حروب الجهاد بين "الظواهري" و"الجولاني"

حسن أبو هنية يكتب لـ عربي21: حروب الجهاد بين “الظواهري” و”الجولاني”

تخوض الجماعات الإسلامية المسلحة التي ظهرت في حقبة الدولة الوطنية ما بعد كولينيالية؛ جولات من الحروب العنيفة على جبهات عديدة محلية وإقليمية ودولية، بهدف خلق ملاذات آمنة تمكنها من حيازة سيطرة مكانية، لتحقيق منظومة من الحكامة الشرعية للوصول إلى حلم “الخلافة” الضائعة. لكن حروب الحركات الجهادية الأكثر دموية ذاتية بينية، وتقع في ذات الملاذات والأماكن الجغرافية “المحررة”. فمعارك الجهاد الطاحنة تقوم على أساس الصراع على تمثيل مفهوم “الجهاد” القتالي في الإسلام، إذ لا تزال الخلافات بين الجهاديين عميقة حول تعريف ماهية الجهاد وأهدافه وحدوده وأدواته، بين جهاد الدفع وجهاد الهجوم. وفي سياق نزع صفة الجهادية عن المقاتلين، تعرف هويات الفرقاء بصفات قدحية تنعت حركاتهم بسمة “الخوارج” تارة، و”الصحوات” تارة أخرى. ويتسع القاموس الهوياتي الجهادي لأصناف من الأوصاف؛ تصل حد الكفر والردة، فضلا عن البغي والعدوان، وتخلع عن الفرقاء صفة “الإسلام” وتلصق بهم صفات “النفاق”.
 
 إذا كان الصراع على تمثيل “الجهادية” العالمية في الساحة السورية أسفر عن انقسام تنظيم القاعدة وبروز تنظيم الدولة الإسلامية، فإن الانقسام الجديد يقع داخل صفوف الحركة التي ادعت أنها تمثل “القاعدة” في بلاد الشام، باسم جبهة النصرة. فقد بات الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، على يقين بأن زعيم النصرة، الجولاني، يتلاعب بميراث القاعدة، ويعمل على تأسيس جماعته الخاصة، ويجتهد للحيلولة دون قيام ملاذ آمن للقاعدة في سوريا، والتي شرعت بتأسيس جماعتها الخاصة بالاعتماد على القيادات التي رفضت فك ارتباط النصرة بالقاعدة والتزمت ببيعة الظواهري.
 
 أدى النهج الراغماتي للجولاني إلى خلافات كبيرة بين القاعدة والنصرة، لكن العلاقة لم تصل حد القطيعة، إلا أن العامل “التركي” كان حاسما في حتمية القطيعة. فقد دخلت نصرة الجولاني في تحالف هش مع تركيا، وباتت رهينة لتقلبات السياسة التركية. فمنذ أن دخل الجيش التركي في شمال غرب سوريا، في 12 تشرين أول / أكتوبر الماضي، برفقة مقاتلي النصرة؛ إلى محافظة إدلب، من أجل إقامة “منطقة خفض تصعيد” في إطار الاتفاق بين تركيا وروسيا وإيران بناء على مقررات “أستانة”، باتت القاعدة تناهض نهج الجولاني بصورة لافتة. وبدأ الأخير بشن حملة تطهير في صفوف النصرة ضد أنصار القاعدة، بتفاهمات مع تركيا تحت ذريعة تجنيب إدلب مصير حلب، وذلك بعزل العناصر الجهادية المعولمة الموصوفة بالإرهابية. وإذا كانت تركيا تهدف إلى تأمين مصالحها القومية؛ بمنع كيان كردي، وتجنب حدوث لجوء كبير بالتحالف مع هيئة تحرير الشام بعد تخليصها ممن تصفهم بالإرهابيين والمتطرفين، كخطوة لإدماجها في مسارات التفاوض، فإن نصرة الجولاني تهدف إلى الحفاظ على مصالحها بالابتعاد عن القاعدة، لتمكينها لاحقا من الحفاظ على إمارتها في إدلب.

