ودعاية "عرب إسرائيل"

حسام شاكر يكتب لـ عربي21: ودعاية “عرب إسرائيل”

مرة أخرى تزجّ السلطات الإسرائيلية بزعيم فلسطيني آخر في السجن. إنه الشيخ رائد صلاح، ذو الابتسامة المشبّعة بالتحدي، وسيرته الذاتية تكشف عن سمات يمكن العثور على مثلها في تجارب زعماء تحرّر عرفهم العالم من خلال نضال مدني غير عنيف يكون ثمنه السجن المتكرر وربما الاغتيال.

الشيخ رائد صلاح الذي يقترب بهدوء من الستين ويعيش حياة زاهدة، هو ضمن أبرز زعماء الشعب الفلسطيني اليوم، ويحظى بمساندة في أوساط القيادات الدينية المسلمة والمسيحية أيضاً لجهوده في الدفاع عن المقدسات والمساجد والكنائس والأديرة والمعالم التاريخية، التي تهددها سلطات الاحتلال ومنظمات إسرائيلية متطرفة.

والفريد في تجربته أنها ارتبطت بالقدس بشكل وثيق، رغم أنه انطلق من صميم الوجود الفلسطيني الذي أطلقت عليه الدعاية الإسرائيلية “عرب إسرائيل”، فهو زعيم فلسطيني مفروض عليه حمل الجنسية الإسرائيلية.

تصوّر القادة الإسرائيليون من حول بن غوريون الذين كانوا يحتفلون بنشوة انتصار عسكري سنة 1948 أنهم أنجزوا مهمة التطهير العرقي، التي رصدتها تفاصيلها وثائق ودراسات متعاقبة نشرها مؤرخون إسرائيليون في العقود الأخيرة.

بدت المهمة سهلة مع الباقين، وهم قرابة 100 ألف فلسطيني تمكنوا من البقاء بعد النكبة في الأراضي التي تم احتلالها سنة 1948. فُرض عليهم أن يكونوا إسرائيليين في الوثائق، وبدا من اليسير هضمهم في المعدة الإسرائيلية مع استعمالهم في دعاية “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

لم تكن الديموغرافيا هي وحدها التي تطوّرت منذ ذلك الحين على نحو مذهل، لتقفز من 100 ألف إلى نحو مليون ونصف المليون اليوم، فقد تعاظم أيضاً الشعور بالهوية الجمعية الفلسطينية وخبرة التحدي والمقاومة الثقافية والنشاط الجماهيري والمدني الفاعل أيضاً.

يتذمر “عرب إسرائيل” من هذا الوصف الذي يُلحقهم بدولة نشأت على أنقاض وطنهم، وهم يطلقون على أنفسهم مصطلحات أوضح في التعبير عن الهوية، مثل “فلسطينيي الداخل” أو “فلسطينيي 48”، وهذا التاريخ تحديداً يشير إلى أنّ النكبة هي الحدث المؤسس لوعيهم الجمعي.

ما أرادته الدعاية الإسرائيلية أن يقف هؤلاء في أيار/مايو من كل سنة لتمجيد “الاستقلال” الذي سحق شعبهم وشرّد أهلهم في المنافي التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة عند أطراف البلاد، لكنّ هذه المناسبة تحوّلت مع الوقت إلى ذكرى سنوية مؤرِّقة لنظام الاحتلال عبر مسيرات يرفع فيها “فلسطينيو 48” أسماء القرى المهجرة ومفاتيح البيوت والأعلام الفلسطينية. فـالنكبة جرت داخلياً أيضاً، عبر تهجير سكان من مدن وبلدات إلى أخرى تقع ضمن النطاق المشمول بالاحتلال العسكري الإسرائيلي سنة 1948، مع منعهم من العودة بعد ذلك رغم أنهم واقعون ضمن احتلال واحد/دولة واحدة.

وقد أعلن “فلسطينيو 48” تمسكهم بالأرض في مسيرة حاشدة سنة 1976، فكافأتهم القوات الإسرائيلية بحفلة قتل في صفوف المتظاهرين. ومن يومها تحوّل “يوم الأرض” إلى مناسبة سنوية للتحدي في الثلاثين من آذار/ مارس.

