عودة العمليات الفردية في فلسطين والجدل حولها

ساري عرابي يكتب لـ عربي21: عودة العمليات الفردية في فلسطين والجدل حولها

الجمعة الماضي، 16 حزيران/ يونيو الجاري، استشهد في القدس ثلاثة شبّان فلسطينيين من قرية دير أبو مشعل القريبة من رام الله، في عملية أدت بالإضافة إلى استشهادهم، إلى مقتل مجندة صهيونية. 
 
 أحيت هذه العملية من جديد النقاش الفلسطيني حول جدوى العمليات الفردية، والواجب العام إزاء هذا النمط من العمليات.
 
 “داعش” بدورها، وفي خطوة مسبوقة من طرفها وغير مستغربة، تبنّت العملية، وكان واضحا هذه المرّة -تمام الوضوح- زيف الادعاء، فالشبّان معرفون بانتماءات فكرية وسياسية قريبة من حركتي حماس والجبهة الشعبية، ولديهم سوابق نضالية.
 
 وبصرف النظر عن أهداف “داعش” من هذا التبني، سواء كان تبنيها حقيقيّا أم منسوبا لها من أجهزة مخابراتية، فإنه -أي التبني- ساهم في خلط الأوراق حول هذه العمليات وجدواها، لا سيما أن الإسرائيلي كان ينتظر دائما فرصة كهذه، لتشويه نضال الشعب الفلسطيني، ومقاربة مقاومته من “الجماعات الإرهابية”.
 
 الأرجح أن هذه العملية فردية، كما هو شأن أكثر شبيهاتها في السنوات الثلاث الأخيرة، ولا يؤثّر في حقيقة ذلك الانتماءات السياسية والفكرية لمنفّذيها، فمن المستبعد، وبالنظر إلى أوضاع تنظيمات المقاومة في الضفة الغربية، أن يقف خلف العملية تخطيط مشترك من التنظيمين. 
 
 ولكن ثمة دلالة للمنابع الفكرية والسياسية التي انحدر منها الشبان، وهي أثر الانتماء أو الاقتراب من تنظيمات المقاومة في الدفع للمبادرة نحو فعل قتالي، ولمحاولة التغيير من الحالة السائدة في الضفة الغربية.
 
 بدأت العمليات الفردية تتسم بالكثافة العالية منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2015، بالعملية التي نفّذها الشهيد مهند الحلبي في القدس، التي صارت فيما بعد رمزا لافتتاح حالة كفاحية، أطلقت عليها أوساط فلسطينية تسمية “انتفاضة القدس”. 
 
 ولكن تلك الحالة، التي اتّسمت بكثافة العمليات الفردية، واستمرت على ذلك فترة فاجأت الجميع، كانت ذروة لمسار تصاعدي من العمل المقاوم، منذ أواسط العام 2014.
 
 مثلا، ما بين 22 تشرين الأول/ أكتوبر و10 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2014، وقعت ست عمليات فردية، أي في أقل من عشرين يوما، وقبل انفجار ما سمّي بـ”انتفاضة القدس” بعام. 
 
 تلك الانطلاقة الفعلية لهذا النمط من العمل المقاوم من بعد حرب عام 2014 على غزّة، لا تخلو من الدلالة على أثر تلك الحرب في تشكيل رافعة معنوية وتعبوية للشباب الفلسطيني في الضفة الغربية الذي افتقد مثل هذه الرافعة مع سياسات السلطة وضعف الحالة التنظيمية لفصائل المقاومة عامّة في الضفة الغربية.
 
 لا يعني ذلك أن تلك الحرب هي السبب الوحيد في صعود ظاهرة العمليات الفردية، إذ لا يمكن إهمال استحالة استمرار شعب خاضع للاحتلال دون أي فاعلية مقاومة، فالسياسات المزدوجة للاحتلال والسلطة الفلسطينية، لا بد وأن تحقق أغراضها بنسبة ما، ولكن نجاحها في ذلك لن يكون مطلقا ولا دائما.
 
 على أي الحال، المقصود أن هذه العمليات التي صارت تأتي بين فترة وأخرى، متقطعة، بعدما كانت كثيفة، هي امتداد لتلك الحالة التي اتسمت بالكثافة، والتي كانت بدورها ذروة لفعل نضالي متصاعد منذ أواسط العام 2014، ولذلك فلا يمكن قراءة هذا النوع من العمليات معزولة بذاتها عن هذا السياق المتصل.
 
 الأطراف الرافضة للعمليات الفردية يمكن حصرها في ثلاثة تصنيفات، أولها الرافضة أساسا للعمل المقاوم بصرف النظر عن شكله ونجاعته، وإن كانت تجدُ في محدودية الأثر المباشر لهذه العمليات ستارا لتزييف دوافعها الحقيقية. 
 
