الطوارئ واستهداف الكنائس في مصر

حسن أبو هنية يكتب لـ عربي21: الطوارئ واستهداف الكنائس في مصر

لم تكن مصر بحاجة إلى حدث مثير للدخول في أفق الاستبداد والدكتاتورية فمنذ الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013 تسارعت وتيرة الإجراءات السلطوية وتنامت الأحكام الاستثنائية وقد جاءت الهجمات المنسقة على الكنائس لتدفع نحو استكمال المنظومة التوتاليتارية الشمولية ذلك أن الائتلافات السياسية والتفويضات الشعبية لم تكن تدرك أن شعار “مصر تحارب الإرهاب” سوف يصل إلى غاياته النهائية بإعادة إنتاج الدولة العسكرية الأمنية تحت ذريعة حفظ النظام وتأمين الاستقرار ولم يكن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كحركة إرهابية في 25 كانون أول/ ديسمبر 2013 سوى خطوة أولية في مسار محتوم نحو التنكيل بكافة أطياف المجتمع السياسي والمدني.
 
 عقب هجمات الكنائس في 9 نيسان/ إبريل 2017 والتي استهدفت كنيستين بمدينتي طنطا والإسكندرية وأسفرا عن مقتل 45 شخصا وجرح 125 آخرين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ في عموم مصر لمدة ثلاثة أشهر وهو أول تطبيق لها منذ صدور دستور 2014 وقد أقر مجلس النواب فرض الطوارئ بالإجماع بعد ذلك بيومين وهي حالة استثنائية تتيح للرئيس والحكومة اتخاذ إجراءات استثنائية تتضمن إحالة المتهمين لمحاكم أمن الدولة وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة، وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال، ومنح الأمر بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم، وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها، وإغلاق أماكن طباعتها.
 
 لا شك أن الإجراءات الاستثنائية التي يفرضها قانون الطوارئ لن يؤثر على عمليات تنظيم الدولة الإسلامية وفرعه في ولاية سيناء ذلك أن التنظيم لا يعمل في الأطر العلنية ويعتمد السرية وحركة أفراده تخضع لمتطلباته الخاصة ورسائله ووسائله الدعائية لا تعمل وفق الأنظمة القانونية وقد أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن تفجير الكنيستين وتوعد بمزيد من الهجمات عبر وكالة أعماق التابعة له وكشف عن هوية منفذي تفجيري كنيسة مارجرجس في طنطا والكنيسة المرقسية في الإسكندرية وقال التنظيم إن “أبو إسحاق المصري”، فجّر سترته الناسفة في كنيسة مارجرجس بطنطا، فيما فجر “أبو البراء المصري” سترته الناسفة في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية وقال التنظيم في بيانه إن حصيلة التفجيرين بلغت نحو 50 قتيلا، و140 جريحا، واعتبرهم جميعا من “الصليبيين المحاربين”.
 
 هكذا فإن فرض حالة الطوارئ تطال بصورة رئيسية ما تبقى من قوى سياسية ومدنية ساندت على مدى سنوات الانقلاب العسكري الذي ضاق ذرعا ببعض الانتقادات والتساؤلات التي تجرأت على التشكيك في الرواية الرسمية وبدت غير واثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها ورواياتها فعلى الرغم من إعلان الداخلية المصرية عن هوية منفذي الهجمات وهما ممدوح أمين محمد بغدادي الذي نفذ تفجير كنيسة مار جرجس بطنطا في دلتا مصر ومحمود حسن مبارك عبد الله منفذ تفجير الكنيسة المرقسية في الإسكندرية إلا أن الشكوك لم تنقطع وبدا أن الثقة بأجهزة الدولة الإيديولوجية والقمعية تعاني من حالة التآكل وضعف المصداقية.
 