عملت السلطات الإسرائيلية كل ما في وسعها لمنع نهوض تشكيلات متماسكة وفاعلة في أوساط “فلسطينيي48” الذين يقعون ضمن حكمها المباشر، رغم أنهم حسب القانون “إسرائيليون”. وهكذا تم استهداف الحركات المحلية التي نشأت في أوساطهم بعد النكبة بأساليب الحظر والملاحقة والتضييق. وفي سبيل ذلك جرى حظر كثير من المؤسسات والجمعيات ومطاردة القيادات الشعبية والإخراج عن القانون، وهناك ما يكفي من الذرائع لتبرير كل خطوة من هذه.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 تمت أوسع موجة من الحظر، شملت تحديداً “الحركة الإسلامية” وهي كبرى الحركات الشعبية وأكثر تنظيمها، وعدداً المؤسسات والجمعيات والمراكز المتخصصة والمبادرات الجماهيرية، وهذا بضربة واحدة. عكَس هذا التوسّع في “الإخراج عن القانون” اتجاهات التفكير في حكومة اليمين الاستيطاني المتطرف التي تُسرف في استعمال “القانون” في خدمة أولوياتها.

وعبر التضييق على مؤسسات المجتمع المدني وملاحقة القيادات الشعبية وزعماء المجتمع الفلسطيني المحلي تعمل السلطات الإسرائيلية بلا هوادة على سحق أي فرصة لنضوج قيادة فعالة لمن كانت التغطيات الإعلامية تطلق عليهم “عرب إسرائيل”. إذ ينبغي عليهم التصرف بالطريقة التي تُظهرهم بها مشاهد الدعاية الإسرائيلية: مبتسمين ويشعرون بالرضى الغامر لأنهم “مواطنو دولة إسرائيل”.

يبدو أنّ اللعبة انتهت منذ مدة. أدرك الممسكون بزمام النظام الإسرائيلي أنّ مشروع “الأسرَلة” هذا لم ينجح، بل “الفلسطنة”، أي إنعاش الوعي بالهوية الفلسطينية، هي ما فرضت نفسها في نهاية المطاف، بما يعنيه ذلك من انخراط في فعاليات جماهيرية وأحداث كبرى، حتى في التجمعات البدوية الجنوبية التي يتعالى فيها الرفض للخدمة في الجيش ويسارع الشبان فيها إلى إعلان الغضب على السلطات بأشكال متعددة، كما جرى في بداية صيف 2014 عندما اندلعت انتفاضة شبابية في مناطقهم على طريقة شبان الضفة الغربية تماماً.

وفي سنة 2000 كان أوائل الشبان الذين فتك بهم رصاص قوات الاحتلال في “انتفاضة الأقصى” هم من فلسطينيي المناطق التي وقع احتلالها سنة 1948. تنبّأ شعراء “فلسطينيي 48” المرموقون بتنامي الهوية والتحدي، ومنهم رئيس بلدية الناصرة الراحل توفيق زيّاد صاحب القصائد الملتهبة التي أعلن فيها “هنا باقون”.

شهد صيف 2017 تطوراً مهماً في هذا الاتجاه. فقد اتخذت حكومة بنيامين نتنياهو قرارات متعجرفة في القدس، وباشرت إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه وحظرت رفع الأذان منه وفرضت إجراءات سيادية عليه مثل البوابات الإلكترونية وأنظمة المراقبة بالكاميرات.

اندلعت فوراً حركة رفض شعبية عارمة في القدس، احتشد فيها أهالي المدينة وجموع غفيرة من الفلسطينيين المحسوبين في الرواية الإسرائيلية أنهم “عرب إسرائيل”. ففي السنوات التي باشرت فيها سلطات الاحتلال عزل الضفة الغربية عن القدس بالجدران والحواجز وتعليمات منع الدخول، تطورت علاقة حيوية بين “فلسطينيي 48” ومدينة القدس، وكان للشيخ رائد صلاح دور فعال في تشجيع هذا.

هكذا يمكن فهم توقيت قرار الاعتقال الجديد بحق الزعيم الفلسطيني صلاح. فالقرار يحمل نزعة انتقامية من الوجود الفلسطيني الذي تعجز معدة نظام الاحتلال عن هضمه وأثبت حضوره في تطوّرات القدس الأخيرة التي نجحت في كسر قرار حكومة نتنياهو.

كما يأتي الاعتقال ضمن موجة الحظر والتجريم التي وقعت سنة 2015. ما يلفت الانتباه أنّ النظام الإسرائيلي “سمح” لمؤسسات المجتمع المدني الخاصة بفلسطينيي 48 بأن تعمل فوق الأرض بدل العمل تحتها. لكنه شعر لاحقاً بخطر تعاظم الهوية الفلسطينية عبر المؤسسات الشعبية والثقافية والإعلامية والحقوقية والتخصصية من اتجاهات متعددة، فباشر سحقها بقوة القانون.

