خرافات حول معركة تحرير الموصل

حسن أبو هنية يكتب لـ عربي21: خرافات حول معركة تحرير الموصل

منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل في حزيران/ يونيو 2014 وتشكل التحالف الدولي بقيادة أمريكا في أيلول/ سبتمبر 2014 بهدف القضاء على التنظيم وإخراجه من أماكن سيطرته وحرمانه من مصادر التمويل والتجنيد وشل قدراته على تنفيذ هجمات داخلية وخارجية مميتة؛ كانت الشكوك حول نجاعة الإستراتيجية العسكرية الدولية بادية للعيان لافتقارها لرؤية واضحة لطبيعة المسارات العسكرية المحتملة، وماهية التحالفات الميدانية اللازمة، وعدم وجود أي تصور عملي لمرحلة ما بعد التحرير الموهوم.
 
 فحرب الإرهابيين — كما هي دعاية الأمريكيين والأوروبيين — وحرب النواصب — كما هي ثيمة الإيرانيين ومليشياتهم المتشيعين — وحرب الخوارج — كما هي طروحات الدكتاتوريين وفصائل المفحوصين — لن تفلح في إخفاء المأساة السنية في مرحلة عراق ما بعد الاحتلال فضلا عن سوريا الواقعة تحت الاحتلال. 
 
 في سياق التحضيرات العسكرية لمعركة الموصل تراجع الحديث عن الأسباب السياسية العميقة التي أدت لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، ولم تعد المسألة السنيّة حاضرة، فالولايات المتحدة التي تسببت بحالة الفوضى كقوة احتلال إمبريالية للعراق بعام 2003، وسياساتها الكارثية بتفكيك الدولة والمجتمع العراقي، عبر استثمار التعدد العرقي الإثني والديني المذهبي كعامل هدم من خلال بناء العملية السياسية على أسس هوياتية مزدوجة، عبر تأكيد الهويات العرقية الإثنية وانقساماتها بين عرب وكرد/ بصورة أساسية وترسيخ الاختلافات الهويانية الدينية المذهبية بين السنة والشيعة بشكل رئيسي، هي التي مكنت الكرد من إدارة إقليم شبه مستقل وعملت على مكافأة الشيعة وتمكينهم من الحكم بعد مساندة مرجعياتهم للاحتلال، بينما جرى تهميش السنة وإقصائهم كإجراء عقابي لانخراطهم في النظام السابق ومعارضتهم ومقاومتهم للاحتلال.
 
 عقب هزيمة وانسحاب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق نهاية 2011 على يد المقاومة السنيّة باتت الدولة العراقية رهينة للسيطرة الإيرانية والمليشيات الشيعية التي تسلمتها على طبق من ذهب؛ الأمر الذي أجج الانتفاضات الاحتجاجية السنية في العراق، إذ لم يكن صعود تنظيم الدولة الإسلامية بعيدا عن الأسباب الموضوعية المتمثلة بالسياسات الطائفية الشيعية الإيرانية والإمبريالية الأمريكية، حيث لم يجد تنظيم الدولة الإسلامية صعوبة في بناء تحالف سني مع قوى وفعاليات وحركات عراقية على أسس هوياتية دينية، وتمكن من الظهور كدرع فعال في حماية وصيانة الهوية السنيّة الممتهنة بفعل سياسات إيران الطائفية، ورعايتها لسادة العراق الشيعة الجدد من المالكي إلى العبادي.
 
 على مدى سنوات من الاحتجاجات السنية السلمية في العراق؛ برع تنظيم الدولة الإسلامية في البرهنة على خواء العملية السياسية وعدم جدوى المطالبات السلمية، ولم يجد عناء في تصوير الصراع مذهبيا طائفيا بين السنة والشيعة، فضلا عن التأكيد على غياب رؤية واضحة للدول السنية في المنطقة في التعامل مع ائتلاف شيعي متحد تقوده إيران، كما برهن تنظيم الدولة الإسلامية على فشل سياسات النخب السنية العراقية في توفير الحد الأدنى من العدالة، ومواجهة فساد العملية السياسية؛ الأمر الذي أقنع قوى سنيّة فاعلة بمبايعة تنظيم الدولة الإسلامية والعمل تحت قيادته، وفي مقدمتها المجالس العسكرية المكونة من بعض أفراد الجيش العراقي السابق، والعناصر العشائرية المسلحة ومعظم جماعات المقاومة العراقية، أمثال: “الجيش الإسلامي”، و”حماس العراق”، و”كتائب ثورة العشرين”، و”جيش المجاهدين”، و”أنصار السنّة” و”جيش الطريقة النقشبندية”.
 
