في سيناء.. الدماء ليست هي الحل!

خالد الشريف يكتب لـ عربي21: في سيناء.. الدماء ليست هي الحل!

لا شك أن مجزرة مسجد الروضة في سيناء، والتي راح ضحيتها 311 من المصلين وأصيب 100 آخرون، هي الأسوأ والأبشع على الإطلاق خلال العلميات الإرهابية الدامية التي تشهدها سيناء منذ سنوات، وهي مؤشر واضح لفقدان السلطة الحالية السيطرة على شبه جزيرة سيناء، والتي تمثل ثلث مساحة مصر، رغم استخدامها كافة انواع القمع والبطش والقوة الغاشمة.
 
 ورغم أن الإحصائيات المتداولة تؤكد أن أعداد المسلحين المنتمين لداعش لا يتجاوزن الألف مسلح، وهو عدد قليل حتى وإن كانوا يجيدون حرب العصابات والكر والفر، لكن تفاقم الأوضاع في سيناء يثير الدهشة والريبة، خاصة وأن نظام السيسي رهن وجوده والانقلاب الذي دبره على الرئيس المنتخب؛ بمحاربة الإرهاب المحتمل، فإذا بالإرهاب المحتمل يصبح واقعا ملموسا، بل كابوسا يؤرق المصريين جميعا، ويتمدد هذا الكابوس إلى العاصمة القاهرة والواحات الغربية.
 
 والسبب يبدو بكل بساطة ووضوح؛ أن القمع والعنف والقوة الغاشمة ليس الحل الناجع لمشكلة الإرهاب، وأن ترسيخ العدالة واحترام القانون والدستور أفضل مئة مرة من البطش والتنكيل الذي يفاقم الإرهاب ويوسع من دائرته، فضلا عن أن انحراف العسكرية دورها في حماية البلاد وحفظ أمن العباد والحدود؛ إلى انزلاق في السياسة والاقتصاد ومشاريع اقتصادية، أدى إلى هزيمتها بتلك الصورة المزرية.
 
 لكن من الضروري أن نؤكد توحش تنظيم الدولة بتلك الصورة البشعة في استهداف المدنيين العزل، بصورة لم يسبق لها مثيل فمسرح الجريمة المسجد وفي وقت صلاة الجمعة. الحادث يخدم منظومة القمع والدكتاتوية في تجريف سيناء والاستمرار في سياسة الانتقام، وقد أصبحت مصر بين ديكتاتورية غاشمة، وإرهاب وتطرف وحشي. فمصر تدور في دائرة دموية مفرغة منذ سنوات.
 
 الأغرب، أن السيسي يصر على استخدام “القوة الغاشمة” في استعادة الأمن في سيناء، بل يحدد موعد المهمة ثلاثة أشهر. ففي كلمة بثها التلفزيون الرسمي بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، قال السيسي: “أنا ألزم الفريق محمد فريد حجازى رئيس أركان الجيش، خلال ثلاثة شهور، باستعادة الأمن والاستقرار في سيناء… أنت والشرطة المدنية… وتستخدم كل القوة الغاشمة… كل القوة الغاشمة”.
 
 وهذا أمر مستغرب، ويثير الجدل حول القوة الغاشمة التي تعتبر سبب خراب سيناء، وقد حولت المعركة لثأر وثأر مضاد وأصبحت الدولة تعيش في إطار رد الفعل والقوة الغاشمة، وليس منطق دولة تحترم الدستور والقانون، ولها فكر ورؤية استراتيجية لاحتواء تهديد حقيقي بمنطقة مهمة مثل سيناء، وتجاور عدو صهيوني.
 
 والقوة الغاشمة تؤدي دائما إلى تفاقم الأزمة، فهي أصل المشكلة وليس الحل. وهو ما أدركه الرئيس حسني مبارك في أواخر فترة حكمه، رغم ما فيها من “مصائب”، فقد شهدت تلك الفترة، بعد هجوم الأقصر على السياح عام 1997، تبني استراتيجية تهدئة وتسوية، نجم عنها مراجعات في صفوف الإسلاميين، زقابلتها إفراجات عن السجناء. وقد طوى بذلك صفحة سوداء شهدت صدامات مسلحة دامية؛ راح ضحيتها المئات من الإسلاميين وضباط وجنود الشرطة.
 
 ولا بد أن نعترف أن مصر ليست الدولة الوحيدة في العالم التي تواجه الإرهاب، لكن مصر تتعامل بأسلوب غاشم دون احترافية إمنية؛ يتولد عنه كوراث، وتتوسع فيها دائرة الاشتباه، وتتفاقم فيها ظاهرة الإرهاب، دون القضاء على رؤس الإرهاب.
 
 ولعلنا نذكر أن تركيا تعرضت لهجمات إرهابية عاتية، كان أبرزها الهجوم المسلح على ملهى ليلى في احتفالات رأس السنة الماضية. وكان الحادث دمويا للغاية؛ تبخر فيه القاتل الذي ينتمي لتنظيم الدولة وسط مدينة ذات كثافة سكانية هائلة، وهي إسطنبول التي يسكنها أكثر من 20 مليون نسمة. ومع ذلك، لم تتم عمليات اعتقال واسعة أو تصفيات جسدية، إنما تم تتبع تحركات الإرهابي بكل الأساليب الأمنية الاحترافية، وتضييق دائرة الخناق عليه، حتى تم اعتقاله وضبطه. ولم يتم التوسع في دائر الاشتباه، كما يحدث في بلادنا. أيضا ما تعيشه اليوم فرنسا وأمريكا، وعدد من الدول الأوربية تواجه الإرهاب بكل حزم، وتضرب رؤوس الإرهاب، وليس محيطها، كما يحدث في مصر.
 
 الاستراتيجية الأمنية فاشلة بامتياز في بلادنا منذ خمس سنوات؛ لأنها قائمة على القمع والقوة الغاشمة، فتحول خلالها الإرهاب المحتمل إلى واقع أليم.
 
 للأسف الشديد، السلطة الحالية رسخت منطق القوة في المجتمع؛ بالاستيلاء على السلطة بالقوة، من خلال انقلاب عسكري وإزاحة أول رئيس منتخب، وهو السبب الرئيسي في بروز الإرهاب. لذلك تصاعدت قوة الإرهاب في سيناء بعد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، حتى وصلت إلى حرب عصابات تأكل الأخضر واليابس، وبروز أكثر من 21 تشكيلا مسلحا في منطقة واحدة، مثل الشيخ زويد.. تشكيلات تهاجم ثم تختفى، وتستهدف الكمائن الأمنية الثابتة، وتستهدف المدنيين، والتي هي أهداف سهلة؛ في منطقة تعج بالخارجين على القانون وتعبث فيها إسرائيل.
 
 كل ذلك يوكد ضرورة تغيير الاستراتيجية الأمنية المتبعة، وأن تكون المواجهة الفكرية للجماعات المسلحة والإرهاب جزءا من المواجهة الكلية؛ لتصحيح المفاهيم وإنهاء حالة العداء الاستقطاب والانقسام في سيناءـ ورد المظالم لأهلها، واستعادة التنمية في تلك البقعة الغالية العزيزة.. احترام كرامة الإنسان وتعظيم الحرمات من قبل الحكومات والافراد، فالدماء غالية عزيزة توعّد رب العالمين سفاكيها باللعنة والعذاب والخلود في النار. وصدق الله القائل:
 
 “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا..” (سورة النساء).
 
 ربي يحفظ مصر وأهلها من كل مكروه وسوء.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.