المقاطعة في أوروبا: نمو التجربة وتحدياتها

حسام شاكر يكتب لـ عربي21: المقاطعة في أوروبا: نمو التجربة وتحدياتها

تطورت في البيئات الأوروبية ظاهرة المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات، وهي اختصارا “منع” أو “بي دي إس”، فأخذت تعبر عن ذاتها من خلال تشكيلات وحملات ومبادرات وجهود متنوعة، تسعى للضغط على مصالح الاحتلال الإسرائيلي خاصة الاقتصادية منها، والدفع باتجاه عزله في مجالات شتى.
 
 وقبل أن تتفاعل ظاهرة المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات في البيئات الأوروبية على النحو الذي طرأ بعد عام 2005؛ سبقت مبادرات وحملات وجهود عدة في هذا الحقل، من قبيل نداءات لمقاطعة المنتجات والخدمات الإسرائيلية أو التي تعود لشركات قيل إنها تقدم دعما ما لنظام الاحتلال واقتصاده. وقد تنوعت تلك الدعوات والحملات في مستوياتها واتجاهاتها، فمنها ما ركز على منتجات الاستيطان في الأراضي المحتلة سنة 1967، ومنها ما انصب على المنتجات والخدمات الإسرائيلية ككل، واختص بعضها بنشاطات ومنتجات ذات صلة بجيش الاحتلال، كما اتسعت بعض الجهود والمحاولات فنادت بمقاطعة منتجات وخدمات أوروبية وعالمية لشركات ينسب إليها الضلوع في اقتصاد الاحتلال أو التعامل مع بعض قطاعاته لا سيما الأمني والعسكري منها.
 
 
 
 “منع” .. نمو المفهوم وتطبيقاته
 
 بدءا من عام 2005 طرأ نمو نوعي على المفهوم ومجالاته وتطبيقاته، من فكرة المقاطعة بصفة مجردة، إلى الثلاثية التي تستجمع أيضا السعي لنزع الاستثمارات وفرض العقوبات “منع”، كما وردت في “نداء المقاطعة الفلسطيني” في ذلك العام وغيره. ومع هذا النمو في المفهوم اتسع مجال العمل ونطاق التحرك، فلم يعد الأمر مقتصرا على نداءات تحث على الامتناع عن الشراء، تخاطب عامة الجمهور أوالفئات الفرعية المهتمة بقضية فلسطين؛ بل أصبحت تتوجه إلى مخاطبة أوساط وتجمعات وهياكل مؤسسية في مستويات متعددة، مع توسيع نطاق المخاطبة الجماهيرية الرامية لتكييف السلوك الاستهلاكي بما يتماشى مع المسؤولية الأخلاقية نحو حالة احتلال جائر وبما ينمي الوعي المدني بعدالة قضية الشعب الفلسطيني. وقد نشأت في غضون ذلك أطر ومجموعات عمل مختصة بالمقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات، بعد أن كانت المساعي والجهود ذات الصلة تأتي غالبا ضمن الاهتمامات العامة المتعددة للمؤسسات والتجمعات. كما تنامى الاتجاه لوضع توجهات المقاطعة على سكة اهتمامات مؤسسات المجتمع ككل كل في مجالها.
 
 وليس من شك في أن جهود المقاطعة في المجتمعات الأوروبية أخذت تستلهم في تطورها تجارب عدة، لا سيما منها تجربة الضغط على نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا، وهو تطور يتماشى مع نمو تجارب المجتمع المدني وظهور حركات وتشكيلات تعتمد وسائل عمل ضاغطة، كما يباشر بعضها التشبيك المتجاوز للمكان وهو منحى متزايد في الجهود والتحركات الموجهة لمقاطعة الاحتلال ونزع الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه.
 
 والواقع أن مساعي المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات، تأتي ضمن تعبيرات “ظاهرة ما بعد التضامن”، التي تقوم على تبني قضية فلسطين والعمل لأجلها بمبادرة ذاتية بما يتجاوز التعاطف التقليدي أو المساندة عن بُعد.
 
