الانتخابات المحلية بالضفة الغربية والحاجة للفصائلية

ساري عرابي يكتب لـ عربي21: الانتخابات المحلية بالضفة الغربية والحاجة للفصائلية

أجريت أخيرًا انتخابات محلية في الضفة الغربية، دون غزة، وقاطعتها حماس، وكانت الأخيرة قد قررت المشاركة في الانتخابات المحلية التي كان مزمعًا إجراؤها في مطلع تشرين أول/ أكتوبر من العام الماضي، ولكن تأجيل تلك الانتخابات وتغيير الرئيس عباس بمراسيم رئاسية للقانون الانتخابي المتفق عليه منذ العام 2005، دفع حماس لمقاطعة الانتخابات الأخيرة.
 
 وبالرغم من عودة حماس للتأكيد على مقاطعتها الانتخابات ترشحًا، إلا أن عددًا من الشخصيات المحسوبة عليها ترشحت في قوائم مستقلة أو توافقية، بينما أتاحت الحركة لعناصرها التصويت “للأصلح والأقدر”، إلا أن المشهد العام انطبع بغياب الحياة السياسية، وعزوف الجماهير عن الهمّ العام، وفي العموم كانت نسبة المصوتين ممن يحق لهم حق الاقتراع 53.4?، بينما بلغت نسبة المشاركة في العام 2005، وهي السنة التي شاركت فيها حماس، 82.5?.
 
 كشفت الانتخابات عن تراجع قدرة حركة فتح على التأثر على المجتمع الأهلي، ومع أن هذا التراجع في القدرة يجري تعويضه بتدخل السلطة وأجهزتها الأمنية وبشبكة المصالح التي تبنيها السلطة عادة مع البنى العشائرية، إلا أن فتح عانت فشلاً ذريعًا، عكسه تراجع القوّة التصويتية عمومًا، وتقدم الكتل المستقلة عليها في الهيئات التي أُجريت فيها الانتخابات (ثمة هيئات فازت فيها القوائم بالتزكية دون انتخابات).
 
 بحسب لجنة الانتخابات المركزية حصلت القوائم المستقلة على 65? من مجموع مقاعد الهيئات التي أجريت فيها الانتخابات، بينما حصلت قوائم فتح على 27.6?، من مقاعد تلك الهيئات، أما نتائج فصائل منظمة التحرير فلا تذكر.
 
 يضاف إلى ذلك، أثر حركة حماس في الانتخابات، بالرغم من مقاطعتها الترشح، وامتناع أكثر كتلتها التصويتية عن الانتخاب، وانقسام أصوات الذين انتخبوا من عناصرها، فقد عجزت فتح عن تشكيل قائمة برئاسة شخصية تحظى بالقبول في مدينة نابلس، واستعاضت عن ذلك بقائمة توافقية ترأستها شخصية محسوبة على حماس، كما فازت بانتخابات مدينة قلقيلية قائمة يُحسب رئيسها على حماس، بينما عجزت فتح منفردة عن حسم انتخابات مدن مهمة مثل الخليل والبيرة.
 
 في النتيجة ثمة تراجع واضح في النفوذ “الفتحاوي” داخل المجتمع الأهلي، وهو ما يعكس موقفًا مجتمعيًّا من السلطة السياسية التي ترتبط بها فتح ارتباطًا عضويًّا، بينما ما زالت حماس، رغم ضعف تنظيماتها وعجزها عن توجيه عناصرها وكوادرها، حاضرة في الوعي المجتمعي الشعبي، وبكلمة أخرى، تتراجع المكانة المجتمعية لفتح، بينما تعجز حماس عن استعادة بناها التنظيمية في الضفة الغربية.
 
