معركة الرقة بين الحسابات السياسية والمساحات الجغرافية

جلال زين الدين يكتب لـ عربي21: معركة الرقة بين الحسابات السياسية والمساحات الجغرافية

توضِّحُ معركة الرقة جلياً طبيعة العلاقة الأمريكية التركية، والمستقبل الذي تريده الولايات المتحدة لسورية، وقد تفتح المعركة أبواب جهنم جديدة على السوريين حيث تختلط الأوراق مجدداً باختلاف جغرافيا السيطرة للقوى المتصارعة.
 
 تجاهلت الإدارة الأمريكية تصريحات المسؤولين الأتراك بدءاً من رأس الهرم لأدنى مسؤول حول استعداد تركيا، وجاهزيتها للمشاركة في طرد تنظيم الدولة من الرقة شرط منع القوات الكردية من المشاركة، بل ذهب المسؤولون الأتراك أبعد من ذلك حين أكدوا أن معركة الرقة تاليةٌ لمعركة الباب.
 
 وبدا للوهلة الأولى أنّ الولايات المتحدة تدرس الطلب التركي، وتبذلُ جهوداً للتقريب بين الطرف الكردي والطرف التركي، لكنّ الحقيقةَ خلاف ذلك فالولايات المتحدة تعمل على إنجاز سيناريو مختلف تماماً لذلك الذي يفكر به الأتراك، ولم يكن غضُّ الولايات المتحدة الطرف عن عملية “درع الفرات” إلا للتعمية على العملية الأكبر مع الحليف الجديد”قسد”.
 
 فقد كثّفت الولايات المتحدة إرسال الخبراء، وعزّزت جهودها المخابراتية لتجنيد أكبر عدد ممكن من العرب في صفوف “قسد” لإضفاء الشرعية الشعبية على “قسد”، وقد قامت قبل ذلك بتجهيز مطارات وقواعد عسكرية قرب القامشلي وعين العرب، وزوّدت القوات الكردية من خلال هذه المطارات والقواعد بكميات ضخمة من الذخيرة والسلاح النوعي استعداداً لهذا اليوم.
 
 ومع إعلان القوات الكردية بدء معركة الرقة أفادت مصادر إعلامية عن هبوط مروحيات في مطار “خراب عشق” شرق عين العرب تحمل 130 ضابطاً ومقاتلاً أمريكياً للمساعدة في معركة الرقة غير الموجودين سابقاً، ويدلل ذلك على حسم أمريكا أمرها، ومن هنا يفهم تصريح وزير الدفاع الأمريكي منذ أيام بأن الهجوم على الرقة سيكون “في الأسابيع المقبلة”.
 
 ونرى الأمر خلاف ما أعلنته “قسد” عن بدء عملية “غضب الفرات” للسيطرة على الرقة، فالمعركة ما زالت بعيدة نوعاً ما لعدم توفر القوّة الموضوعية على الأرض رغم الدعم اللامحدود الذي قدمته الولايات المتحدة لقسد، وإعلان المعركة دون التقدم المنشود هدفه قطع الطريق على تركيا التي صرح رئيسها أردوغان أن عملية “درع الفرات” ستتجه للرقة بعد الباب دون قوات الحماية الكردية.

ويُعتقد أنّ الأمر سيقتصر حالياً على عزل مدينة الرقة، وتنظيف محيطها دون اقتحامها، فالتعداد الحقيقي لـ “قسد” المقاتلة لا يتجاوز 15 ألف مقاتل خلافاً لما تدعيه قسد من أن عدد قواتها 30 ألف مقاتل. وهذا عدد عاجز عن اقتحام معقل مهم للتنظيم، ولا سيما أن الحاضنة الشعبية -فيما نعتقد- ترفض المهاجمين، وليس بوسع “قسد” تحمل الفاتورة البشرية مهما قُدِّم من دعم جوي، فمع إعلان بدء معركة الرقة ضربت عربة مفخخة للتنظيم القوات الكردية قرب بلدة سلوك التابعة للرقة، وهذا مؤشر أن المعركة لن تكون سهلة.

وتدرك القيادة الكردية هذه الحقيقة وعبر صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي عن ذلك عندما صرّح أن الكرد لا يطمحون للسيطرة على الرقة، لكن من يسيطر عليها يجب أن يكون صديقاً للأكراد.
 
 ويشير الواقع المُجَرّب أن تصريحات الكرد للدعاية، فالكرد يحاولون جاهدين فرض هُويتهم على كل المناطق الواقعة تحت سيطرتهم سواء أكانوا عرباً أو غير عرب.
 