 وبدءا من عام 2005 أخذت تجارب المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات بالتطوّر والتمدد في أوروبا بشكل متضافر في العالمين الواقعي والافتراضي، معتمدة في تحركاتها على آليات التشبيك المدني والتواصل القواعد الجماهيرية في المدن والبلدات، كما تفاعلت في قطاعات متعددة مثل اتحادات الطلبة والنقابات والجامعات والجمعيات العمومية للجمعيات التعاونية الاستهلاكية والصناديق الاستثمارية والبلديات.
 
 وتمكنت الظاهرة من إحراز نجاحات واعدة، مثلا في سحب استثمارات صناديق تقاعد وتأمين في دول اسكندنافية وهولندا من الجانب الإسرائيلي، وفي مجال المقاطعة الأكاديمية التي تركزت في بريطانيا، ومن خلال قرارات مجالس بلدية في إيرلندا مثلا بمقاطعة نظام الاحتلال، وغير ذلك من الخطوات.
 
 مما ينطوي على أهمية خاصة؛ أن هذه التفاعلات أخذت تنبثق من المجتمع المدني الأوروبي بروح المبادرة وبصفة لا مركزية غالبا، أسوة بالحالة في رقاع متعددة عبر العالم. وبدا أيضا أن ظاهرة المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات تتحول إلى برامج عمل مفتوحة وملهمة يمكن التفاعل معها أو تبنيها أو محاكاتها من جانب المؤسسات والتجمعات والأفراد بمبادرة ذاتية، فسجلت من هذا الوجه توسعا نسبيا في عدد من البيئات الأوروبية رغم محاولات الإعاقة التي تعترضها، بينما لم تنجح في إيجاء موطئ قدم لها في بيئات أوروبية أخرى.
 
 وتعمد المساعي إلى تثبيت مواسم سنوية للتحركات، إذ تتحقق حالة من التفاعل العالمي المتزامن مع ظاهرة “منع” عبر فعاليات “أسبوع الأرباتهيد الإسرائيلي”، التي تقام بصفة متقاربة في النصف الثاني من شباط/ فبراير والنصف الأول من آذار/ مارس من كل عام في عشرات العواصم والمدن حول أوروبا والعالم.
 
 ومع هذا النمو والانتشار الذي أحرزته ظاهرة “منع”؛ تعالت تعبيرات القلق الجارف لدى الجانب الإسرائيلي الرسمي منها، وأعلنت حكومة الاحتلال في محطات عدة أنها عازمة على كبحها وملاحقتها، متحدثة عن استراتيجيات وخطط وضعتها لهذا الغرض وتحركات ضاغطة باشرتها في هذا الشأن. وقد اتضحت بعض الانعكاسات المترتبة على هذه التوجهات الإسرائيلية عبر قرارات وإجراءات وحملات مضادة متعددة شهدتها دول أوروبية، بينما أخذت الأوساط الإسرائيلية الرسمية — وعلى رأسها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ذاته ـ تتحدث عن “إنجازات” تم إحرازها في تحجيم الظاهرة وهو ما قوبل بمواقف متشككة في درجة مصداقيته أو قدرتها على كبح الظاهرة المتعاظمة ككل.
 
 إشكاليات وتحديات
 
 تواجه مساعي “منع” حزمة من الإشكاليات والصعوبات والتحديات في البيئات الأوروبية، تبدأ مع أسئلة الجدوى والأولوية والتحفظات التي تحاصرها أحيانا.
 
 فقد برزت ظاهرة “منع” بصفة متزايدة، وأحرزت اهتماما وأصداء متعددة سواء عبر جهودها وإنجازاتها أم من خلال التحذيرات والجهود المناوئة لها ومحاولات كبحها وتشويهها على نطاق واسع من جانب نظام الاحتلال ومنظومته الدعائية ومؤيديه. لكن توجهات “منع” ذاتها ظلت في بعض الأوساط المتعاطفة تقليديا مع قضية فلسطين محفوفة بتساؤلات تتعلق بالجدوى والأولوية والكيفيات والمسارات، فهي لا تلقى تأييدا أو حماسة بالقدر ذاته، بل إن بعض الأصوات والقوى والأحزاب التي عرفت بمواقف إيجابية نسبيا من القضية الفلسطينية أعربت عن معارضتها منهجية “منع”.
 