 وهكذا فإن سكان الموصل السنة اللذين ضاقوا ذرعا بسياسات الحكومة الطائفية الشيعية المذلة لم يقاوموا تنظيم الدولة الإسلامية رغم عدم رضاهم عن نهجها، كما أنهم لم يغادروها للخضوع لسياسات أكثر إذلالا على يد حكومة تتحكم بها مليشيات طائفية تتبع قاسم سليماني الإيراني.
 
 تجاهلت الولايات المتحدة وحلفائها كافة الأسباب السياسية الواضحة التي أدت لتنامي قوة تنظيم الدولة وزيادة جاذبيته الإيديولوجية، وعلى الرغم من خلل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية بالاقتصار على الضربات الجوية وتقديم والمساعدة والاستشارة العسكرية للحلفاء المحليين على الأرض، إلا أن الولايات المتحدة حسمت خياراتها بتحديد موعد بدء العمليات العسكرية في الموصل في سياق “عملية الحل المتأصل” وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد وافق أواخر أيلول/ سبتمبر على إرسال حوالى 600 جندي إضافي إلى العراق لتعزيز قوة أمريكية تضم4600 جندي ينتشرون هناك، وتحظى العملية بمشاركة فرنسية وبريطانية.
 
 وبحسب عدد كبير من المسؤولين الغربيين فإن الهجوم سيبدأ خلال شهر تشرين أول/ أكتوبر الحالي، فقد صرح وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون أن اللمسات الأخيرة على اتفاقيات التعاون العسكري قد وضعت في 23 أيلول/ سبتمبر الماضي وقال إن “عملية التطويق ستبدأ في الأسابيع القليلة المقبلة” من أجل تحرير الموصل “في الأشهر القليلة المقبلة” وأكد وزير الدفاع الفرنسي جان ايف لودريان في السادس من تشرين أول/ أكتوبر الحالي خلال زيارة إلى حاملة الطائرات شارل ديغول على ذات الأمر وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد صرح بتحديد موعد بدء الهجوم في 19 تشرين أول/ أكتوبر.
 
 عقب حالة اليأس من إحداث تغيرات سياسية ملموسة في بنية دولة عراق ما بعد الاحتلال؛ قررت أمريكا خوض معركة الموصل دون النظر لتداعياتها المستقبلية الخطيرة بالتزامن مع المعركة الانتخابية الأمريكية وذلك بمن حضر، فالقوات التي ستشارك في المعركة المرتقبة تضم القوات العراقية المشتركة وتتمثل بالجيش العراقي كالفرقة 15 والفرقة 16 واللواء المدرع الثالث وكتيبة مدفعية ولواء التدخل السريع واللواء الرابع التابع للفرقة الثامنة وقوات الشرطة الاتحادية وقوات جهاز مكافحة الإرهاب وسلاح الجو العراقي، وتشارك فصائل “الحشد الشعبي” وفي مقدمتها “حزب الله العراق” و”سرايا السلام” ومليشيات “بدر” و”عصائب أهل الحق” و”جند الإمام” و”النجباء” و”أبو الفضل العباس”، وهي فصائل تعمل تحت إشراف مستشارين إيرانيين، ومن الجانب الكردي تشارك ثلاثة ألوية من قوات البشمركة، وحدة مدفعية ميدان، والفرقة الهندسية الثالثة، ومن الجانب العربي السني تشارك قوات تحرير نينوى وتتكون من بعض العشائر والمتطوعين، وفصيل “الضياغم” التابع لعشيرة شمر. 
 
 على خلاف التصريحات الأمريكية والغربية التي سبقت قرار معركة الموصل والتي كانت تصفها بالصعبة والمعقدة، فضلا عن التقارير التي كانت تبالغ في تقدير حجم وقوة تنظيم الدولة الإسلامية، فإن الآلة الدبلوماسية والإعلامية الغربية، فضلا عن العراقية تصف المعركة المرتقبة بالسهلة والسريعة، وأنها ستتمكن من استعادة المدينة قبل نهاية السنة الحالية، كما قدرت وزارة الدفاع الأميركية عدد مقاتلي التنظيم في الموصل ما بين 3000 و4500 عنصر وتحدثت تقارير أمريكية عديدة عن سيناريوهات الهروب الجماعي كما لم تنسى الحملة الدعائية الحديث عن الاحتفالات المرتقبة لأهالي الموصل بتحريرهم وابتهاجهم.
 
