطلح “معارضي الانقلاب” وطول المدة التي تزيد عن ثلاث سنوات يصبح الحديث عن اشتراك القطاعات المجتمعية التي ملأت الشوارع بعد انقلاب 3 يوليو هو خيال محض.
 
 الخطأ الثاني لدي “معارضي الانقلاب” هو القناعة المدهشة بأن الفقر يصنع ثورة وكأن مصر والمصريين لم يعانوا من الفقر إلا في الأعوام الثلاث الأخيرة، وبمراجعة كل التاريخ وكل الحاضر نجد أن الشعب المصري ربما من أكثر الشعوب في التاريخ الذي عاني من الفقر ونجد أيضا أن كل الثورات أو الانتفاضات في مصر كانت أسبابها بعيدة عن الفقر، والاحتجاج بانتفاضة يناير 77 تحتاج إلي المراجعة فلم يكن الفقر السبب الأساسي ولكن لأسباب أخري أكثر عمقا ليس هذه مجال سردها. وحتي لو افترضنا صحة ذلك فهي حالة واحدة في ظروف اجتماعية معينة ساهمت في تلك الأحداث.
 
 الخطأ الثالث هو التحرك كرد فعل للأحداث؛ فعادة البرجوازية ومنها بالقطع البرجوازية الإسلامية الخوف من التحرك الجماهيري غير المحسوب وبالتالي لا تسعي ابتداءا إلي الدفع بالأفكار الثورية إلي القطاعات الشعبية وتكتفي بمحاولة تأطير غضبها في المساحات التي تحددها. فمعارضي الانقلاب علي مدي سنوات ثلاث وقبل ذلك بكثير لم يحاولوا- بشكل عميق ومؤثر — تثوير القطاعات الشعبية وتوعيتها بكل الكوارث التي فعلتها النظم العسكرية ضد المجتمع المصري واستمرت في محاولة حصر الصراع كصراع سلطوي، وكانت تعادي بشكل مباشر كل صوت يحاول إظهار شكل المعركة بشكل مختلف عن حدود معارضة انقلاب عسكري بكل الطرق المتاحة.
 
 أكاد أجزم أن هدفهم ليس كذلك بل هدفهم فعلا تغيير شامل لكل المجتمع؛ ولكن كافة الإجراءات ومحددات التفكير كانت هي الأقوي وشكلت في النهاية ما حدث في 11 نوفمبر.
 
 فأزمة 11 نوفمبر ليست أزمة عدم نزول الجماهير؛ سواءا كانت جماهير ما بعد 3 يوليو أو جماهير الفقراء فقرا مدقعا ولكنها بالأساس أزمة الأفكار والخطاب؛ فجماهير ما بعد 3 يوليو تريد تغييرا حقيقيا يتواري — بل يكاد ينعدم — خلف تحديد الصراع في مجرد انقلاب عسكري بعيدا عن خطابات أكثر ثورية وإجراءات أكثر فاعلية، وجماهير الفقر المدقع لا تتحرك لمجرد أنها فقيرة بل تتحرك عندما تعي أسباب الفقر.
 
 وأشار أحد الزملاء في مقال له إلي ملاحظة عميقة في بيان الإخوان المسلمين الخاص بقرض صندوق النقد الدولي لمصر حيث ركز البيان علي الكارثة التي يفعلها النظام هي القبول بشروط البنك الدولي وليس قرض البنك الدولي ذاته وسياسات الاقتراض والعولمة بشكل رئيسي مما يغذي الإحساس السابق بابتعاد القوة الرئيسية للثورة عن الحديث حول السياسات واهتمامها بتغيير النظام دون الهيكل و السياسات.
 
 أكرر أن هذا ليس حقيقيا ولكن كما ذكرت نمط الخطاب المحاصر داخل إطار معارضة الانقلاب ينتج ذلك سواءا كان متعمدا أم لا مما يؤدي إلي ضعف احتمال انضمام الكتل الشعبية بقطاعاتها المختلفة إلي الفعل الثوري.
 
 وعلي الجانب الآخر استطاعت السلطة توظيف الحشد والتعبئة الكبيرة لصالحها ربما عن إدراك ما ذكر بالأعلى أو عن ثقة بقدراتها الأمنية والقمعية، إلا أنها في النهاية أظهرت قدرا من السيطرة علي الأمور ولهذا كان دعمها الكبير غير المباشر للتعبئة، ولا نحتاج تأكيد أن التعبئة المضادة في الغالب تزيد من زخم أي موضوع.
 
 لم تعد طريقة الحشد بتحديد يوم وسيلة صالحة، فتراجع نتائج تلك الطريقة أصبحت ليست محل جدال باستثناء نموذج 30 يونية صاحب الحشد المعد سلفا القابل دائما لإعادة الإنتاج ، واستمرار هذه الطريقة لن تنتج جديدا، إن كل المقدمات لفعل ثوري عارم لا زالت موجودة في مصر تحتاج فقط لخطاب ثوري حقيقي وتراكم مبني علي أفكار ثورية عميقة لتغيير بنية المجتمع والسلطة. إن الصراع السلطوي هام للغاية في البناء الثوري ولكن لابد أن يكون خطوة في طريق تغيير مجتمعي ويجب أن يظهر ذلك بوضوح لكل المجتمع ولا يكون الصراع السلطوي هو السقف النهائي حتي لو كان ذلك في الخطاب فقط، كما أنه لابد لإنجاح العمل الثوري أن يختفي الخوف من التحرك الجماهيري الواسع غير الخاضع للسيطرة.
 
 لم يكن 11 نوفمبر أزمة الجماهير الحاضرة في الثورة والمنتظرة لها والغائبة عن الشوارع في إعلان صامت عن انتظارها لخطاب ثوري حقيقي؛ بل هي أزمة “معارضي الانقلاب” بكل أبعادها المتراكمة وكل أفكارها التي تحتاج حتما إلي التغيير.

A single golf clap? Or a long standing ovation?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.