 كما تلقى استراتيجيات “منع” تأييدا جزئيا فقط في بعض أوساط المجتمع المدني الأوروبية يتركز على القبول بمسارات معيّنة ورفضها في مسارات أخرى كالمقاطعة الأكاديمية.
 
 وينبغي في هذا المقام التفريق بين تحفظات تتعلق بالجدوى من توجهات “منع” واستراتيجياتها وتحركاتها، أو كذلك بموقع “منع” في سلم الأولويات بالمقارنة مع خيارات أخرى بديلة، من جانب؛ وتحفظات مبدئية تعارض في الجانب المقابل فكرة المقاطعة وقد ترى فيها “تمييزا” وأسلوبا غير مقبول أو تحشد مبررات لرفضها كالقول مثلا إنها ستمس غير الضالعين في الانتهاكات أوإنها لا تشجع على التوصل إلى تسوية للصراع.
 
 ثمة تحديات من نوع آخر، من قبيل التكيف مع خطاب المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات، والتوافق مع تعبيراته وتبني ثقافة العمل وأنماط الأداء ذات الصلة. فلا شك أن الانخراط في تشكيلات “منع” وحملاتها وتحركاتها يتطلب الانسجام مع خطابها وتعبيراته، الذي هو “خطاب فرعي” أو “اختصاصي” يركز على جوانب محددة من قضية فلسطين بمنطلقات مبدئية وأخلاقية وقيمية، وقد لا يكون ذلك ميسرا للجميع بالقدر ذاته.
 
 كما يمتد التحدي إلى ثقافة العمل التي تقوم عليها ظاهرة “منع”، سواء من جهة كونها منسجمة مع بعض أنماط العمل في المجتمع المدني، أو من خلال المنحى الذي قد تتخذه في بعض البلدان الأوروبية بصفة خاصة. وتترتب على ذلك حاجة لتكيف الأفراد والمجموعات والأطر مع أنماط الأداء التي تنسجم مع استراتيجيات “منع” والتي قد لا تتطابق غالبا مع ما هو سائد في أطر تقليدية مناصرة للحقوق الفلسطينية.
 
 صعوبات في تمدّد ظاهرة “منع”
 
 تواجه ظاهرة “منع” صعوبات في التمدد عبر القارة الأوروبية ككل، فهي من الناحية العملية منحصرة في بلدان محددة، ولم تجد فرصة لتثبيت أقدامها في عدد من البلدان، علاوة على تفاوت في أشكال حضورها ومستواه بين أوروبي وآخر. ويعود ذلك لأسباب عدة، منها التفاوت في منسوب نمو المجتمع المدني وتطوره وخبراته بين البلدان الأوروبية، خاصة بين غرب أوروبا وشرقها، والتباين بين تجارب التضامن، وما بعد التضامن، مع قضية فلسطين وقضايا التحرر وحقوق الإنسان في العالم، ويبدو الصدع في ذلك واضحا بين غرب القارة وشرقها أيضا. 
 
 كما تبرز في هذا الصدد ضغوط ومحاولات تشويه وإعاقة تقوم بها أوساط مؤيدة لنظام الاحتلال أو حتى الدبلوماسية الإسرائيلية مباشرة. لكن ذلك لا ينفصم عن البيئة السياسية والإعلامية في بعض البلدان التي تكاد تنغلق على رواية أحادية متحيزة بشكل جارف لمقولات دعاية الاحتلال، ويبدو ذلك في بعض الدول الاشتراكية السابقة على نحو خاص؛ ومنها المجر وتشيكيا وبولندا مثلا.
 
 لا تغيب أيضا خصوصيات معيقة في بعض البلدان الأوروبية، تحت وطأة الماضي النازي والذي تتخذ منه الأصوات المناوئة لظاهرة “منع” ركيزة لذرائع تسعى لمواجهة الظاهرة ومناوأتها كما يجري في ألمانيا والنمسا مثلا. وقد دأبت الذرائع المناوئة على تشبيه دعاوى المقاطعة بشعارات اشتهرت في العهد النازي لمقاطعة الإثنية اليهودية المحلية مثل “لا تشتروا من عند اليهود” واستدعاء ذلك بشكل تعسفي لتشويه دعاوى “منع” والتحريض ضدها.
 