 التحضيرات على مدى الشهور الماضية بتذليل الخلافات السياسية والمذهبية والاقتصادية بين الفرقاء استعدادا للمعركة لا تبدو بحالة جيدة، فجرعة الثقة بين الأكراد والحكومة ومليشياتها ليست كافية رغم توقيع عدد من الاتفاقات، إذ لا يزالون متمسكين بعدم مشاركة قوات الحشد الشعبي الشيعي، وفي المقابل لا تثق الحكومة بقوات البشمركة، وصحوات الحشد العشائري السني لا تعدو كونها إكسسوارا لإضفاء المشروعية على المعركة ومحاولة نزع فتيل الصراعات الطائفية والإثنية.
 
 إقليميا؛ استدعت تركيا والعراق سفراءهما في كلا البلدين احتجاجا على تعليقات لرئيس الوزراء التركي من جهة، وعلى قرار للبرلمان العراقي من جهة أخرى، الذي أصدر قرارا في 4 تشرين أول/ أكتوبر الحالي ندد فيه بتمديد البرلمان التركي بقاء هذه القوات في العراق، مطالبا الحكومة باعتبارها “قوات احتلال” في خطوة تعكس التوتر المتزايد بين البلدين بسبب تمركز القوات التركية في منطقة “بعشيقة” شمالي مدينة الموصل، مع اقتراب موعد انطلاق العمليات العسكرية، كما وصفت وزارة الخارجية العراقية التصريحات حول المعركة الوشيكة بأنها “استفزازية”، وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم لنواب الحزب الحاكم في البرلمان إن العملية العسكرية العراقية قد تثير التوتر الطائفي بين الشيعة والسنة إذا وضعت الأغلبية السنية في المنطقة المحيطة بالموصل تحت سيطرة الشيعة بعد تحرير المدينة لكن نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس أعلن أن الحشد سيتعامل مع القوات التركية كقوات “محتلة”.
 
 محاولة الولايات المتحدة التقليل من تداعيات معركة الموصل لا تتشاطرها مؤسسات دولية وجهات حقوقية، فقد أشارت الأمم المتحدة في 29 أيلول/ سبتمبر الماضي إلى أن أكثر من مليون شخص قد يفرون من مدينة الموصل عند بدء المعركة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.2 مليون نسمة وتشكل ثانية كبرى المدن العراقية وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في رسالة أرسلتها إلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن على الحكومة العراقية أن تتعهد بمنع عناصر القوات المسلحة المتورطة في انتهاكات لقوانين الحرب من المشاركة في العمليات المُخطط لها ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” ويجب أن يكون من بين الممنوعين من المشاركة عناصر “قوات الحشد الشعبي” وهي مجموعة من القوات المسلحة المتحالفة مع الحكومة. كما أن على الحكومة ضمان حماية الحقوق الأساسية وعدم التمييز في الفحص الأمني واحتجاز الأسرى أثناء عمليات الموصل. 
 
 إن الحديث عن مدينة مختطفة من قبل تنظيم إرهابي لا تعدو عن كونها دعاية سخيفة للتغطية على أهداف سياسية واقتصادية مفضوحة، إذ كيف يمكن لمجموعة صغيرة تقدرها أمريكا بأقل من 4 آلاف السيطرة على أكثر من مليون وربع من البشر؟ ومن يصدق أن أمريكا التي يحفل تاريخها القديم والحديث بالقتل والاحتلال والتدمير تسعى لتحرير الإنسان؟ ومن تنطلي عليه من الأغبياء فضلا عن الأذكياء أن إيران ومليشياتها الشيعية التي أمعنت في قتل السنة تحت شعارات “يا لثارات الحسين” والانتقام من أتباع يزيد ومعاوية وأبي بكر وعمر ستعمل على صون كرامة السنة؟
 
 خلاصة القول أن ثمة خرافات عديدة حول معركة الموصل وفي مقدمتها تجاهل المسألة السنية وسياسات الاحتلال والطائفية وغياب العدالة والتهميش والإقصاء، فلم يكن ممكنا لتنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على المدينة لولا نجاحه بتقديم نفسه كدرع واق للسنة في مواجهة حكومة طائفية مرتهنة لمليشيات شيعية، ولاؤها الأساس لإيران قبل العراق، كما لا يمكن لتنظيم الدولة إحكام قبضته على الموصل لولا وجود قناعة لدى مواطنيها السنة بأن التنظيم يمثل أقل الأضرار في ظل طبقة سياسية سنية فاسدة وعاجزة عن حمايتهم ومرتهنة لقوى إقليمية ودولية، وتكاد تنعدم ثقة سنة الموصل كما هو حال سنة العالم، بأمريكا خصوصا والغرب عموما، باعتبارهم السبب الرئيس لشقائهم ومصائبهم، وبهذا فإن خرافات التحرير توشك أن تفقد سحرها مع أول غارة جوية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.