سعيد فودة لـ"عربي21": مشاركتي بمؤتمر الشيشان علمية لا سياسية
قال إن الخلافات بين الأشاعرة والسلفيين خلافات أصلية في العقائد- أرشيفية

سعيد فودة لـ”عربي21": مشاركتي بمؤتمر الشيشان علمية لا سياسية

أكدّ الداعية والمنظر الأشعري الأردني، الدكتور سعيد فودة، أن مشاركته في المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين، المنعقد في مدينة غروزني، عاصمة جمهورية الشيشان، في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، كانت علمية محضة، وليس لها أي أبعاد سياسية كما تشيع أطراف مختلفة. 
 
 وأوضح الداعية الأشعري فودة في مقابلة خاصة مع “عربي21” أنه عالم وباحث مستقل، ولا ينتمي إلى أي اتجاه سياسي، ولا يرتبط بأي دولة من الدول، ولا يعني حضوره للمؤتمر موافقته على أي سياسات ظالمة، أو مباركة أعمال القتل التي تقترفها بعض الأنظمة السياسية كما يجري في سوريا والعراق وغيرها من البلاد الإسلامية في أنحاء الأرض.
 
 وبيّن فودة أن إخراج السلفيين من مسمى أهل السنة والجماعة بحسب المفهوم من البيان الختامي للمؤتمر، يتوافق تماما مع ما هو مقرر في كتب الأشاعرة والماتريدية، ولم ينفرد المؤتمر بذلك، وهم يعنون بالسلفيين أتباعَ ابن تيمية، ومن بعده محمد بن عبد الوهاب، وكل من تابعهما في تقريراتهما واختياراتهما العقائدية، والتي انحرفا بها عن عقائد السلف المقررة في مجموعة من المسائل المعروفة للعلماء. 
 
 ولفت إلى أنه يختلف مع المدرسة السلفية المعاصرة، اختلافا عقائديا أصليا،وهو يصرُّ على تسميتها بالتيّمية الوهابية لأن انتماءها الفكري والعقدي المسلَّم به هو لابن تيمية ولمحمد بن عبد الوهاب، ولا يسلَّم رجوع مبادئها وآرائها للسلف الصالح، ويأتي في مقدمة هذه الاختلافات مجموعة مسائل وأحكام في الإلهيات. 
 
 وأضاف فودة: فابن تيمية شيخ السلفية الحالية يثبت لله الحدود، بمعنى أن الله محدود، وله نهايات وغايات في وجوده وله حيز يشغله بمعنى أنه ممتد في الأبعاد، مع إثبات معنى الجوارح والأعضاء التي نصَّ الإمام الطحاوي وغيره من أعلام السلف على نفيها عن الله تعالى،والحركة لله، وقيام الحوادث به، ما يلزم منه إثبات معنى الجسمية لله.وهذه بعض المسائل الأصلية التي يخالف فيها التيمية الأشاعرة والماتريديةَ مخالفة صريحة ولا يوجد لديهم عليها حجة من الكتاب والسنة ولا من السلف الصالح بحسب فودة. 
 
 واستغرب فودة استنكار جهات وشخصيات سلفية وهابية عدمَ دعوة القائمين على المؤتمر للمؤسسات السلفية الرسمية والشخصيات العلمية السلفية لحضور المؤتمر والمشاركة فيه، متسائلا: متى كان السلفيون وقد عقدوا مئات المؤتمرات من قبل يدعوننا إلى مؤتمراتهم؟ فلماذا يطالبوننا بذلك وهم يعلمون ما بيننا وبينهم من خلافات عقائدية أصلية؟.
 
 ورأى فودة أن السبيل الأمثل والأقوم لإدارة خلافات السلفيين والأشاعرة والماتريدية هو الحوار العلمي، مع احترام كل طرف للآخر، مستنكرا اللجوء إلى السلطة (أي سلطة) والاستقواء بها لإسكات المخالف الديني وقمعه، معتبرا ذلك سلوكا مشينا لا يليق بأهل العلم والدعوة، وينبغي أن يتنزهوا عنه، لأنه لا يجوز شرعا، ويتنافى مع مكارم الأخلاق. 
 