 ينبغي حين النظر إلى هذه الحالة، أخذ الاختلاف في الظروف التي يعانيها كل من التنظيمين، فحماس تواجه استهدافًا أمنيًّا مكثفًا ومستمرًا لا يتوقف، يمارسه عليها الاحتلال، بالإضافة إلى سعي السلطة المحموم لإقصائها عن المجال العام باستخدام كل الأدوات التي تملكها السلطة، بينما تدفع فتح ثمن سياساتها هي، أي السياسات التي تمارسها السلطة التي تقودها فتح.
 
 يمكن ملاحظة التراجع في الحالة الوطنية العامّة، بما في ذلك تراجع انشغال المواطن بالهمّ العامّ، بالنظر إلى نسب المشاركة ما بين 2005 و2017، وهي أيضًا كانت متدنية في العام 2012 وقد بلغت فيه 54.8?، وهي انتخابات قاطعتها حماس أيضًا.
 
 ونضاليًّا يمكننا قياس انغماس الفلسطينيين في الضفة الغربية بالفعل الكفاحي، بالمقارنة ما بين الملحمة التي خاضها الفلسطينيون في انتفاضة الأقصى، وبين ضعف الحالة الكفاحية التي انطلقت في الأول من تشرين أول/ أكتوبر 2015 وأُطلق عليها “انتفاضة القدس”، وضعف القدرة على إدارة فعاليات مؤثّرة في إضراب الأسرى الجاري، الذي كان في الأساس فكرة لعضو مركزية فتح، الأسير المناضل مروان البرغوثي، وفعاليات حركته في إسناده بهذا القدر من الشحوب!
 
 باختصار، تعيش الضفة الغربية وهنًا في الفعلين السياسي والنضالي، نتيجة تجريف السلطة الفلسطينية للحياة السياسية والنضالية والحزبية في الضفة الغربية، واستغلال الانقسام الفلسطيني، لا لإقصاء حماس وحدها، وهي التي تتعرض للاستهداف الأكبر، وإنما أيضًا لتكريس نظام سياسي يهيمن على المجال العام بالمطلق دون أي مدافعة جدّية، وقد أدت هذه السياسات في النتيجة إلى إقصاء حماس عن المجال العام، وإضعاف فتح (وهذه مفارقة)، وموت بقية الفصائل الفلسطينية، والتي لموتها أسباب أخرى.
 
 في سبيل هذه السياسات، كان ثمة ضرورة لتغيير نمط حياة الفلسطينيين، بهدف هندسة المجتمع من جديد وإعادة صياغة وعيه، ومن هنا أُغرق المجتمع الفلسطيني بالضفة في الاستهلاك الفاحش ورهن حياته للبنوك، وعلى نحو يتعارض مع مهمات أي مجتمع يواجه الاستعمار.
 
 ولتعزيز إجراءات صرف المجتمع عن مهمته التحررية، اشتغلت السياسات المتعددة لخلق أجندة ثقافية جديدة له ليس فيها الصراع المباشر مع الاحتلال، وإنما تضمنت رموزًا جديدة يجري إحلالها مكان الشهداء والأسرى والمقاتلين، ويمكن ملاحظة الاحتفاء المفتعل بالمواهب الغنائية، في مقابل الطمس الواضح للشهداء وللمقاومين.
 
 مثّلت “انتفاضة القدس” محاولة مجتمعية خالصة لتجاوز هذه الحالة، لكن لم يكن ليكتب لها النجاح، في ظل سياسات السلطة، وضعف فتح وارتباطها بالسلطة، وعدم قدرة حماس على إعادة بناء نفسها في الضفة، ومن ثم ظل الغالب على المجتمع العزوف واللامبالاة.
 
 ما يمكن قوله إزاء ذلك، هو الحاجة لحالة منظمة لاستنهاض المجتمع الفلسطيني بالضفة، وأنه ليس بمقدور المجتمع أن ينقذ نفسه من أوضاعه التي غرق فيها، دون رافعة منظمة، هي في الظرف الفلسطيني، الرافعة الفصائلية، وبكلمة أخرى ما تزال الفصائل القوية والفاعلة ضرورة وطنية، وما تزال الحياة السياسية الصحية حاجة فلسطينية.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.