أدى النهج الراغماتي للجولاني إلى خلافات كبيرة بين القاعدة والنصرة، لكن العلاقة لم تصل حد القطيعة، إلا أن العامل “التركي” كان حاسما في حتمية القطيعة

في سبيل الحيلولة دون تمكين القاعدة من تأسيس فرع قاعدي في شمال غرب سوريا، شنّت “هيئة تحرير الشام” حملة اعتقالات واسعة طالت عدداً من الشخصيات السلفية الجهادية التابعة لتنظيم “القاعدة” في إدلب وحلب وحماة، ومعظمهم من “المهاجرين”. وشملت الاعتقالات قادة من الصفّين الأول والثاني، وعشرات العناصر من المُهاجرين، خاصة الأردنيين منهم. وتمكن الجهاز الأمني التابع لـ”الهيئة من القاء القبض على الشخصيتين الأهم في قائمة المطلوبين في الحملة الأمنية؛ وهما المسؤول الشرعي العام السابق في “جبهة النصرة” سامي العريدي، والقيادي السابق في “النصرة” إياد الطوباسي (أبو جليبيب).
 
 كان الجهاز الأمني التابع لـهيئة الجولاني قد هاجم مقرات ومنازل قياديين آخرين في “القاعدة” في مناطق عديدة، ومنهم نائب أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان معتقلا في إيران، خالد العاروري (أبو القسام)، وكذلك “أبو همام الشامي”، القائد العسكري العام لـ”جبهة النصرة” سابقاً، إضافة إلى بلال خريسات (أبو خديجة) و”أبو هاجر الأردني” وغيرهم من قيادات الصف الثاني، أمثال: “أبو الليث” و”أبو زكريا” و”أبو مسلم”. وشملت الاعتقالات عددا كبيرا من عناصر الحماية، والمرافقة الشخصية للشخصيات البارزة. وبحسب بيان للهيئة بعنوان “وللقضاء كلمة الفصل”، فإن الشخصيات المستهدفة كانت تسعى لتقويض بنيان “الهيئة” وزعزعته.
 
 استجابة القاعدة لحملة الاعتقالات كانت سريعة. فبعد يومين (في 28 تشرين ثاني/ نوفمبر)، هاجم زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في كلمة بثتها مؤسسة “السحاب”؛ هيئة تحرير الشام، وأميرها “الجولاني”. واتهم الظواهريُ الجولانيَّ بـ”نكث العهد”، مضيفا أن ما فعله بعد فك الارتباط بالقاعدة العام الماضي؛ هو “إنشاء كيان جديد فقط زاد من الخلافات”. وألمح الظواهري إلى قرب قيام تنظيم قاعدة جديد في سوريا، قائلا: “أطلب من إخواني جنود قاعدة الجهاد في الشام أن يكونوا على تواصل مع قيادتهم، وهي حاضرة لخدمتهم يوما بيوم بعون الله وتوفيقه”. وقال الظواهري إن هيئة تحرير الشام حاربت كل من يظهر ارتباطه بالقاعدة، واعتقلت نساءهم، وحققت مع أطفالهم. وأضاف أنه منح الهيئة مهلة لأكثر من سنة من أجل إصلاح الأوضاع، إلا أن الأخيرة تجاهلت مطالبه، وزادت من التعدي على “الحقوق والحرمات”. وشدد الظواهري على رفضه التخلي عن “جهاد الأمة”، مبينا أنه لا يقبل بما تقوم به هيئة تحرير الشام بتحويل مشروعها إلى مشروع محلي فقط. وأكد على أنه لم يقبل بحل البيعة لـ”جبهة النصرة”، مضيفا: “البيعة بيننا وبين كل من بايعنا؛ عقد ملزم يحرم نكثه، ويجب الوفاء به”. ووضع الظواهري شرطين لإنهاء فكرة إعادة القاعدة إلى سوريا: اتحاد جميع “المجاهدين”، وقيام حكومة إسلامية، وفق وصفه.
 
 حاولت هيئة الجولاني تبرير حملة الاعتقالات والرد على الظواهري؛ عن طريق الشرعي البارز بهيئة تحرير الشام، عبد الرحيم عطون، حيث قال إن جبهة النصرة لم تعقد بيعة للقاعدة، بل جددتها بناء على تبعيتها السابقة لتنظيم الدولة. وقال إن “الطابع العام لكلمة الظواهري كان يتمحور حول توجيهنا إلى الوحدة والاندماج، وأن الرابطة التنظيمية لن تحول دون الوحدة، وأن من سيختاره أهل الشام سيكون خيار القاعدة، وأن القاعدة تضحي بالرابطة التنظيمية في سبيل الوحدة والاجتماع”. وادعى أن “أبو الخير المصري”، وهو نائب الظواهري وقتل في شباط/ فبراير الماضي، وبعد قدومه إلى سوريا عقب خروجه من السجون الإيرانية، بصفقة مع “القاعدة”، دعا الجولاني إلى بناء علاقات مع تركيا، وللاتجاه نحو تعزيز العمل السياسي، مشيرا إلى أن تلك الفترة “شهدت غيابا تاما للتواصل من قبل الظواهري، استمرت لأكثر من عام”. واتهم عطون قياديا بارزا بالقاعدة في إيران؛ “بإيصال فكرة خاطئة للظواهري عن فك ارتباط جبهة النصرة بتنظيمه، بناء على معلومات استقاها القيادي من التيار الرافض لفك الارتباط”.
 
