أخلاق المسلمين في الحروب والمعارك

خالد الشريف يكتب لـ عربي21: أخلاق المسلمين في الحروب والمعارك

حروب قاسية شهدها التاريخ أودت بخسائر بشرية هائلة لا يمكن تعويضها، فضلا عن خسائر مادية عانت بعدها الشعوب عقودا طويلة كي تستفيق مما خلفته تلك الحروب، وإن كانت شعوب أخرى لم تستطع أن تعوض خسائر الحروب المهولة!
 
 وللأسف الشديد كثير من الدول أهملت احتياجات شعوبها، وانغمست في حروب خارجية على حساب مصالح شعبها الذي لم تتم استشارته في خوض تلك الحروب، بل فرضت عليهم الحروب فرضا، ودفعوا فاتورة باهظة الثمن من دماء وأشلاء وأموال.
 
 ومن المعلوم أن تكلفة القضاء على الفقر في العالم أقل بكثير من نفقات الحروب وسباقات التسلح التي تدفعها البشرية، والتي تساوي أضعاف الموازنات المطلوبة لخطط التنمية المستدامة.
 
 فلماذا نشعل الحروب ونحن في حاجة للتنمية حيث تعتبر الحروب الحديثة أكثر تكلفة من سابقاتها؟ فحرب وغزو العراق كلف ما يزيد على تريليون دولار.
 
 وتكلفة الحرب الأفغانية بلغت من أربعة إلى ستة تريليونات دولار، وهذه المبالغ الخيالية عرضت الحكومة الأمريكية لضغوط اقتصادية شديدة.
 
 ومن المعلوم أن أوروبا عاشت مأساة مروعة في القرون الوسطى بسبب الحروب المدمرة، وقد انخرط الجميع بالقارة الأوروبية في القرن الـ16 في الحرب، مع الانقسام إلى معسكرين رئيسين هما الكاثوليكية والبروتستانتية. الحرب بين الطرفين استمرت نحو 130 عاما، مارس فيها الطرفان مختلف الجرائم والفظائع، حتى بمقاييس تلك العصور الغابرة، من قطع رؤوس “الكفار والزنادقة”، إلى إغراق البشر في الماء وحرق الأحياء، وكما شهدت تلك الحروب، التي فقدت أوروبا فيها ثلث سكانها، إحراق آلاف النساء أحياء بتهمة ممارسة السحر.
 
 لكن بعد أكثر من قرن من الفظائع المتبادلة وصل الأوروبيون إلى قناعة بعدم جدوى الحروب. فخسائرها الفادحة كانت أكبر مما تتحمله القوى المشاركة فيها، فاتفقوا على الجلوس والتفاوض وتوقيع صلح دائم بينهم عام 1648، وهو ما يعرف باسم صلح أو سلم “فستفاليا”.
 
 هذه التعاسة التي عاشت فيها أوروبا جراء الحروب انقلبت إلى رخاء وتقدم وازدهار بعد وقف تلك الحروب، ونحن أهل الدين والإسلام نشعل الحروب في العراق وسوريا واليمن وليبيا، ونريد المزيد رغم أن الإسلام غل أيدي اتباعه ومقاتليه في الحروب. فالقرآن الكريم يقول: “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ”.
 
 وقد أوصى رسول الله — صلى الله عليه وسلم — عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عندما أرسله في شعبان إلى قبيلة كلب الواقعة بدومة الجندل؛ فقال له: “اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، فهذا عَهْدُ اللهِ وسيرة نبيّه فيكم”.
 
 يقول الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. قال القرطبي رحمه الله: دَلّت الآية على أنّ كُفر الكافر لا يَمنع من العدل معه، وأن المثلة بهم غير جائزة، وإن قَتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيصال الغمِّ والحزن إليهم.
 
 فالفرق كبير بين جيوش المسلمين في عصر الفتوحات والجيوش اليوم التي تحرق الأخضر واليابس في حربها ضد المدنيين العزل. كانت جيوش الإسلام رحمة على الأمة بل وعلى أعدائها أيضا، وأكبر دليل على ذلك ما حدث في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه؛ حينما أتى الجيش الإسلامي بقيادة قتيبة بن مسلم أتوا على مشارف سمرقند، أمر الجيش بأن يتجه للجبل خلف المدينة، لكي لا يرى أهل سمرقند جيش المسلمين فيتحصنوا، وهجم على المدينة بكتائب الجيش من خلف الجبال، وكأنهم إعصار من شدتهم وسرعتهم، وإذا بهم وسط سمرقند فاتحين لها ومهللين بذكر الله؛ لم يملك أهل المدينة إلى الاستسلام التام. لكن الكهنة والرهبان اشتكوا إلى قاضي المسلمين أن قتيبة لم ينذرهم ولم يخيرهم بين الإسلام او الجزية أو الحرب، واستدعى القاضي قتيبة الذي مثل أمامه وبدأت المحكمة. فقام الكاهن وقال: قتيبة بن مسلم دخل بلادنا بدون إنذار، كل البلاد أعطاها إنذار وخيارات دعوة للإسلام أو الجزية أو الحرب، إلا نحن هجم علينا بدون إنذار.
 
 فقال قتيبة: أصلح الله شأن القاضي، فالحرب خدعة، هذا بلد عظيم عقبة أمامنا، وكل الذين كانوا مثله كانوا يقاومون ولم يرضوا بالجزية، ولم يرضوا بالإسلام، وهؤلاء لو قاتلناهم بعد الإنذار سيقتلون فينا أكثر مما نقتل فيهم، وبحمد الله بهذه المفاجأة حمينا المسلمين من أذى عظيم نعم فاجأنهم لكن أنقذناهم وأدخلناهم الإسلام.
 
 فقال القاضي: يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب؟ فرد قتيبة: لا. فاجأتهم لما حدثتك به من خطرهم. فقال القاضي: يا قتيبة ما نَصَرَ الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل، والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهادا في سبيل الله، ما خرجنا لنملك الأرض ونحتل البلاد ونعلو فيها بغير حق. ثم أصدر هذا القاضي حكمه: “حكمتُ أن تخرج جيوش المسلمين جميعا من هذا البلد ويردوه إلى أهله ويعطوهم الفرصة ليستعدوا للقتال، ثم يخيروهم بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإن اختاروا الحرب كان القتال، وأن يخرج جميع المسلمين كافة من سمرقند خِـفـافا كما دخلوها — أي بلا مكاسب تجارية — وتُسلم المدينة لأهلها، وذلك تطبيقا لشرع الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم”.
 
 بدأ المسلمون يخرجون من المدينة حتى القاضي قام وخرج من أمام الكهنة، لم يصدق الكهنة والرهبان مايحدث، وأخذ أهل سمرقند ينظرون للمسلمين حتى خرجوا وخلت المدينة من المسلمين، ثم قال أحد الكهنة والله إن دينهم لهو الحق أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ونطق جميع الكهنة والرهبان الشهادة ودخلوا الإسلام. تلك هي قصة أعظم حرب عرفها التاريخ.. فمتى نتعلم ديننا وتاريخ أجدادنا وأخلاق الإسلام في الحروب والمعارك؟!

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.