 في حقيقة الأمر ثمة فجوة من عدم الثقة تتنامى بسرعة كبيرة بين المجتمع والدولة في مصر ذلك أن بعض قطاعات المجتمع المصري التي وضعت ثقتها في قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار بإدارة المرحلة الانتقالية وانجاز التحولات الديمقراطية وترسيخ التعددية السياسية وتحقيق التنمية الاقتصادية فضلا عن قمع “التمرد” و”الإرهاب” المحتمل وتنازلت عن مساءلة السلطة العسكرية وتغاضت عن مفهوم الشرعية بدت غير قادرة على فهم التحديات الأمنية وتكاثر العمليات الإرهابوية.
 
 لقد تنامت العمليات الإرهابوية في مصر في سياق تنامي السلطوية ودخولها حيز التوتاليتارية إذ لم يعد النظام يكترث بمتطلبات الشرعية الداخلية فقد أصبح يتوافر على شرعية دولية فزيارة الرئيس السيسي للولايات المتحدة وما تلقاه من مدح ودعم إدارة ترامب وحضوره القمة العربية وعودة العلاقة مع السعودية أطلقت العنان وجلبت الاطمئنان للنظام بمحاسبة الإعلام ومساءلة الأزهر لكن ذلك كان كافيا في المقابل لانبعاث الجهادية المصرية مع تشكل حاضنة اجتماعية لا تؤمن بالضرورة بإمكانية نجاح مشروع تنظيم “الدولة الإسلامية” لكنها تؤمن بفشل مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية بصيغتها القمعية العسكرية.
 
 تلخص سيرة تنظيم الدولة الإسلامية وتطوراته في مصر مسارات فشل التحولات السياسية وبناء الديمقراطية والتعددية فقد ظهر التنظيم بداية باسم جماعة “أنصار بيت المقدس” في 5 شباط/فبراير 2011 بأهداف محددة تقتصر على أولوية مهاجمة إسرائيل وقد تحولت إيديولوجية الجماعة تدريجيا عقب الانقلاب العسكري إلى أولوية استهداف الجيش المصري وأجهزة الأمن ومع تصاعد الحملة العسكرية على مواقع التنظيم في سيناء أعلنت عن تأسيس “ولاية سيناء” والانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية في 14 تشرين ثاني/ نوفمبر 2014 حيث تبنت إيديولوجية تستند إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل من تطلق عليهم “المرتدين” و”الصليبيين”.
 
 رغم إيديولوجية تنظيم الدولة المتطرفة وتكتيكاته العسكرية العنيفة إلا أنه تطور بصورة لافتة حيث تمكن من توسيع مجال الاستقطاب والتجنيد في مصر وعمل على مد نطاق عملياته حيث استثمر البيئة السياسية والاقتصادية لجلب الأعضاء كما استثمر التكتيكات العنيفة للجيش المصري في سيناء لخلق حواضن شعبية متعاطفة فالحملات العسكرية الفجة للنظام في سيناء ولدت انطباعات تشكك في أهداف العمليات الحقيقية التي خالفت أبجديات “مكافحة التمرد” التي تستند إلى كسب العقول والقلوب وخلق مناخات سياسية واقتصادية طاردة للتنظيم بل وبدا أن الجيش يخوض حربا كلاسيكية مع دولة معادية ففي إطار حملة الجيش النظامي على سيناء التي بدأت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2014 جرى تهجير أكثر من 1165 أسرة قسريا وتم تدمير أكثر من 800 منزل في المناطق المجاورة لقطاع غزة. إن التعامل مع أهل سيناء كإرهابيين مفترضين وأعداء محتملين خلق حالة من الاستياء والغضب ووفر مناخات مثالية لتنامي نفوذ ولاية سيناء كما أن اعتماد تكتيكات الأرض المحروقة من خلال استخدام الأسلحة المدفعية الثقيلة وسلاح الجو أدى إلى كوارث حقيقية وأجج مشاعر العداء للحكومة وقد بلغت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون في سيناء بهذه الطرق وغيرها 1234 من أصل 1384 عملية في مختلف أنحاء مصر حسب مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب.
 