 لا جدال في أن الجولاني — كعادته — يحاول أن يختبئ خلف عطون لتبرير خطواته، كما فعل سابقا إبان الخلاف مع تنظيم الدولة الإسلامية، ويفسح المجال لكسب الوقت والمناورة بعد فرض وقائع ميدانية جديدة، لكن الأمر لم يلق استجابة من أنصار القاعدة، إذ تكاثرت البيانات في إدانة سلوك هيئة الجولاني؛ شارك فيها كافة رموز الجهادية العالمية. وتنامت البيانات من داخل صفوف الهيئة، فقد بات واضحا أن التكيفات التي دخلت بها جبهة النصرة؛ وصلت نهاياتها المحتومة بالتحول إلى حركة جهادية محلية سوريا، لا صلة لها بالجهادية العالمية ومنظوراتها الإيديولوجية والاستراتيجية.

كشفت الخلافات الحادة بين القاعدة وجبهة النصرة أن مسألة فك الارتباط كانت خديعة، لكن المتتبع لمسار جبهة النصرة وسلوك الجولاني البراغماتي كان على يقين من حتمية الصدام

كشفت الخلافات الحادة بين القاعدة وجبهة النصرة أن مسألة فك الارتباط كانت خديعة، لكن المتتبع لمسار جبهة النصرة وسلوك الجولاني البراغماتي كان على يقين من حتمية الصدام، فهوية النصرة منذ تأسيسها كانت ملتبسة. ففي سياق محاولة التعمية على هويتها، أظهرت جبهة النصرة منذ تأسيسها المزيد من البراغماتية، وأخذت تبتعد أكثر عن الفرع العراقي للقاعدة، وتقترب بصورة جلية من نهج القاعدة المركزي الجديد وتكيفاته الموسومة بــ”أنصار الشريعة”. وعلى مدى سنوات من تأسيسها، حافظت جبهة النصرة على نهج يقوم على الحفاظ على علاقات ودية مع كافة الفصائل، وتجنبت الصدام مع كافة القوى المحلية والإقليمية والدولية، وقدمت تطمينات عديدة بعدم فرض رؤيتها حول مستقبل سوريا، واعتماد منهج الشورى في تدبير الخلافات وإدارة المناطق المحررة، والحرص على تقديم الخدمات والإغاثة للجميع، وعدم الانفراد في تحديد شكل الحكم، وتأجيل موضوعة تطبيق الحدود وإقامة الشريعة.. لكن ذلك كان يتناقض مع توجهات القاعدة في نقاط جوهرية، وقد برز تخبط النصرة عبر محطات عديدة، حيث تغيّر نهج النصرة تدريجيا بعد فشل التكيّفات الإيديولوجية، وبرزت في محطات عديدة.
 
 جبهة النصرة، بحكم التباس هويتها الإيديولوجية، كانت سريعة التقلب، وتحاول التغلب على عدم تجانسها. فقد كانت تتنازعها ثلاثة تيارات رئيسية وأخرى فرعية، أحدها يقوده الجناح المعولم المرتبط بالقاعدة بشكل وثيق، أمثال أبو همام الشامي وأبو فاروق السوري ومحسن الفضلي وسامي العريدي، والثاني يتوافر على اجتهادات بالتكيف مع الشأن السوري الداخلي، والتنسيق مع كافة الفصائل، وفتح علاقات مع الدول الداعمة، ويدعم التوجهات المتعلقة بفك الارتباط مع تنظيم القاعدة؛ ويقوده أبو مارية القحطاني، وعطون. أما التيار الثالث، فيقوده زعيم جبهة النصرة، الجولاني، وهو يتبنى نهجا براعماتيا يحاول فيه الجمع بين كافة التيارات.

