صوتُنا في عرب آيدل!

ساري عرابي يكتب لـ عربي21: صوتُنا في عرب آيدل!

ثمة حقيقة مؤكدة، وهي مكسب مؤكد من نضال الفلسطينيين، يكاد يكون المكسب الذي ينبغي ألا يكون محل تشكيك، ولكنه وإذ صار محل تشكيك، فينبغي ألا نستسلم ونحن نؤكد عليه في مواجهة السيولة الهادرة التي تبتلع كل شيء، وتميع كل شيء، حتى صلابتنا، ومفاهيمنا الكبرى، وأعظم وأجمل ما لدينا.
 
 المقاومة، بمعناها المباشر والصريح والواضح والمتبادر إلى الذهن، هي وحدها التي منحتنا القدرة على الصمود، وحافظت على هويتنا، وجعلتنا في موقع تدافع جدّي وفاعل مع عدونا، أي إن الصدام بالعدو، والالتحام المباشر معه، بما يستتبعه من تضحيات جسام، هو الشيء الوحيد الذي ضمن لنا الاستمرار في المعركة، وضمن لنا القدرة على تجديد الوعي.
 
 دون هذه المقاومة لا معنى لأي وسيلة نضالية أخرى مدّعاة، سواء كانت قصيدة، أو أغنية، أو لوحة، أو مسرحية، أو أي عمل آخر، فني أو غير فني، فالمقاومة هي التي تمنح المعنى، ففي حال أردنا جعل الفن وسيلة للنضال والمواجهة وتجديد الوعي؛ فإنه من المقاومة يستمد أشكاله وموضوعاته.
 
 ليست الفكرة هنا مناقشة نظرية لماهية الفن والجمال، أو انحيازًا مذهبيًّا لواحدة من نظريات الأدب والفن، ولكنها مساءلة لمقولة تدعي أن الفن يمكن أن يكون رافعة نضالية دون أن يستند بدوره إلى فعل أكبر، ومعنى أوسع، أو دون أن يقف على أرضية نضال صلبة، بل وحتى دون أن يقدّم مقولة مواجهة، بل وحتى وإن وظّف على الضدّ من النضال المحقّ وضروراته ولوازمه!
 
 الفن، بهذا التعريف، أو بهذا التوظيف، يوضع على الضدّ من المقاومة، ويوظف في مقابلها، في أمكر ما تكون المخاتلة، وأنكر ما يمكن أن تكون عليه المراوغة، لأنه يراد منه أن يكون بديلاً للمقاومة الفعلية، ويجري تدويره داخل عملية إعادة هندسة المجتمع، وخلط أولوياته، وإعادة صياغة رؤيته لدوره ونفسه وموقعه من قضيته.
 
 بطبيعة الحال، يكون الفن في هذه الحالة جزءًا من منظومة أوسع، سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية، إذ يوظف في السياق نفسه الذي يجري فيه إغراق الفلسطينيين بثقافة فردانية كثيفة، ونمط استهلاكي يفترس بالتدريج القيم الصلبة في إنسان يفترض أن دوره التاريخي أن يقاوم الاحتلال.
 
 قد يبدو الأمر مكشوفًا ومبتذلاً، حينما يصوّر الإنجاز والانتصار في صوت موهوب فلسطيني، ولكن إذا كان الأمر قد وصل إلى هذه الدرجة من الاستخفاف فهذا يعني أن مشاريع إعادة هندسة المجتمع والوعي قد وصلت حدا خطيرا من النجاح، غير أن الأمر ليس بهذا الانكشاف، لأن جمال صوت الموهوب الفلسطيني، لا يقدم صوتًّا جميلاً مجرّدًا، وإنما يقدم صوتًا فلسطينيًّا جميلاً، وفي حالة برنامج “عرب آيدل”، تتحول المنافسة إلى قضية وطنية يُحشد عليها الفلسطينيون، وتستثمر لتحديد انشغالاتهم.
 
 بالإضافة لخلق قضايا انشغال جديدة، فإن عملية إعادة الهندسة المجتمعية، تستثمر في الهوية الوطنية الناجزة، فتوظف من جديد، ولكن على قضايا أخرى، ليس منها قضية الاحتلال ومواجهته، وهذا بدوره يتطلب خلق رموز جديدة، على غير الأسس التي انبثقت عنها الرموز الفلسطينية تاريخيّا.
 