 وفيما يلي نص الحوار: 
 
 **من هي الجهة القائمة على تنظيم المؤتمر وتمويله؟
 
 الجهة الداعية والمنظمة للمؤتمر هم الشيشان أنفسهم، وصاحب الفكرة الأساسية هو المستشار الديني للرئيس الشيشاني، آدم شهيدوف، وقد تم تنظيم المؤتمر بالتواصل والتشاور مع الأزهر الشريف والإفتاء المصري والشيخ علي جمعة، والشيخ الحبيب على الجفري، وآخرين، ومعي كذلك في جزئيات معدودة، وأبديت موافقتي على المشاركة منذ ما يقارب سبعة أشهر، ولم أهتم بمكان انعقاده، لأن القضية المطروحة قضية علمية محضة، وليس مهما عندي مكان انعقاده.
 ومن المنطقي أن ينعقد في بلاد الشيشان لأن المشكلة التي يبحث عن حل لها واقعة في بلادهم لا بلاد غيرها، فالتساؤل عن مكان انعقاد المؤتمر لا يراد به إلا التشغيب والمغالطة. والمهم في المؤتمر أنه لم تمارس حكومة البلاد أي ضغوط سياسية ولا توجيهية على العلماء والمشاركين في المؤتمر، ولم يحدث شيء من الإملاء والتوجيه أبداً، وأنا لا أقبل بذلك لنفسي أبداً. وأما التمويل فلا أعتقد أن أي دولة عاجزة عن تمويل مؤتمر بهذا الحجم، بل إن بعض المؤسسات قادرة على ذلك وحدَها.
 
 **لماذا تم استثناء المؤسسات الدينية الرسمية (السلفية)، والشخصيات العلمية السلفية في السعودية ودول الخليج وغيرها من الدول الأخرى من المشاركة في المؤتمر؟
 
 كثير من الناس أثاروا هذا الأمر وكأن الواجب أن يدعو هذا المؤتمر جميع الناس على ظهر الأرض، وما دام لم يتمّ دعوة مندوبين عن هذه الجماعات أو المدارس فقد تمَّ استئناؤهم خلافا للأصل المفترض، ولكن في نظري أن الموضوع ليس استثناءً بهذه الصورة، ويركز كثيرون على أنه لم لم يتم دعوة السلفيين (التيمية والوهابية)، وهذه مغالطة أخرى،فالوضع الطبيعي أن لا تتم دعوتهم من الأساس، لأنهم مخالفون للمؤتمرين مخالفة أصلية، بل إن أتباعهم هم من سبَّب الفتنة لأهالي تلك البلاد التي نظمت المؤتمر، فلماذا يُدعون إلى مؤتمر يرون أهله من أتباع العقائد الضالة والمنحرفة؟ ثم متى كان السلفيون يدعون الأشاعرة والماتريدية إلى مؤتمراتهم وندواتهم؟ ونحن لا نغضب من ذلك فلماذا يطالبوننا بدعوتهم إلى مؤتمراتنا وندواتنا؟
 
 وأود في هذا السياق توضيح قضية هامة، فبلاد الشيشان وسائر الجمهوريات الإسلامية الأخرى، جمهوريات إسلامية قديمة، ووصلها الإسلام منذ عهد الصحابة، والمذاهب الفقهية المنتشرة عندهم هي الشافعية والأحناف، وعقائديا الأشاعرة والماتريدية، ولا يعرفون غير ذلك، ودخول السلفية إلي بلادهم كان أمرا طارئا منذ ما يقارب عشرين سنة، وأنا أسميهم (تيمية ووهابية)، وهذا توصيف لما أراه يطابق الواقع مطابقة تامة، وبعد دخول ذلك المذهب (التيمي الوهابي) إلى بلادهم بدأت موجات التكفير والتبديع والتضليل، مع عدم مراعاة الطارئين الجدد لمذاهب الآخرين واحترامها، بل أرادوا فرض عقائدهم ومناهجهم على الآخرين، عبر احتكار مسمى أهل السنة والجماعة، وقصره عليهم، من هنا جاءت فكرة المؤتمر، لتقرير من هم أهل السنة والجماعة، ومن الطبيعي أن يُدعى إلى ذلك علماء الأشاعرة والماتريدية، وليس مَنْ أحدث المشكلة وأثارها هناك وهم أتباع المذهب التيمي والوهابي.
 
 وقد تمت دعوة بعض الشخصيات العلمية السعودية، كالدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني، لما يعرف عنه من إنصاف وموضوعية، وسعة أفق وقبوله بالآخر، وقد كان مناقشا ومعارضا أتيحت له الفرصة الكاملة بالمداخلات والتعقيب على كثير من الكلمات والأوراق المطروحة في المؤتمر، وقد سعدت بلقائه ومناقشته بكل ودٍّ واحترام مع وجود اختلافات بيننا في مجموعة من المسائل.
 