جبهة النصرة، بحكم التباس هويتها الإيديولوجية، كانت سريعة التقلب، وتحاول التغلب على عدم تجانسها. فقد كانت تتنازعها ثلاثة تيارات رئيسية وأخرى فرعية

الصراع الداخلي على هوية جبهة النصرة، كان واضحا منذ البداية، فهي تتوافر على انقسامات واجتهادات متناقضة. إذ يبدو زعيم النصرة الجولاني ممزقا بين توجه يرغب بمزيد من التكيّف مع الشأن السوري المحلي، والتعاون مع كافة فصائل الثورة السورية، وفتح صلات مع الدول الإقليمية الداعمة للثورة السورية، وآخر يصر على الاحتفاظ بعلاقة متينة مع تنظيم القاعدة والجهادية العالمية. وقد بلغت براغماتية الجولاني وتكيفات النصرة حدا نهائيا؛ يتطلب الحسم مع نهاية الثورة السورية ومسارات “أستانة” والتفاهمات التركية الروسية الإيرانية، حيث لا يزال الجولاني يتمسك بالخيط التركي الملتبس، فيما تنظيم “القاعدة” بزعامة أيمن الظواهري، حسم خياراته الاستراتيجية بنقل مركز ثقل التنظيم إلى سوريا.
 
 على مدى سنوات، تلخصت معضلة النصرة في هويتها الملتبسة. فهي تخشى في حال التحول إلى حركة جهادية سورية محلية؛ من اتخاذ قرار فك الارتباط بالقاعدة والجهادية العالمية، الأمر الذي سوف يؤدي إلى جملة من الخسائر تتمثل بخسارة معركة تمثيل الجهادية العالمية لصالح تنظيم الدولة الإسلامية، وحرمانها من تأييد وإسناد رموز الجهادية القاعدية والمعولمة، وشح الدعم المالي والتبرعات الخارجية من أنصارها، وتسرب المقاتلين العرب والأجانب من صفوفها، وتوقف عمليات التجنيد الخارجي. وفي حال أصرت على علاقاتها مع تنظيم القاعدة والجهادية العالمية، فإنها سوف تقطع الطريق على كافة محاولات استدخالها في إطار الاعتدال، ويحرمها من كافة أشكال الدعم الإقليمي، ويجعل علاقاتها مع حلفائها من الجهاديين المحليين شبه مستحيلة.

الجولاني لا يمكن أن يصمد في مواجهة الظواهري، ذلك أن مجد الجولاني وسمعة النصرة لم تكن ممكنة بدون دعم واسناد الجهادية العالمية

خلاصة القول أن الجولاني لا يمكن أن يصمد في مواجهة الظواهري، ذلك أن مجد الجولاني وسمعة النصرة لم تكن ممكنة بدون دعم واسناد الجهادية العالمية. وفي معركة تمثيل “الجهاد”، يصعب تأسيس مدرسة ثالثة تزاجم مدارس الجهادية النكائية والتمكينية، وهي مدارس عريقة يتنافس على تمثيلها تنظيما القاعدة والدولة. وإذا كانت نصرة الجولاني تحاول إحياء الجهادية التضامنية، بتأسيس مدرسة جديدة تتبع نهج عبدالله عزام، فقد ولّت تلك المدرسة مع بروز العولمة ونهاية الحرب الباردة. إذ يتطلب الجهاد التضامني إسنادا دوليا إقليميا غير ممكن في عصر العولمة، كما يحتاج الجهاد التضامني إلى حركة جهادية تتمتع بقاعدة اجتماعية واسعة على أسس إثنية أو مذهبية، وظهور رموز قيادية كارزمية استثنائية لا تتوافر في شخص الجولاني ولا في من حوله. ذلك أن الجولاني مقاول جهادي صغير؛ قد يفاوض على منصب محافظ إدلب ولن يحصل عليه. فجبهة القتال في سوريا لم تعد تحتمل سوى النظام وحلفائه من جهة، وممثلي الجهادية العالمية من جهة أخرى. وجبهة الجولاني في طريق التفتت والزوال، سلما أو حربا، وخيارات مقاتليه تنحصر بالانحياز إلى المصالحة مع النظام أو الانحياز إلى الجهادية. فالرهان الأخير على تركيا لتسهيل الاستدخال محض سراب، ذلك أن تركيا لديها حساباتها المختلفة مع روسيا وإيران وموازنتها مع أمريكا.