تفجير الكنيستين.. "داعش" والدولة.. السابق واللاحق، والمذبحة المفتوحة!

ساري عرابي يكتب لـ عربي21: تفجير الكنيستين.. “داعش” والدولة.. السابق واللاحق، والمذبحة المفتوحة!

ثمة جريمة، وأبرياء أوقعت فيهم الجريمة مقتلة، والجريمة أساسًا في استباحة الآمنين ودور العبادة، وما تلا ذلك فهو زيادة في الجريمة. هذه هي طليعة الحقائق المؤكدة وأهمها؛ في التفجيرات التي استهدفت كنيستين مصريتين أخيرًا، وهذه حقيقة تعلو على كل السياقات والظروف والملابسات وما تعلق بها من حبائل السياسة وخفاياها، فثمة عائلات مكلومة وموجوعة الآن، ويزيد من وجع فقدها وجرحها ما يبدو لها وكأنها استهدفت حصرًا لأجل دينها، وما قد يبدو موقفًا عنصريًّا من محض وجودها.
 
 هذا الموقف البدهي الطبيعي التلقائي الذي يتولد مباشرة في نفوسنا، وينعكس عنّا دون أي قدر من التصنع؛ ينطبق تمامًا على أي جريمة تستهدف آمنين وأبرياء، دون النظر في انتماءاتهم الدينية والطائفية والسياسية، ودون النظر في الفاعل، ففي حال كان الضحايا من الأبرياء؛ يكون النظر في السياق حاجة للفهم والتحليل، لا حاجة لاتخاذ الموقف الأخلاقي والمبدئي.
 
 ولكن حجم التعقيد والالتباس في الظرف العام الذي تعيشه منطقتنا، والانقسامات الطائفية والأهلية التي تعتاش عليها أنظمة الاستبداد؛ وما يماثلها من ظواهر توحش ذات طابع شعبي ناجمة عن الأحداث منذ احتلال العراق عام 2003، ثم تسارعها منذ الثورات العربية؛ تفرض تأكيد المؤكد، لاسيما وأن دراسة الحالة في سياقها قد تفتح المجال لانطباعات غير صحيحة، من قبيل إنزال التفسير منزلة التبرير، والمقارنة منزلة الموافقة.
 
 وثمة حقائق مؤكدة أخرى، تلي تلك الحقيقة المباشرة إنسانيًّا وفطريًّا، لكن ينبغي ألا تتخلف عنها عقليًّا وحسيًّا، وهي أن الفاعل سواء كان من تنظيم “داعش” أم من أجهزة الدولة أم من أي أجهزة أخرى خارجية مستفيدة؛ فإنه وإن بدا في حالة ما كـ “داعش” يستهدف المسيحيين لأجل دينهم، فقد استهدف المسلمين من قبل بالقتل وحتى في مساجدهم.
 
 الفاعل في كل هذه الأحوال -سواء أكان معلنًا كـ “داعش” أم خفيًّا كأجهزة الدولة، وسواء كانت “داعش” هي المنفذ الفعلي، أم عنوانًا تقترف الجرائم باسمه- قادر على إنتاج الخطاب الذي يناسب ضحاياه، فهو نفسه الذي يقتل المسلمين، والذي يقتل المسيحيين، أو الذي يفتعل الجرائم ويفتح بوابات الحروب الأهلية.
 
 هذا لا ينفي وجود جذور طائفية أو عنصرية يمتح منها الخطاب المصنوع، ولكن تنوع الضحايا للفاعل الواحد وتعددهم واختلاف أديانهم ومذاهبهم؛ ينبغي أن يحيل للسياقات العامة الراهنة والجارية التي تبلورت في رحمها هذه الظواهر، وتسارعت فيها هذه الحوادث، وإلا لسقطنا في خطيئة التناقض الأخلاقي، وتورطنا في اتخاذ المواقف الأخلاقية انتقائيًّا على أسس ضيقة، طائفية أو سياسية.
 
 وإذا كان هذا السقوط حاصلاً عن سوء نية كما هو حال الكثيرين ممن يعرّفون الجريمة بحسب ضحاياها، أو بحسب فاعلها، فإنه حاصل عن حسن نية، حينما تتحول محاولة التضامن مع الضحية إلى مقولة طائفية حتى لو جاءت من موقع غير طائفي، عندما تضخم مما يبدو أسبابًا خاصّة لاستهداف هذه الضحية أو تلك بالذات.
 
 هذا يجعلنا نسأل منطلقين من جملة حقائق أخرى، ما الذي يجعل أفعال “داعش” جرائم، ولا يجعل ما يشبهها من أفعال الدولة كذلك؟ هل قتلت “داعش” من الآمنين والأبرياء عدد الذين قتلتهم الدولة، في مصر، أو في سوريا، أو في العراق؟! ما الشرعية أو المرتكز الذي تستند إليه الدولة في قتلها للأبرياء مما يجعل أفعالها مقبولة ولا تحظى بالاستنكار والإدانة اللائقة؟!
 
 لم تقتل “داعش” في مصر عدد الذين قتلتهم الدولة، حتى منذ انقلاب السيسي وحتى اللحظة، وإذا كان مطلوبًا تجريد جماعات القتل والغلو من خطاباتها التي تغطّي بها جرائمها، فينبغي قبل ذلك تجريد الدولة من شرعيتها المزعومة التي تتغطى بها لاجتياح آلاف البشر قتلاً وسجنًا ونفيًا وحصارًا في الأمن والرزق.
 