 وتم دعوة كثير من الشخصيات والعلماء من اليمن والأردن والسعودية والكويت والإمارات والبحرين. 
 
 **ما هي أبرز الموضوعات التي طُرحت في المؤتمروأهمها؟
 
 فكرة المؤتمر المركزية تمحورت حول تحديد من هم أهل السنة والجماعة، لأن أصل الدعوة الموجهة للمشاركين كانت تريد منهم الرد على تشكيك (التيميين والوهابيين) بأن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة، فجاءت أوراق المؤتمر لتبين من هم؟ ولتبين تاريخ نشأتهم، وما هي أصولهم وعقائدهم، وما هي خصائص أهل السنة والجماعة الأصولية والفقهية، والآثار التي تترتب على ترك مذهب أهل السنة والجماعة، والمشاكل والتحديات التي تواجه الأشاعرة والماتريدية المعاصرين، وكل الأوراق المعدة للمؤتمر كانت تخدم هذا التوجه، وكذلك سائر المناقشات والمداخلات.
 
 **هل ما قرره المؤتمر في بيانه الختامي من قصر مسمى أهل السنة والجماعة على الأشاعرة والماتريدية وإخراج (السلفية) منه يتوافق مع ما هو مقرر في كتب الأشاعرة المعتمدة والمقررة أم أن المؤتمر انفرد بذلك؟. 
 
 
 ما ينبغي قوله هنا أن الأشاعرة والماتريدية داخلون قطعا في مسمى أهل السنة والجماعة مع آخرين بالطبع، لكن ما وقع الخلاف بشأنه هو إدخال السلفية فيه، وهنا لا بد من التساؤل من هم السلفيون المعنيون بذلك؟ وأنا أرى بكل صراحة ووضوح أن المذهب السلفي الحالي هو مذهب تيميٌّ وهابي، ولا يمثل ما كان عليه السلف الصالح، فالسلفية المعاصرة هم أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ولهم الحقّ في اعتقاد ذلك وتبنيه، وهم من سيلاقي الله عليه.
 
 وأنا معنيٌّ في هذا السياق بتحرير الحالة العلمية، وليس أي شيء آخر، فالموجود في الساحة أشاعرة وماتريدية وسلفية، وأنا من ناحية علمية محضة، لا أرى السلفية الحالية تمثل عقائد السلف الصالح، بل هي امتداد للعقائد التي قررها ابن تيمية، وتابعه عليها محمد بن عبد الوهاب، فلا نسلم لهم ابتداء دعواهم أنهم هم أتباع السلف، ونحن نخالفهم في ذلك مخالفة جذرية، بل نرى نحن الأشاعرة أن جذورنا وأصولنا سلفية ولدينا الأدلة والبراهين على ذلك.
 
 وأود التأكيد على أن السلفي المعاصر حينما يقول أنه من أتباع السلف، عليه أن يعلن انتماءه الصحيح فهو على الحقيقية تيّمي وهابي، وعليه أن يفكَّ دعوى الارتباط الذي يزعمه بديهيا أو مسلَّماً بين مذهبه الحقيقي وبين مذهب السلف الصالح، إذ إن قوله أنه سلفي على منهج السلف الصالح لا يعدو أن يكون دعوى، ونحن لا نسلم لهم بها، بل نرى أنهم خالفوا عقائد السلف المقررة، وجاءوا ببدع لا أصل لها في الدين، وخالفوا بها عقائد السلف الصحيحة.
 
 **بماذا ترون السلفية الحالية خالفت منهج السلف الصالح؟ وبماذا أخرجتم أتباعها من أهل السنة والجماعة؟.
 
 السلفية التي نتحدث عنها هي سلفية ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وقد تابعهما السلفيون الحاليون عليها، ومن أبرز وأهم القضايا التي أخطأ فيها ابن تيمية وخالف بها عقائد السلف، وبها نخرجه من أهل السنة والجماعة، إثباته الحد لله تعالى، بمعنى أن الله له طول وارتفاع وعرض، بما يلزم منه أن يكون الله جسما، فالله عنده له مقدار، ويشغل حيزا، وله في ذاته حجم، وأن الله محدود من كل الجهات الست. 
 
