أهل السنة والجماعة.. أهل بوتين وعلي جمعة!

ساري عرابي يكتب لـ عربي21: أهل السنة والجماعة.. أهل بوتين وعلي جمعة!

ليسوا سواء، فمؤتمر “أهل السنة والجماعة” الذي عُقِدَ مؤخرا في غروزني بالشيشان برعاية فتى بوتين المدلل رمضان قديروف؛ من المشاركين فيه؛ من يحمله الشغف العلمي الصرف، ومنهم من تدفعه العصبية المذهبية، ومنهم من يعتقد صادقا بإمكان البناء على مؤتمر كهذا لتحقيق نتائج طيبة، ومنهم من تغريه أجواء هذه المؤتمرات كشأن المشاركين في مثلها عموما، ومنهم من يعلم الاعتبارات السياسية التي يقوم عليها هذا المؤتمر، وما هي أهداف منظميه ومموليه، ولكنهم في النتائج سواء.
 
 إن السبب الذي يجعلهم شيئا واحدا رغم التفاوت في نواياهم ومقاصدهم، أنهم كلهم في النهاية تجندوا في مشروع غيرهم، عن وعي وتقصد من بعضهم، وعن غفلة من البعض الآخر، وفي النتيجة فإن ما أراده السياسي المنظِّم والمموِّل قد تحقق، حتى لو زعم بعض المشاركين، من أصحاب الخطاب العلمي أو المذهبي الخالص، أن أوراق المؤتمر خلت من الأطروحات السياسية.
 
 فالعبرة ليست في الأوراق وإنما في أهداف المنظِّم والمموِّل، الذي عَرف جيدًا كيف يجعل من مفهوم “أهل السنة والجماعة” خاليًا من الموقف الشرعي والأخلاقي من الظلم وسفك الدماء البريئة، وكيف يحوّل من يُفترض فيهم أنهم ورثة الأنبياء، إلى بيادق، يعيد توظيفهم، وتحديد انشغالاتهم، بما يخدم أغراضه السياسية، وبما يخلي انشغالهم من أي مضمون سياسي أو اجتماعي، أو من أي مسؤولية تجاه أحوال الأمة الملحّة.
 
 فإن الأمم التي تجتاح أمتنا بالتمزيق والخراب والهلاك والإبادة، لا تمتحن النّاس في عقائدهم، ولا تسأل أحدًا حين قتله إن كان يقول إن الله في السماء، أو إنه لا خارج العالم ولا داخله، أو إن كان يقول إن القرآن كلام الله بحرف وصوت، أو إنه كلامه النفسي.
 
 ثم لك أن تعجب بعد ذلك أن علماء المسلمين المتنازعين في مثل هذه المسائل، إن التفتوا إلى جماهير المسلمين إنما يلتفتون إليهم لا على أساس معاناتهم الواقعة ومطالبهم الراهنة، وإنما على أساس الافتراق الكلامي والمذهبي، فيزعم كل فريق أن الأمة تنتمي إليه، هذا على أساس أن أكثر مدارس وعلماء المسلمين من الأشاعرة والماتريدية، فجماهير المسلمين تبع لهم، وذاك على أساس أن عوام المسلمين لا يعرفون شيئًا من شقشقة متكلمي الأشاعرة والماتريدية، فهم سلفية بهذا الاعتبار!
 
 ويمكن هنا ملاحظة الهوس الكلامي والمذهبي الذي طغا على المجتمعين، والذين كان ممن تصدَّرهم فقهاء الطغاة، الذين يزيّنون لهم كل جريمة، ويحلّون لهم كل دم حرام، إذ ما معنى أن يساهم شخص كعلي جمعة مستحل لدماء الأبرياء، موال للطاغية، في تحديد مفهوم أهل السنة والجماعة؟ وما معنى إدراج هذا الشخص ضمن القائمين على تحرير هذا المفهوم، في الوقت الذي يُخرِج فيه المؤتمر من المفهوم ملايين المسلمين ممن ينتسبون إلى السلفيات المعاصرة بما هي محاولة انتساب لتيار تاريخي عريض يُعرَف بأهل الحديث، ليس ابن تيمية وتلاميذه إلا مرحلة من مراحله، مهما حاول المؤتمرون بتّه عن هذا التيار؟!
 