 أحد المسائل الإشكالية في موضوعة “حرب الإرهاب” في مصر هي غياب المصداقية والشفافية فرغم أن السلطات المصرية أشارت في مرات عديدة أن تنظيم ولاية سيناء يتكون من بضعة مئات وهو رقم يتطابق مع تقديرات إستخبارية أمريكية إلا أنها أعلنت عن مقتل الآلاف من الإرهابيين، ففي سياق التفاخر بإنجازات الجيش بعد الإعلان عن انطلاق “عملية حق الشهيد” في أيلول/سبتمبر 2015 أشار الجيش المصري بعد مرور عام إلى أنه تمكن من قتل 2529 والقبض على 2481 آخرين.
 
 لم تكن عملية استهداف الكنيستين في طنطا والإسكندرية عملية منعزلة فقد بعث تنظيم الدولة الإسلامية برسالة واضحة باستهداف الكنائس خصوصا والأقباط عموما حيث أراد التنظيم خلق حالة من الشك في قدرة النظام على حماية الأقليات التي طالما شدد على قدرته على دحر الإرهاب وجلب الاستقرار وتحدث عن القضاء على ولاية سيناء ففي سياق توسيع دائرة الاستهداف وضع التنظيم الأقباط في خانة “الصليبيين” وعلى الرغم من الثيمة الدينية إلا أن تنظيم الدولة كان واضحا في معاقبة الأقباط بسبب موقف غالبيتهم المؤيدة للسيسي ففي 15 شباط/ فبراير 2015 نشر تنظيم الدولة الإسلامية فيديو يُظهر ذبح 21 عاملًا قبطيًّا مصريًّا اختُطفوا قبل ذلك ببضعة أشهر في مدينة سرت الليبية. 
 
 وفي سياق إظهار عجز نظام السيسي عن حماية الأقباط وعدم سيطرة الجيش على سيناء نفذ تنظيم ولاية سيناء حملة ترويع ضد الأقباط في مدينة العريش بسيناء بين كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2017 حيث قتل سبعة أفراد الأمر الذي دفع عدد كبير من العائلات المسيحية نحو مئة عائلة إلى الفرار وأثار غضبًا شديدًا في الأوساط القبطية وخلق شكوكا حول قدرة الأمن والجيش على الوقوف في وجه تنظيم الدولة في سيناء.
 
 يمكن فهم حالة الاستياء والغضب لدى الأقباط خصوصا والشعب المصري عموما عقب تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية نظرا لوضوح رسالة تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان قد استهدف الكنيسة البطرسية في 11 ديسمبر/كانون الأول 2016 والتي تتمتع بحماية كبيرة في حي العباسية في القاهرة حيث أسفر الهجوم الانتحاري عن مقتل 25 فردا في الكنيسة وكانت الصدمة أكثر خطرا عندما أعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم باسم “الدولة الإسلامية في مصر” بدلا من ولاية سيناء الأمر الذي بدا رسالة واضحة تكشف عن تمدد التنظيم في عموم مصر عبر شبكات وخلايا.
 
 تهديدات تنظيم الدولة لم تكن مفاجئة باستهداف الأقباط فقد تتالت رسائله التهديدية وقد أصدر تنظيم “الدولة الإسلامية ــ مصر” شريطا في 19 شباط/ فبراير 2017 توعد بتنفيذ عمليات ضد الأقباط في مصر خلال الفترة المقبلة ختمها بالقول: “أيها الصليبيون في مصر إن هذه العملية (البطرسية) التي ضربتكم في معبدكم لهي الأولى وبعدها عمليات، وإنكم لهدفنا الأول وصيدنا المفضل ولهيب حربنا”.
 
 خلاصة القول أن تنظيم الدولة الإسلامية يبرهن على كارثية إستراتيجية الرئيس عبد الفتاح السيسى المتعلقة بمكافحة الإرهاب ويكشف بوضوح أن الدكتاتورية هي السبب الرئيسي لتنامي”الإرهاب” وبحسب “النيويورك تايمز” فإن السيسى وهو يعلن التزامه بمكافحة الإرهاب فإنه في الحقيقة يوجه طاقته باتجاه خصومه الآخرين من النشطاء العلمانيين والصحفيين ونواب البرلمان المستقلين ورجال الإعمال والمعارضين له من الأكاديميين ومنظمات حقوق الإنسان والجماعات الإسلامية السلمية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.