 كما أن ابن تيمية يعتقد أن الله يتحرك، وتقوم في ذاته الصفات الحادثة، وأن الله يوجدها في ذاته، وأن الله يتصرف في نفسه، ويحدث لنفسه صفات لم تكن موجودة من قبل، ويقول بأن الله لا يكون خالقا إلا إذا خلق بالفعل، وهنا نشأت مسألة القدم النوعي للعالم، لأن قوله ذلك يقتضي أن يكون مع الله خالقا في كل وقت منذ كان، ونحن نقول أن الله خالق وإن لم يخلق، ولا يلزم أن يخلق بالفعل حتى يوصف بالخالقية، فهو خالق قبل الخلق سبحانه لأنه سبحانه قادر على الخلق، وهذا ما قررته العقيدة الطحاوية بكل وضوح.
 
 ولا ندري كيف أوجب ابن تيمية على الله أن يكون خالقا في كل وقت؟ وأنه إن لم يخلق في وقت ما كان ذلك نقصا لله تعالى! فالله خالق قبل الخلق وبعده، كما يقول أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة: “ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري”. وهذه هي مسألة قدم العالم النوعي التي أخطأ فيها ابن تيمية بسبب تصوره أن اسم الخالق يقتضي أن يكون خالقا في كل وقت وحين، ما يلزم منه وجود نوع من الخلق مع الله منذ الأزل.
 
 وما أود تأكيده في هذا السياق أن المؤتمر الذي شاركت فيه، أخرج سلفية ابن تيمية والوهابية من مسمى أهل السنة والجماعة، وليس صحيحا ما قاله الدكتور علي القرة داغي، والدكتور أحمد نوفل من الجامعة الأردنية، وغيرهم من أن المؤتمر أخرج الإخوان المسلمين من أهل السنة والجماعة، لأن الإخوان حركة دينية سياسية، ولا تتبنى مذهبا عقائديا محددا، ففيها السلفي والأشعري والماتريدي والصوفي واتجاهات أخرى، فكيف يخرج المؤتمر الإخوانيَّ الأشعري أو الماتريدي؟ هذا ليس صحيحا وقد انساقوا وراء ما قالته الجزيرة ووسائل إعلام أخرى.
 
 وليس صحيحا كذلك ما قالوه عن حضور عدنان إبراهيم، وأحمد حسون، لأنهما لم يحضرا، وأنا أعتبر الأول منحرفا في كثير من آرائه وأفكاره.
 
 كما أنني أستغرب تماما من إصرار الشيخ القرضاوي على إدخال السلفية في أهل السنة، واعتبارهم قطاعا واسعاً، مع أنه ينبغي عليه ان يعلم تماما الخلافات الظاهرة بينهم وبين الأشاعرة الذين يقول عنهم في بعض لقاءاته المسجلة إنهم يشكلون 95% من المسلمين. وكان عليه أن يعترف بوجود نزاعات بين الفريقين وأن يدعوهم إلى المراجعات العلمية لإزالة ما يمكن إزالته منه، لا غضّ الطرف عما هو واقع يستلزم حلاً علمياً، لمجرد أغراض سياسية مخالفة لأصول البحث العلمي الواجب عليه بصفته مشتغلا بالعلوم الدينية، ولا يخفى أن ضمّ الفريقين تحت لقب أهل السنة يستلزم التناقض الداخلي في أصولٍ بين أهل السنة وهو ما لا ينبغي لباحث منصف أن يقع فيه.
 
 وفي الحقيقة أنا أستغرب ما قاله الدكتور أحمد نوفل في حديث إذاعي (مع محبتي الشديدة له وتقديري الكبير لشخصه)، أن المؤتمر أخرج الإخوان المسلمين من أهل الملة،وهذا يعني أن المؤتمر كفرهم!وهذا ليس صحيحا. وما أكثر الدعاوى والتشنيعات التي ألصقت بهذا المؤتمر بغير حقٍّ.
 
 فالمؤتمر لم يخرج الإخوان المسلمين كجماعة دعوية وسياسية من أهل السنة، وإنما من كان سلفيا (تيميا وهابيا) منهم-وما أكثرهم!- فقد أخرج هو نفسَه من أهل السنة والجماعة.وهذا يستلزم سؤالاً ينبغي أن يبعث قيادات الإخوان على إعادة أنفسهم!
 
