حدثكم عن ثورة نصنعها.. لا ننتظرها

جمال الجمل يكتب لـ عربي21: حدثكم عن ثورة نصنعها.. لا ننتظرها

(1)
 قبل 25 يناير 2011 كان حديث التغيير هو اللغة اليومية الدارجة، مثل: صباح الخير، ومساء الخير… كنا ننام فنحلم بالتغيير، ونصحو فنتكلم عن التغيير، كأن هذه الكلمة صارت تعويذة سحرية تحصننا ضد الخوف من المجهول، أو أمنية لحياة أخرى غير تلك التي كنا نعيشها، ولم نكن نخشى البديل حتى لو جاء بحياة غامضة بلا ملامح، لهذا التقى الليبرالي، والماركسي، والإسلامي، والمواطن الغاضب في جماعات وتشكيلات ومظاهرات وردود أفعال، وجميعهم لم يكن يجمعهم شيء مشترك إلا الرغبة في التغيير.. فقد كنا نعيش في قلب العشوائية على سطح من صفيح ساخن، والكل يريد أن يتخلص من ذلك الواقع المقيت.. لا يهم ماذا بعد الخلاص؟، فالحاضر لا يطاق.
 
 (2)
 في بدايات تلك الفترة الساخنة نظم الزميل محمد عبد القدوس لقاء جماعيا مع الأستاذ محمد حسنين هيكل (صيف 2006) حضره عدد من الكتاب ورؤساء تحرير الصحف، وصدمتني اللغة الهادئة التي تحدث بها الأستاذ هيكل عن مطلب التغيير، فلم تكن هذه اللغة المتأنية مناسبة (في نظري) للمواقف الحماسية لدرجة الهيستيريا التي أحاطت بحركة كفاية وتجمعات الشباب الجديد الذي قدم زخماً مختلفا وغير تقليدي في الشارع السياسي، حينها تذكرت أنني طالما نظرت إلى هيكل باعتباره “مفكر سلطة”، أي أنه لا يفكر مثلنا بمشاعر وانفعالات رجل الشارع، ولا يهتم بتحركات نشطاء الأرصفة والمعتقلات، صحيح أنه لم يكن يعترض على المظاهرات، لكنه يقول عادة بهدوء إنها “طريقة في التعبير”، وليست “طريقا للتغيير”، وعندما تناقشه في ضرورة تغيير النظام، تشعر أنه يريد إصلاحه من الداخل وليس تغييره، ويبدي حرصاً شديداً على فكرة “الدولة” وأعمدتها… لا يتحدث عن أسماء في الغالب، لكنه يتحدث عن مؤسسات، وقيم للاستقرار، ولا يميل إلى المقامرة، مفضلا أن يظل كلاسيكي المظهر والتفكير.
 
 (3)
 في سنوات مبارك الأخيرة، وصل هيكل إلى أعلى درجة يمكن أن يصل إليها في “نقد الحاكم”، وتخلى عن طريقته المفضلة في تقديم النصائح بدلا من توجيه النقد، كما يتبين ذلك من نصوص رسائله الست التي كتبها لمبارك، فقد كانت تعبيرا مثاليا عن أسلوبه المفضل في التعامل مع الحاكم (أي حاكم)، لكن الأستاذ برغم تحركه خطوة نحو النقد السياسي المباشر، لم يتحول إلى معارض أو ثائر ضد النظام، برغم حديثه المعلن عن الحال البائس الذي وصل إليه حكم مبارك، بل كان يتحدث بالتوازي عن ضعف الحلول البديلة المطروحة على الساحة، فيقول مثلاً: “الشارع بلا رؤية.. وبلا إمكانية حقيقية، والنخب تائهة ممزقة، والأحزاب هشة، ولا أحد من القوى المطالبة بالتغيير يمتلك مشروعا للمستقبل”.
 
 (4)
 كيف يكون الحل إذن؟
 سألت هيكل بصياغة براجماتية مقتضبة، فقال: كيف أقدم حلا، وأنا لا أعرف الكثير من المعلومات المتعلقة بإدارة البلد، هل يستطيع أحد خارج السلطة أن يقول لي: ماهي ارتباطات مصر الدولية؟ أو عدد الخبراء أو القوات الأجنبية الموجودة في البلد وتوزيعها؟ كم هي ديوننا؟ ماهو حجم التسهيلات والاتفاقيات؟.. احنا بلد عنده أوجاع أكبر من أن يقدم لها الخبراء حلولا، نحن لا نحتاج حلولا نمطية جاهزة، ولا دستور يضعه خبراء، كل هذا يجب أن يصنعه الشعب، لهذا فإن البلد يحتاج لعقد اجتماعي وسياسي جديد، ومسار ديموقراطي، وضمانات تحدد ما نريده.
 
 (5)
 هل من خطوات عملية؟
 سألت، فاستطرد الأستاذ: المشكلة الحقيقية أننا لم نعد نعرف من نحن؟، ولا ماذا نريد؟ ولا نعرف حقيقة ما يحدث في هذا البلد، المشكلة ليست أن هذا يمشي وهذا يأتي.. كل هذا كلام فات وقته، نحن نحتاج إلي إعادة توصيف أحوالنا، لابد من مشروع قومي لإعادة ترتيب الأوضاع الموجودة، وإعادة صياغة عقد اجتماعي، لابد الناس تقعد من جديد لتحديد حقوق المواطنة، لابد أن نعرف إحنا مين؟، وعايزين نتكلم في إيه؟.. لابد من جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب تسمح للناس تتكلم وتناقش، وتفتح المجال لقوى وطنية تعبر عن أحوالها ومطالبها وتصوراتها للمستقبل.
 
 (6)
 لم يعجبني كلام الأستاذ الهادئ، فسألته عن موقفه من التوريث فقال بالهدوء نفسه: رفض التوريث لا يكفي.. لابد من مشروع للتغيير الشامل، جزء منه طبعا وقف مخطط السلطة في التوريث، خاصة وأن تمريره مسألة صعبة جدا؛ لأن هناك رفض شعبي يمكن أن يؤدي إلى كارثة، لكن الأزمة الكبرى في نظري أن النخبة لا تملك مشروعا محددا للمستقبل.
 
 (7)
 نشرت اللقاء تحت عنوان استفزازي كبير: “هيكل خائف من الشارع”، لكنني بعد 25 يناير، وانتكاستها، ثم 30 يونيو، وانتكاستها، راجعت كلمات هيكل الهادئة، وشعرت بأن الهدوء والعقل، هو الذي يعطي للسخونة والحماس السياسي قيمة، وأن أي مشروع للتغيير يجب أن يتضمن تصورا واضحا للمستقبل إلى جوار اهتمامه بالتغيير وإطاحة القديم الفاسد، وأظن أن مطالب مثل الاتفاق على “العقد الاجتماعي” وتوسيع الجبهة الوطنية، وتأسيس جمعية وطنية منتخبة لقيادة الجبهة الوطنية، كلها أهداف ضرورية وملحة لتجاوز المأزق الذي غرقت فيه مصر، فهل آن الأوان للتحرك من أجل ثورة شعبية جامعة عاقلة، تنطلق من عقد اجتماعي تتفق عليه كل الأطياف والأطراف؟
 السؤال لنا.. للشارع المحبط، وللنخب التائهة..
 والإجابة أيضا لنا، وللحديث بقية
 
 جمال الجمل
 tamahi@hotmail.com

Like what you read? Give عربي21 a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.