 كان الرمز الفلسطيني في مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، هو الفدائي، ثم صار الملثم في الانتفاضة الأولى، ثم صار المقاتل في ذيول تلك الانتفاضة وفي الانتفاضة الثانية، في اتساق طبيعي مع الحالة الكفاحية التي استغرقت الفلسطينيين كلهم، وفي تعبير فطري عن الوعي بدور موجات الكفاح تلك في تثبيت الفلسطينيين وتجديد وعيهم، بعد كل محاولة لتذويبهم أو أسرلتهم. والآن تصنع رموز فلسطينية جديدة.
 
 تُصنع الرموز الجديدة ضمن منظومة شاملة، منها السياسات سالفة الذكر التي أُخضع لها الفلسطينيون من بعد تأسيس السلطة، ثم تكثفت من بعد الانقسام الفلسطيني، ويستثمر في ذلك النتائج التي وصلت إليها عملية إغراق الفلسطينيين بالاستهلاك، وإزاحة التثقيف النضالي عن المجال العام، بالإضافة إلى الترهيب الأمني، والممكنات التي تتيحها ثورة الاتصالات، والإحباط الذي أصاب الفلسطينيين جراء مراوحة قضيتهم واستنزافهم بالاستهلاك أو إفقارهم وإنهاكهم، وهو إحباط يلتقي اليوم مع إحباط عربي عام، بعد انكسار الموجة الأولى من الثورات العربية.
 
 تتيح ثورة الاتصالات الإمكانية للعمل على مماهاة الفلسطينيين مع شعوب لا تخضع للاحتلال، ولا تواجه التحدي ذاته، وهنا تبدو عملية الهندسة أوضح ما تكون، إذ تعمل على تغيير الفلسطينيين، وكأنها تحل شعبًا مكان شعب آخر، وذلك بخلق قضية وحيدة للفلسطينيين، لا علاقة لها بالاحتلال، وهي في هذه الحالة قضية الرفاهية. 
 
 تُغيّر الشعوب بتغيير القضية، ولكل قضية أبطالها ورموزها، ففي حال كانت المقاومة قضية الشعب، كانت رموزه رموزا مقاومة، أما الرفاهية فرموزها أبطال قصص نجاح فردية، وفي الحالة الفلسطينية لا يكتفى بإحلال الرفاهية قضية مكان المقاومة، ولكنها تصور على أنها عملية مقاومة، وهنا مكمن المخاتلة الماكرة.
 
 في عمليات إعادة هندسة المجتمعات، لاسيما تلك الخاضعة للاحتلال، وإذا أريد إبعادها عن مكانها الطبيعي في الصراع، تُعرّف البطولة من جديد، وُيجترح ترميز جديد، وعلى الطريق لإزاحة المقاتل، الأسير، الشهيد، من موقع الرمزية والبطولة، تخلق بطولات جديدة، يُعاد لأجلها تعريف التضحية، فالتعب والسفر والإرهاق والغربة لأجل الفوز بمسابقة غنائية تضحية تثير الإعجاب والتعاطف!
 
 يجب التنبيه أن الموقف هنا لا يتعلق بمنافسة متوهمة بين أبطال ورموز من مجالين مختلفين، ولكنه موقف من تمييع مفهوم البطولة لشعب يواجه تحديًا خطيرًا من نوع التحدي الاستعماري الذي تمثله “إسرائيل”، ولديه أبطال حقيقيون، فقط فلنتذكر عدد الأبطال الحقيقيين في الحرب الأخيرة على غزّة، أو في “انتفاضة القدس”، ثم يراد طمسهم سريعًا، بخلق رموز جديدة لقضية أخرى، توظف ضد قضيتهم!
 
 مرة أخرى هذا ليس انحيازا لمذهب في الفن، ولا موقفًا فقهيًّا من الغناء والموسيقى وبرامج المواهب، ولا مراجعة لهذه البرامج من جوانبها كلها، ولا مصادرة على حق الناس في ممارسة ما يعتبرونه فرحًا، ولا موقفًا من الشبان الموهوبين المشاركين في هذه البرامج، ولكنه موقف من محاولة التهام القيم الصلبة وتمييعها ثم تذويبها وإعدامها نهائيّا!

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.