 ما هي طبيعة خلافاتكم مع السلفية الحالية؟
 
 خلافاتنا معهم خلافات أصولية وعقائديةوبعض الاختلافات الفقهية فضلا عما يترتب عليها من تصرفات، ففي الإلهيات نختلف معهم اختلافا جذرياً في مجموعة من المسائل وقد ذكرت أهم القضايا في الجواب السابق، وأزيد على ذلك أنهم يثبتون الصفات العينية (صفات الذات أو الأعيان)، فهم يثبتون ما يصدق عليه لفظ الأعضاء والجوارح لله على أنها صفات لله تليق به، كاليد والساق والقدم…
 
 وابن تيمية ومن يتبعه مثل بعض شراح الطحاوية المعاصرين يقول إن نفي الأعضاء والجوارح عن الله تعالى، يستلزم نفي صفات ثبتت لله بالنص! وقولهم هذا غريب،فما هي الصفات التي ننفيها عن الله حينما ننفي الجوارح والأعضاء عن الله؟ وأهل السنة يؤوِّلون ما وردَ من ألفاظ توهم ذلك بما يناسبها من المعاني بحسب الوارد في لغة العرب؟ نحن في هذا على ما قرره أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة: “وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات”.
 
 وأود أن أضيف هنا أن كثيرا من السلفيين يستغربون حينما نقول لهم إن ابن تيمية يثبت الحدود لله، ويثبت له الجوارح والأعضاء، وما إلى ذلك من صفات التجسيم والتشبيه، يقولون بأن هذا افتراء على ابن تيمية، ونحن على استعداد لإثبات ذلك من كتب ابن تيمية، ولدينا الأدلة والبراهين على ذلك. وقد تتبعت ذلك كله وأثبته من كلام ابن تيمية في كتابي “الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية”وفي غيره من الكتب كما أثبتُّ أنه قائل بالقدم النوعي للعالم ووجوب دوام كون الله خالقا بالفعل…الخ
 
 بالإضافة إلى مخالفتنا لهم في أمور أخرى مثل مسارعتهم في التكفير وعدم قبولهم للرأي الآخر، والمجازفة في التبديع والتفسيق، واتهام الناس بالباطل، وخروجهم عن المذاهب الفقهية المعتمدة في بعض المسائل.
 
 **كيف تشاركون في مؤتمر نظمته دولة ضالعة في قمع أبناء شعبها، ومتحالفة مع دولة متورطة في قتل أهل السنة في سوريا؟.
 
 ما أود قوله أن الشيشان هم من يقررون سياسات بلادهم، وهم أصحاب الاختيار والقرار السياسي، وقد اختاروا وقف القتال سابقا مع روسيا، والتحالف مع روسيا الاتحادية، فهذا شأنهم واختيارهم، وليس لنا أن نشترط عليهم فكّ ذلك التحالف مع روسيا حتى نشارك في المؤتمر، ومشاركتنا فيه لا تستلزم كما يزعم من زعم أنه موافقة لروسيا على ما تقوم به في بعض البلاد العربية مما يعود بالضرر على المسلمين فيها، والربط بين هذا وذاك مجرد مغالطة يريد القائلون بها التشنيع على من شارك في المؤتمر بغير وجه حقٍّ، كل ما في الأمر أنهم أرادوا عقد المؤتمر لتحديد من أهل السنة والجماعة، ردا على حملات التشكيك التي يشنها الوهابية ضدهم ويبدعونهم بحجة أنهم أشاعرة وماتريدية، وإخراجهم من مسمى أهل السنة والجماعة، فحضورنا المؤتمر والمشاركة فيه: حضورٌ علمي محض، ومشاركة علمية لا علاقة لها بالسياسة ومواقف السياسيين.
 
 وأنا لا أرى أي تلازم بين انعقاد المؤتمر وتورط روسيا في قتل الشعب السوري، فروسيا متورطة في ذلك قبل انعقاد المؤتمر، كما أن الحرب في سوريا قائمة ومشتعلة قبل التدخل الروسي هناك، وما أود تأكيده أننا مع الشعوب الإسلامية في مطالبها المشروعة، وضد الأنظمة الظالمة والقاتلة لشعوبها، ولا نقر بذلك أبدا، ومشاركتنا في المؤتمر لا تعني موافقتنا على قتل الأبرياء من أبناء الشعب السوري، ونستنكر ذلك بشدة، ونعتبر كل ما يقال في هذا السياق من قبيل المزاودات السياسية الفارغة. 
 