 ثمة صعوبات أخرى تتعلق بموارد المعلومات وفرص التحقق، فضمن مساعي التعبئة والتوعية العامة تتوجه ظاهرة “منع” لملاحقة المنتجات والخدمات والتعاقدات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يتطلب ارتكازا إلى موارد معلومات فعالة ودقيقة. لكن واقع العولمة الاقتصادية والشركات متعددة الجنسية وتداخل الاستثمارات والمساهمات في الشركات وأدوار الوسطاء، ساهمت جميعا في تراجع القدرة على تتبع المنشأ، علاوة على تكيف القطاعات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالاحتلال مع الواقع باتخاذ تدابير لطمس المنشأ الأصلي بما في ذلك عبر عمليات إعادة التصدير واستحداث شركات وسيطة وإجراءات تبييض منتجات الاحتلال من خلال جهة ثالثة وغير ذلك.
 
 من شأن هذه الملابسات أن تشكل مصاعب عملية في وجه ظاهرة “منع” خاصة وأنها تتفاعل أساساً في مستويات محلية ومن خلال ناشطين ومتطوعين وتشكيلات متعددة تفتقر إلى مراكز متخصصة. وما يفاقم الصعوبات هي حالة تعميم قوائم غير مدققة وبعضها مبالغ بها، أو ربما تكون مضللة للجمهور لتبديد جهود المقاطعة على وفرة واسعة من العلامات التجارية مثلاً التي لم يقع التحقق من ارتباطها باقتصاد الاحتلال.
 
 معضلة الموقف الرسمي الفلسطيني
 
 من المفترض أن تلقى دعوات مقاطعة نظام الاحتلال الإسرائيلي تأييداً من الرسمية الفلسطينية التي تتبنّى توجّهات الاستقلال، لكنّ واقع التطبيع القائم بين السلطة الفلسطينية ونظام الاحتلال في مجالات عدة لا تستثني أجهزته الأمنية، يمثِّل معضلةجسيمة في هذا الشأن، علاوة على الافتقار إلى تشجيع ظاهرة “منع” من مسؤولي السلطة ومؤسساتها.
 
 فعلى العكس من الموقف الشعبي الفلسطيني وجهود مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والأطر والتشكيلات الشعبية؛ يبدو واضحاً أنّ مساعي المقاطعة ونزع الاستثمارات وفرض العقوبات لا تلقى تشجيعاً ملموساً من الجانب الفلسطيني الرسمي، بما في ذلك السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا. ويسود الامتعاض في أوساط بعض الناشطين في هذا المجال من مواقف منسوبة إلى السلطة الفلسطينية ورئاستها، تتضمن تحفظات على توجّه المقاطعة ذاته.
 
 وقد بلغ الأمر مثلاً أن يتسبّب الموقف الرسمي الفلسطيني، من خلال الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بتعطيل أكبر موجة تحركات أوروبية وعالمية في نهاية أيار/ مايو 2015 لتعليق عضوية اتحاد كرة القدم الإسرائيلي في الاتحاد الدولي “فيفا”، وهو ما أحبط حملات متضافرة وغير مسبوقة في حجمها.
 
 لا ريب في أنّ هذه الشكاوى والملابسات تمنح انطباعاً متزايداً بقصور الموقف الرسمي الفلسطيني الذي لم يشجِّع على تطوير توجهات “منع” عموماً رغم إعلان مسؤولين فلسطينيين بدءاً من عام 2007 عن تبنِّي “المقاومة الشعبية” خياراً أو التوجّه إلى دعمها، وقد بدا أنّ الإرادة السياسية لذلك غائبة أو واقعة تحت وطأة الردود الإسرائيلية العقابية التي قد تترتب على ذلك. ومن شأن هذه التحفظات على أي حال أن تشكِّل كابحاً لتمدّد جهود المقاطعة ونزع الاستمارات وفرض العقوبات، علاوة على تأثيرات ذلك المعنوية السلبية على ظاهرة “منع” التي تدخل في هذه المرحلة طوراً جديداً من التمدد الذي تكتنفه التحديات.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.