 ونزعم أنّ الكرد يهدفون للمتاجرة بورقة الرقة دون الاحتفاظ بها لعدم القدرة على الاحتفاظ بالمدينة التي ستنشأ فيها مقاومة شعبية في حال تمكنت القوات الكردية من طرد تنظيم الدولة رغم أنّ المدينة تقع شرق الفرات.
 
 فقد يئس الكرد من وصل عين العرب بعفرين بعد عملية “درع الفرات” وباتوا على يقين أن الثوار سيطردونهم من منبج بعد طرد التنظيم من الباب، وبالتالي فإنّ دولة الحلم “الكردي” ستنحصر بين عين العرب والقامشلي.
 
 وستعيش “دولة الحلم” حالة اللاستقرار، وسيهددها خطر الزوال في حال بقي تنظيم الدولة مسيطراً على الرقة، أو في حال سيطر الثوار عليها.
 
 وبالتالي لا يُستبعد هنا سيناريو تسليم الرقة فعلياً للنظام، وهناك مؤشرات سابقة تدل على إمكانية ذلك فقد سمحت القوات الكردية لمقاتلي النظام زيارة ذويهم في منبج وغيرها، وسمحت لمسؤوليين سياسيين بالدخول لمناطق معينة كفاتحين، والنظام يحشد قواته في كويرس للتوجه شرقاً وقت الطلب. ولن يتم التسليم بشكل مفضوح إنما مرحلي، وبدواعي خدمية وإنسانية.
 
 ويتوقع أن يستثمر النظام انشغال التنظيم بمعارك الموصل، الرقة، الباب من أجل السيطرة على مدينة الطبقة من جهة، ومجرد سيطرة النظام على طريق مسكنة يعني قطع الطريق على ثوار حلب شرقاً، وتخفيف وطأة الحصار عنه في دير الزور من جهة أخرى، وذلك كله من خلال التنسيق مع قوات الحماية الكردية.
 
 ويبقى الثوار الخاسر الأكبر من نجاح عملية “غضب الفرات” وفي درجة أقل تركيا، فتكريس الدويلة الكردية جنوب تركيا يعني أن عملية “درع الفرات” لم يُكتب لها النجاح الكامل، وأنّ الأمن القومي التركي في خطر، فحزب العمال الكردي له دويلة تأويه وتدعمه وتؤمن له منطلقاً بل تمكن هذا الحزب المتطرف من تأسيس دويلة كردية في سورية، وسيسعى لها حتماً جنوب شرق تركيا.
 
 وتتمثل خسارة الثوار بأمرين مهمين: إنهاء الخطوة الأولى من مشروع انفصال الكرد برعاية قوى دولية، ورضا نظام يفضل التقسيم كخيار أخير على ترك الحكم.
 
 أمّا الأمر الثاني فيتمثل بتقوية النظام السوري، وعودته لحكم الرقة والطبقة وغيرها دون عناء فقد أفرغت داعش المدينة من الثوار، وستفرغ “قسد” المدينة من الدواعش، وقد يفضل الأهالي النظام على الكرد، وبالتالي قد نجد تقبلاً مرحلياً لفكرة تسليم الرقة للنظام مقابل كانتون كردي.
 
 وتكشف معركة الرقة سياسة الولايات المتحدة الحقيقية في سورية، وعدم جديتها بإيجاد حل نهائي، ووقوفها ضد المعارضة السورية والأتراك معاً وهذا ما دفع أردوغان للتأكيد أن بلاده لن تسمح بتكرار “ا?لاعيب التي حِيكَتْ في أحداث عين العرب” كاشفًا في الوقت ذاته عن مشاورات مع الولايات المتحدة وروسيا حول عملية “درع الفرات” في الشمال السوري، مشاورات توّجت بلقاء رئيسي أركان الدولتين في أنقرة لكنها لم تؤدِ لاتفاقٍ نهائي بشأن الرقة.
 
 ويبدو أن السيف سبق العذل، فالمشروع الأمريكي في مرحلة التنفيذ لا التخطيط، وربما بمباركة روسية فالطرفان متفقان على دويلة كردية شمال شرق سورية بصيغة معينة “حكم ذاتي كامل” وبتمكين النظام السيطرة على أكبر مساحة، وإضعاف المعارضة المسلحة، وحصرها في جيوب صغيرة لتبقى ورقة ضغط على النظام لفرض التسوية النهائية المتمثلة بإنتاج نظام أسوأ من السابق، أو الانتقال للخطة ب “التقسيم” في حال الفشل.
 
 وما زال ممكناً ضرب المشروع الأمريكي، ولكنّ ذلك يحتاج لإرادة إقليمية قوية، فتركيا والثوار لا يستطيعان وحدهما الوقوف بوجه الروس والأمريكان والنظام وإيران.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.