 وأنا أدرك تماما أن الدول تسعى لتوظيف المذاهب العقائدية والدينية في صراعاتها السياسية، وهذا يكاد ينطبق على الجميع، فلا داعي للمزاودات التي لا تغير من وقائع الأمور التي نعرفها جميعا، وبالنسبة لي ليس صحيحا ما نُسب إلي من أنني قلت أمام الرئيس الشيشاني: أن أكبر خطر يواجه أهل السنة والجماعة هو ابن تيمية وفكره، لأن الرئيس الشيشاني لم يكن حاضرا حينما تكلمت بذلك، وما قلته في المؤتمر أعتقده وأؤمن به، قبل المؤتمر وبعده، ولا علاقة للسياسة وصراعات السياسيين بما قلته في هذا المقام.
 
 **ألا ترى أن المؤتمر والمشاركين فيه وقعوا في براثن التوظيف السياسي، والمتمثل بحشد علماء الأشاعرة والماتريدية لمواجهة خطر حركات السلفية الجهادية في الشيشان وغيرها من الدول الأخرى؟.
 
 خلافات الأشاعرة والماتريدية مع السلفية التيمية والوهابية خلافات قديمة، وهي خلافات حقيقية في العقائد والأصول، وبالنسبة لي حينما أشارك في مؤتمر من المؤتمرات فإنني أقول ما أراه حقا، ولا يهمني إذا كان ذلك يوافق هذه الدولة أو تلك، فهذه عقيدتي وهذا مذهبي، وأنا أدعو إلى ذلك، وأسعى لنشره كتابة وتأليفا وتدريسا ومشاركة في المؤتمرات هنا وهناك، وما نفعله نحن الأشاعرة يفعله غيرنا، فلماذا ينتقدوننا بما يفعلونه هم تماما؟ 
 
 نحن بكل صراحة وبوضوح تام نرى أن خطر التيمية والوهابية عقائديا ودينيا واجتماعياخطر كبير، ومذهبهم العقائدي منحرف عن منهج السلف الصالح، ومن واجبنا الديني التصدي لهذا الفكر المنحرف، فهذا الفكر ينتج الغلوَّ والتطرف، وأتباعه لا يتورعون عن تكفير المخالف وتضليله وإخراجه من أهل السنة والجماعة، وليتهم توقفوا عند هذا الحد، بل تعدى الأمر إلى قتل المخالف وتصفية العلماء الأشاعرة والماتريدية كما في العراق وسوريا، تحت عناوين الردة والمرتدين، والتعاون مع الدول الكافرة والمرتدة على حد قولهم.
 
 **ما هو تصوركم لإدارة الخلافات العقائدية القديمة الحديثة بين الأشاعرة والماتريدية من جهة والسلفية من جهة أخرى؟.
 
 الحوار أولا وأخيرا، والقبول بالآخر مع مناقشته ومحاورته علميا بكل أدب واحترام للمخالف، والأخذ بمبدأ التعايش السلمي مع وجود الاختلافات بينهم، وعدم اللجوء إلى السلطة أي سلطة لإسكات المخالف، أو الاستقواء بها لقمع الإسلاميين الآخرين، وأود أن أقول أنني عارضت فصل أساتذة شريعة سلفيين من الجامعات الأردنية، بسبب مذهبهم العقائدي، وقد قلت هذا حينما سئلت واستشرت من قبل مسؤولين أردنيين، وما أُفْتِي به تحريمُ ذلك، فلا يجوز بحال لجوءُ أي طرف إلى السلطة لقمع المخالف الديني، فهذا لا يجوز شرعا ومناف لمكارم الأخلاق، بل واجب العلماء والدعاة عدم التورط في ذلك، ولا ينبغي أن تحملهم الخلافات المذهبية على الاستقواء بالحكومات لقمع مخالفيهم من أي طرف كان.
 
 مع التأكيد على أننا حين نقول إن التيمية والوهابية ليسوا مندرجين في أهل السنة والجماعة فهذا لا يعني تكفيرهم أو استباحة أموالهم، ولا تجويز ظلمهم، كما لا يعني أن جميع أقوالهم مخطئة فالمساحة المشتركة معهم واسعة، غاية الأمر أن هناك مسائل معينة فيها اختلاف بيننا وبينهم ونرى أنهم خالفوا الكتاب والسنة فيها كما خالفوا السلف، فضلا عن مخالفتهم للأدلة الظاهرة، وهذا يستلزم دعوتنا لهم بمراجعة أقوالهم وإعادة النظر في مواقفهم كما نعيد نحن النظر في مواقفنا عندما نرى نقداً، أو مخالفة، فإن كان الناقد مصيبا وجب التراجع.