على الجانب الآخر من المشهد كان قرار المشاركة في البرلمان الإسرائيلي محط خلاف في الرأي في أوساط “فلسطينيي 48”، بين من رفضوه مبدئياً لأنه سيمنح النظام الإسرائيلي قناعاً ديمقراطياً تعددياً يُخفي الواقع المكرّس لـ”دولة اليهود” بتعبير تيودور هرتزل، ومن رأوه فرصة للتحدي وإسماع الصوت وإن اعترف الجميع بالعجز عن تحقيق مكتسبات عملية من ذلك. وهكذا شغل نواب عرب ما يصل إلى اثني عشر مقعداً في الكنيست عبر مزيد من التنسيق بين قوائمهم، فأخذ الكنيست يتصرف على نحو متشنج بنكهة عنصرية، بعد أن استشعر حراك الهوية الفلسطينية.

ليس بوسع المنطق الإسرائيلي الاعتراف بالهوية الفلسطينية في الأساس، لأنه مشبّع بأيديولوجيا التأسيس الصهيونية التي هي مزيج من خطابات الحركات القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر وثقافة الاستعلاء الاستعماري التي لا ترى الشعوب الأصلية أساساً. ولهذا حشد المشرعون الإسرائيليون قواهم لمطاردة الكلمات ذات الإيحاء، مثل “نكبة”، وسعوا جاهدين لمنع إحياء ذكراها الصادمة في الوعي الجمعي الفلسطيني. كما انهمكوا في سن تشريعات لفرض طقوس الولاء القسري للدولة “اليهودية” والنهوض بخشوع للنشيد الإسرائيلي الذي تم اقتباس لحنه من أغان شعبية أوروبية.

تسارعت مشروعات القوانين المعروضة على الكنيست في السنوات الأخيرة الرامية إلى تشديد القهر الرمزي بحق “فلسطينيي 48”، منها ما يتعلق بتضييق استخدام اللغة العربية، كما في لافتات الطرق، ومنع رفع الأذان من المساجد التي أقيم بعضها قبل أن يُوْلد الآباء المؤسسون للصهيونية. وتمت مطاردات وحملات تشهير بحق النواب العرب القلائل في الكنيست، مع التهديد برفع الحصانة عنهم ومحاكمتهم على تصريحات ومواقف. وهكذا تبدو “الديمقراطية الإسرائيلية” وفيّة لجمهورها اليهودي فقط؛ شرط أن يكون من مؤيدي الاحتلال. فمن ضحايا هذه “الديمقراطية” منظمات المجتمع المدني اليهودية ذاتها التي تدافع عن حقوق الإنسان وترصد الانتهاكات الجسيمة التي تقترفها قوات الجيش مثلاً.

إنها ليست دولة كل اليهود في الواقع، فثمة قرارات وحملات تحريض ضارية تم تكريسها لقمع المنظمات الإسرائيلية المستقلة، مع محاولة خنقها عبر منعها من تلقي تمويل من صناديق الاتحاد الأوروبي.

فالمنظمة الإسرائيلية “الجيدة” يجدر بها أن تغترف من التبرعات الخارجية بلا حدّ إن كانت تمنح أولوياتها لتجنيد الشبان الأجانب في جيش الاحتلال، أو لدعم الاستيطان في الضفة الغربية، أو للسيطرة على المنازل العربية في القدس، أو لتكثيف دعاية الهوس والتعصّب التي تنادي بتدمير المسجد الأقصى وإقامة هيكل بمواصفات محددة على أنقاضه.

وهكذا يجد مزيد من الإسرائيليين أنفسهم خارج القطار الذي يشهد حفلة الهوس، علاوة على فئات من الشباب الإسرائيلي الذي يبحث عن مستقبله الحرّ في أوروبا، مثل حالة الهجرة المكثفة إلى برلين في السنوات الأخيرة، فهناك لم تعد تنهض جدران رمادية كئيبة كما تفعل سلطات الاحتلال في فلسطين.

رغم الحرص الإسرائيلي على الشكل الديمقراطي فإنّ واقع الممارسة مع الفلسطينيين الذين فُرضت عليهم الصفة الإسرائيلية؛ يشير بوضوح إلى أنه ينبع من عقلية نظام احتلال مكرّس لصالح فئة دون أخرى. سيكتشف من يفحص المشهد أنّ الفلسطينيين غير مرغوب بهم، ولو كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية. التفاصيل وفيرة على طابع التفرقة المؤسسية في النظام. فالسلطات التي فرضت سيطرة عسكرية على هذه الأرض سنة 1948 لا تعترف ببعض قرى “فلسطينيي 48” في صحراء النقب، وبهذا فإنها تباشر هدمها بلا هوادة.