 ينبغي هنا أن نسجل أن الدولة سابقة وجودًا وتجربة وفرصة على “داعش”، وعلى كل الظواهر التي تعارض الدولة، أو تختلف معها، وعلى نحو ما، وبهذه الأسبقية، فـ “داعش” وما يشبهها نتائج إخفاقات هذه الدولة، التي فشلت في كل شيء، ولم يعد لوجودها من هدف تغرينا به -من حيث تهددنا به- إلا منع الفوضى في حال تفككها.
 
 إنها تقول لنا: “لن أقدم لكم إلا الفشل، والجوع، والفقر، والتبعية، والتخلف، والتشرذم، وسوف أدير سياساتي الداخلية على تناقضاتكم، سوف أغذي هوياتكم الفرعية؛ أخوفكم من بعضكم، كي تروا وجودي ضروريًّا لحمايتكم من بعضكم، فإن اعترضتم علي، سحقتكم، أو خلقت الفوضى التي أهددكم بها”.. فما حاجتنا لدولة كهذه، هذه كل شرعيتها!
 
 إننا هنا لا نتحدث عن أسباب استفحال العنف والفوضى والطائفية في بلادنا فحسب، وإنما نتحدث عن عدد المجرمين الهائل، الذين تبدو بينهم “داعش” قزمًا صغيرًا، فهي لا تملك الطائرات ولا الدبابات ولا الأسلحة الكيماوية ولا الغازات السامّة، ولم تدمّر مدنًا على رؤوس أهلها، رغم كل جرائمها التي لا تقلل من شأنها تلك الحقائق.
 
 يمكن لـ “داعش” أن تزعم، بل هي تزعم، أنها تملك شرعية قائمة على قتال الغازي الأجنبي، الذي بدأت بقتاله منذ نسخة “التوحيد والجهاد” في العراق وصولاً إلى دولة البغدادي الحالي، وما زالت هي التي تقاتله في الموصل إلى اليوم، تمامًا كما يقتل النظام السوري وحزب الله آلاف البشر ويهجرونهم ويدمرون مدنهم باسم مقاومة العدو الصهيوني!
 
 فما الذي يحصر الإجرام والإرهاب فيها، أو في الفاعلين من خارج الدولة، أو في فاعلين محددين من خارج الدولة!؟ ولماذا لا تُعرّف الجريمة في كون ضحاياها من الأبرياء والآمنين، بصرف النظر عن الفاعل، لاسيما إن كان الفعل ممنهجًا ومستمرًا وغير طارئ إن على مستوى النية والقصد، أو على مستوى الفعل والإصرار!؟
 
 في هذا الوقت الذي يُعدُّ فيه القتلة والمجرمون بالآلاف، دولاً صغرى وكبرى، وأحزابًا وميليشيات، ومن أديان ومذاهب وطوائف وقوميات شتّى، لا معنى للبحث عن أسباب قتل خاصة تميّز هذا الفريق عن ذاك، هذا الفعل مغرق في العبثية والسذاجة ومتورط في طائفية خفية ويؤسس للتعاطف الفئوي، لاسيما إن كان القاتل لا يميّز في الحقيقة في دوافع القتل بين ضحاياهالمتنوعين، حتى وإن كان يخترع خطابًا يسوّغ فيه كل جريمة على حدة.
 
 إن تبرير القتل على أساس الاختلاف السياسي، كما فعل عبد الفتاح السيسي حينما اجتاح الأبرياء في رابعة، لا يختلف عن تبرير القتل على أساس الاختلاف الديني أو المذهبي أو الطائفي أو العرقي، وإذا كان يمكن للدولة أن تستند إلى صنميتها التي تجلعها في موضع الذي لا يُسأل عمّا يفعل، وإلى طبيعة النظام العالمي الذي يجعل الدولة في مثل هذه المكانة، فدعونا نتذكر أن هناك منشقين دائمين عبر التاريخ، لا يسلمون بمعايير الأقوياء، ويخلقون معاييرهم الخاصة.
 
 إن “داعش” تسمي نفسها اليوم دولة، وإذا كان النظام السوري وحزب الله يستندان إلى ادعاء المقاومة، فهي كذلك تستند إلى ادعائها جهاد الأمريكان في العراق منذ الغزو وحتى اليوم، ومهما قيل عن اختراقها، أو إمكانية استغلال اسمها، فإن هذا لا يغير من حقيقة قتالها للأمريكان، ولا من قدرة الخصوم دائمًا على تشويه بعضهم بالتهم ذاتها!
 
 نحن إزاء مذبحة كبرى، لم يفتح أبوابها فشل دولنا وأنظمتنا منذ ستين عامًا فحسب، ولا عودة الاستعمار الكلاسيكي لاستباحتنا من جديد، وإذلال كراماتنا، فحسب، ولا استمرار الكيان الصهيوني في فلسطين، فحسب، ولكن هذه الدولة التي فتحت أبواب الجحيم بفشلها، وذلك الاستعمار الذي رعى ذلك الفشل، يقتل فينا اليوم أضعاف ما تقتله “داعش” وأمثالها، وعلى نحو لا يقارن.
 
 وفي حال كهذه يصير نقاش الخطابات وجذوره الفكرية عدميًّا، إلا إذا رافقه جهد للتخلص من قيد الاستبداد والدولة الفاشلة، وقيد الاستعمار، حينها يمكننا أن نقف واثقين على أرض حرّة نكتشف فيها مشاكلنا الخالصة المجرّدة عن مفاعيل دولنا وأنظمتنا والاستعمار، وندير نقاشات حرّة وواثقة حول كل شيء!

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.