 وفي هذا الصنف تقع السلطة بطبيعة الحال، والعديد من المثقفين والعامّة، الذين وإن لم تجمعهم بالسلطة دوافع واحدة بالضرورة، فإنه يجمعهم بها انتفاء الإيمان بالمقاومة عموما، مع عجز عن تقديم أي تصور ممكن وملموس إن لمواجهة الاحتلال، أو لتغيير حقائق الكساح الشعبي والسياسي في الضفة الغربية، وهذا الصنف ليس موضوع هذه المقالة.
 
 أما الصنف الثاني فهو الذي يتخذ من اليوم الأول موقفا رافضا لهذه العمليات حصرا؛ لمحدودية أثرها، أو انتفائه كما يبدو في كثير منها، دون أن ينسحب هذا الموقف على مجمل العمل المقاوم. 
 
 أما الصنف الثالث، فيمكن إضافته إلى الثاني مع فارق في كون موقفه من العمليات الفردية مستجدا، بعدما لم تتطور إلى حالة كفاحية أكبر، وصار أكثرها ينتهي باستشهاد المنفذين، الذين بعضهم فتيات ومراهقون، دون أي نتيجة تذكر على المحتل.
 
 بالتأكيد، أي عمل مقاوم ينبغي أن يكون منعكسا عن تصور استراتيجي لمواجهة الاحتلال، لكن غياب هذا التصور لا يتحمل منفذو العمليات الفردية مسؤوليته ولا مباركوها من العامة والمثقفين، أو على الأقل لا يتحملون المسؤولية الأساسية عنه.
 
 وإن كان الأمر كذلك، فالواجب أولا قبل نقد هذه العمليات أو نقد منفذيها، نقد الأوضاع التي أدخلت الفلسطينيين في حالة الشلل سابقة التوصيف، التي من صورها سياسات السلطة، وتغييب كل أشكال السياسة والثقافة الوطنية فضلا عن العمل المقاوم المنظم عن ساحة الضفة الغربية.
 
 ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار حين مناقشة هذه العمليات، قبولا أو رفضا، السياق الكبير الذي حملها، منذ ثلاث سنوات على الأقل، فهذه العمليات نتيجة لجملة عوامل تتفاعل؛ قد تكون دعاية فصائل المقاومة وأنصارها واحدة منها، ولكنها ليست العامل الوحيد ولا الحاسم، وإلا فهذه الدعاية موجودة قبل ذلك بزمن طويل دون أن ينعكس عنها أثر مباشر حينها.
 
 هل يمكن -مثلا- التصور أن تُشن على غزة الحروب الطاحنة المتواصلة منذ عام 2008 على الأقل وحتى عام 2014، وأن يستمر الحصار المفروض عليها إلى اليوم، وأن تحقق فيها فصائل المقاومة في المنازلة العسكرية أداء مُلهما؛ دون أن يكون لذلك أي وقع على الشباب الفلسطيني في الضفة، الذين يطرح المئات منهم أسئلة أخلاقية على أنفسهم عن موقعهم تجاه الحصار على غزة، وعن واجباتهم تجاه اعتداءات المستوطنين على سكان الضفة وعلى المسجد الأقصى؟ وعن الاختلاف الفاضح في الظروف بينهم وبين إخوانهم في غزّة؟ 
 
 هل يمكن أن يستمر الحال كذلك سنوات طويلة دون أي مظهر من مظاهر الفاعلية ومحاولة الفعل والتغيير؟!
 
 بالتأكيد، كان ثمة من أمل في أن تحدث هذه العمليات ثغرة في واقعنا المصمت، أما وأن هذه الثغرة لم تنفتح بعد، فينبغي -والحال هذه- ألا يكون أحدنا على النقيض من فعل المبادرة مهما كان رأيه في شكله وجدواه الآنية.
 
 هذه العمليات، فيما هو قائم حتى الآن، ليست الفعل المقاوم القادر على مواجهة الاحتلال، ولا يمكن لأحد أن يدعو إليها على هذا الأساس، وبعضها قد يكون مُحزنا في شكله ونتائجه، أمّا وهي مبادرة فردية خالصة، تعبر على نحو ما عن طهارة أصحابها غير المشوبة، ودوافعهم النقية. 
 
 فالنقد ينبغي أن يتوجّه للواقع والسياسات التي أنجبته، وبالضرورة التي لم تجعل للشبان منفّذيها من سبيل سواها.
 
 فصائل المقاومة أيضا، ليست محمية من النقد.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.