وهكذا باتت مشاهد هدم قرى مثل العراقيب وأم الحيران تقليداً مألوفاً، فالسلطات تهدم والفلسطينيون يعيدون البناء، ثم يتكرر المشهد مرة تلو مرة عبر السنوات، في تعبير آخر عن إرادة التحدي الفلسطينية. إنه الواقع الذي لا ينسجم مع مشاهد العرب البدو الذين تُظهرهم الدعاية الإسرائيلية وهم يقدمون قهوة الترحيب بحفاوة لقادة الحكومة والجيش الذين احتلوا الأرض.

يتواصل التهجير الداخلي للفلسطينيين من أرضهم بطرق ناعمة وخشنة، بينما تدفع السلطات ذاتها بمستوطنيها الذين يحظون بالدعم إلى الضفة الغربية كي يقيموا بؤراً استيطانية تحت عيون قواتها فوق أراضي المواطنين الفلسطينيين المسلوبة بالقوة.

وبعض هؤلاء المستوطنين يشغلون مقاعد في البرلمان والحكومة أكثر من أي وقت مضى ويباشرون تفصيل القوانين والإجراءات على هواهم. ولدى هؤلاء وغيرهم مشكلة مع ديموغرافيا فلسطينية صاعدة في قلب وطنها الذي يتم تسويقه في العالم تحت علامة “دولة يهودية”. وكان جزءاً من الإستراتيجية المعتمدة تقسيم الشعب الفلسطيني وعزله ضمن فتات جغرافي.

يسخِّر نظام الاحتلال كل إمكاناته ومؤسساته في محاولة تقسيم الشعب الواقع تحت الاحتلال في أرجاء فلسطين التاريخية، وقد وضع لكل قسم من الأرض أنظمة خاصة للتحكم والسيطرة والإخضاع. وتتوزع هذه الأقسام على قطاع غزة، والضفة الغربية التي تنقسم بدورها إلى ثلاث مناطق هي “أ، ب، ج” ولكل منها أنظمة خاصة حسب اتفاقات أوسلو، والقدس الشرقية، والوجود الفلسطيني الذي تسميه الدعاية الإسرائيلية “الجمهور العربي” أو “عرب إسرائيل”، وهم يخضعون أيضاً لبعض الأنظمة حسب تصنيفات غير رسمية لمناطقهم حسب الكثافة الفلسطينية فيها ورمزيتها وخصائصها الجيواستراتيجية.
 
 يطارد النظام الإسرائيلي الشعب الفلسطيني بمجتمعاته المحلية هذه، بينما يطلق أيدي الأحزاب العنصرية والمنظمات الفاشية وعصابات الاستيطان الإسرائيلية التي تحظى بالدعم والرعاية. إنه نظام يمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى أرضهم وديارهم ويمسك بممتلكاتهم بأدوات “القانون”، بينما يخصص امتياز “العودة” لأي شخص يتم اعتباره يهودياً من أي مكان في العالم بموجب “القانون” أيضاً.

لكنّ الأساليب التي تتبعها السلطات الإسرائيلية تبدو برهاناً على انهيار مشروعها في تذويب الوجود الفلسطيني التي تشعر بحراكه في أحشائها. لم يرضخ “فلسطينيو 48” لما يجري معهم من محاولات إخضاع بل طوّروا ثقافة التحدي الذكية الخاصة بهم، وهي حاضرة في لغة الخطاب وفي الآداب والثقافة والفنون والجهود المدنية والتخصصية المتعددة. ومن الواضح أنّ السنوات المقبلة ستضع “فلسطينيي 48” في قلب الحدث أكثر فأكثر.

تقول تجارب الاستعمار والاحتلال السابقة أنّ اعتقال القيادات الشعبية ومطاردة الزعماء المحليين كان مهمة سهلة للغاية بالنسبة لسلطات الاحتلال الاستعماري، لكنّ السجن كان غالباً إيذاناً بهزيمة مشروع السيطرة الشاملة، أو بداية النهاية بالأحرى.

وعندما يشاهد “فلسطينيو 48” رموزهم القيادية يتحدّون السجن ويقفون باسمين وهم يستمعون إلى عرائض الاتهام الهزلية؛ فإنّ الأجيال الجديدة لن يمنعها أحد من رفع سقف التحدي وإعلاء صوتها بأنها “فلسطين، وليست إسرائيل”، ومن المرجح أنّ بعض “الإسرائيليين السابقين” من اليهود الذين اختاروا المغادرة سيعلنون تأييدهم لذلك، وبعضهم يفعلون ذلك الآن في الواقع.

ترجمة خاصة لـ” عربي21" عن “ميدل إيست مونيتور”

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.