ذكرى "هيكل".. سؤال عن "مصر الضائعة"

جمال الجمل يكتب لـ عربي21: ذكرى “هيكل”.. سؤال عن “مصر الضائعة”

(1)
 مرت ذكرى ميلاد محمد حسنين هيكل في صمت يشبه النكران، فالأستاذ الذي كانت الصحف والفضائيات تبالغ في تمجيده حياً، طواه النسيان سريعا، ولا أعرف إن كان هذا التجاهل نسياناً بريئاً، أم جحوداً متعمدا، أم انصرافا إلى مشاغل اللحظة التي تدوس على ذاكرة الشعوب وهي تتدافع مذعورة، للهروب من الواقع الصعب إلى ملجأ مجهول لا تعرف مكانه ولا قدراته؟!
 
 (2)
 في هذه اللحظة البائسة التي يتحول فيها الحنين إلى مهاجر منبوذ، استعدت كثيرا من الحوارات المتأخرة بيني وبين الأستاذ هيكل، وتذكرت في القلب منها سؤالي المستغيث له: ماذا ينقص مصر يا أستاذ، لكي تنهض من كبوتها الطويلة؟
 كان هيكل في ذلك اليوم مهموماً، يميل إلى الصمت على غير عادته، زاهدا في الكلام مثل حكيم شرقي عجوز، فأجابني بكلمة واحدة: الرؤية.
 
 امتدت الجلسة في استكشاف عميق للوجع الوطني والذاتي، بكى قلبي عدة مرات، وأنا أشعر أن المستقبل بعيد رغم قربه، فهو على بعد خطوات، لكنه خلف غلالة شفافة وسميكة، كلما تصورت أنك ستكمشه بأصابعك إذا مددت يدك، تصدم روحك بجدار عنيد، وترتمي في البركة الآسنة وأنت تواصل الصراخ والألم، فنستسلم من جديد لأوهامنا اللذيذة، فالوهم كما يقول أمبرتو إيكو، أكثر عذوبة وألفة من الحياة ووقائعها، لذلك استسهلنا التعامل معها باعتبارها حالة وهمية بالأساس.
 
 
 (3)
 في طريق عودتي من قرية “الرواد: بالساحل الشمالي، حيث تركت الأستاذ قعيد الكرسي، واليأس حبيس في مقلتيه، شعرت أن معاناة هيكل لم تكن نابعة من كسر ساقه، بل من انكسار الوطن الذي يبدو علاجه بعيدا بعيدا.. حينها تذكرت سؤال محمود درويش الأكثر مرارة:
 «أما مازال من حقنا أن نصدق أحلامنا؟»
 وأخذت أردده بتصرف يلائم وجعنا العام:
 
 «أما مازال من حقنا أن نصدق أحلامنا، ونكذب هذا الوطن المنكوب بحكامه؟»، فالوطن يغيب في أيامنا، فسنتحضره في أحلامنا، يطاردنا في المنام، حتى نصحو على كوابيس المرحلة الداعرة، نواصل الاستماع إلى معزوفة «الهجايص»، ونشاهد ترنح الخصيان والغواني على لحم الطرقات نحو القصر المضىء بنور العيون.
 نخاف، نجوع، ننزف حزنا، ونبكي كي نعود إلى أحلامنا
 
 (4)
 تطفوا على سطح الذاكرة ابيات درويش العنيدة لتسحث بداخلي روح المقاومة:
 نحن ما زلنا هنا/ ولنا أحلامنا الكبرى.. كأنْ نستدرج الذئب إلى العزف على الجيتار في حفلة رقص سنويّة.
 
 ولنا أحلامنا الصغرى.. كأنْ نصحو من النوم معافين من الخيبة.
 لم نحلم بأشياء عصيّة/ نحن أحياء وباقون/ وللحلم بقيّةْ.
 
 (5)
 ذهبنا إلى جنة الفقراء الفقيرة/ نفتح نافذة في الحَجَر/
 لقد حاصرتنا القبائل، يا صاحبي/ ورمتنا المحن/ ولكننا لم نقايض رغيف العدو بخبز الشجر
 
 (6)
 وما زال في الدَّرْب دربٌ لِنَمشي ونمشي/ إلَى أين تأخُذُني الأسئلة؟
 أَنا مِنْ هُنَا/ وأَنا مِنْ هُناكَ/ وَلَسْتُ هُنَاكَ ولْستُ هُنَا.
 
 (7)
 نحن نتاج هذا الواقع، وهذا الزمن الذي تختلط فيه الانهيارات الواضحة بالولادات الغامضة، ولا نتوب عن أحلامنا مهما تكرر انكسارها.
 
 (8)
 تعلَّمتُ كل كَلامٍ يليق بِمُفردةِ الدّم كي أَكْسرَ القاعِدة/
 تعلَّمتُ كُلَّ الكلامِ وفَككتهُ كَي أُركِّبَ مفردةً واحدة/
 هي: الوطن
 
 «هل كان في وِسعنا أَن نحِب أَقل لِنفرح أكثر؟
 هل كان في وسعنا أَن نحِب أَقل.. أقل؟»
 كم أنت بعيد يا وطني.. كم أنت بعيد أيها الأمل
 «ولَكننا سَوف نحيا، لأنَ الحياةَ حياة»

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.