 ولستُ هنا أقصد مفاضلة بين مذهبين يتنازعان احتكار مفهوم أهل السنة والجماعة، ولكن هذا المفهوم، بات وفقًا لهذا المؤتمر، وكذلك وفقًا لكثير من خصوم المؤتمرين، مذهبًا شديد الضيق، يقوم على مجموعة من المسائل الاعتقادية، تتضمن مسائل فرعية، ليس منها أبدًا أي مضمون أخلاقي أو اجتماعي أو سياسي، ولذلك يتسع مفهوم أهل السنة والجماعة لسادن الطغاة مستحل الدم الحرام، ولا يتسع لملايين المسلمين من أهل الصلاح والفضل والجهاد!
 
 بيد أن ثمة وجها آخر للمغالطة، حين التفريق بين السياسي والديني عند الحديث عن مفهوم أهل السنة والجماعة، إذ إن نصّ المفهوم نفسه يحوي البعدين، الديني (السنة) والسياسي (الجماعة)، وإذا كان البعد الأول قابلاً للتكييف المذهبي بما أنه كان ردًّا على الفرق التي أخذت تُحدِث في الدين على غير ما عَرف الصحابة، فإنّ البعد الثاني حافظ على سعة المفهوم، وعلى إبقاء “أهل السنة والجماعة” أقرب إلى مفهوم الأمة، من جهة تنوعها، واستعصائها على التطييف والمذهبة الضيقة، أو استعصائها على الاحتكار والامتلاك، ومن جهة أنها الأصل والاستمرار التاريخي الذي تقابله الحركات الانشقاقية في الأمة، كالخوارج والإمامية.
 
 ويمكن أن نلاحظ أن متكلمي الفرق الانشقاقية، في مراحلهم التأسيسية، قد جعلوا فرق الأمة التي تولت المختلفين من الصحابة جميعًا، فرقة واحدة، كما هو واضح في صنيع النوبختي في “فرق الشيعة”، أو المفيد في “أوائل المقالات”، إذ أطلقوا عليهم تسمية “المرجئة” لأنهم لم يكفّروا أحدا من الصحابة، وقد ظلّ الحال كذلك، إذ يطلق الإمامية اليوم على عموم “أهل السنة والجماعة” بكل تياراتهم ومدارسهم تسمية “العامّة”.
 
 ومن ثمّ يقبل هذا المفهوم الاختلاف المدرسي والمذهبي في إطاره بما يستتبع ذلك من جدل كلامي، أو أحكام متبادلة، ولكن المفهوم نفسه غير قابل للمذهبة أو التطييف والتضييق، بما هو تعبير عن وحدة الأمة وسعتها، وعن استمرارها العمودي في التاريخ، والذي تقع على هوامشه الفرق الانشقاقية.
 
 وينبني على ذلك خطأ آخر، يقع فيه المؤتمرون، فإنه وإن كان مفهومًا أن تتبادل المدارس والتيارات والعلماء الجدل والأحكام، بما في ذلك الأحكام الإقصائية، في دوائر الجدل العلمي والمدرسي، فإنّه لا يمكن تحويل “أهل السنة والجماعة” إلى جماعة كنسية واحدة، تتحدد ملامحها، وتحسم عقائدها، بمؤتمر واحد، على غرار مجمع نيقية في القرن الرابع الميلادي الذي حُدّدت فيه طبيعة المسيح، وطرد فيه آريوس وأتباعه من المسيحية، فهذه المحاولة “الكنسية” في مؤتمر الشيشان محاولة عابثة، ولكنها أيضًا جائرة على هذا الخط التاريخي الذي يمثّل قلب الأمة وسعتها، كما هي جائرة أي محاولة أخرى تشببها ولو جاءت من اتجاهات مدرسية مخالفة.
 
 وتبقى كلمة، هي نكتة في الحقيقة، إذ إن الشعور باليتم الذي تعاني منه بعض المدارس، لعدم وجود دولة مقتدرة راعية لمذاهبهم، لاسيما إذا قارنوا أنفسهم بـ “الوهابية” التي تجد دولة راعية، فإن هذا لا ينبغي أن يوهمهم بأن روسيا الاتحادية، هي وريثة السلاجقة، وأن بوتين هو نظام الملك!

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.