المعنى في بطن البابا!

سليم عزوز يكتب لـ عربي21: المعنى في بطن البابا!

لم يكد البابا تواضروس ينتهي من تهديده، بالغضب المسيحي، حتى كان لقاء السيسي به ومعه “المجمع المقدس”، بعد أيام قضاها التلفزيون المصري الرسمي وعدد من القنوات الخاصة في عملية بث لزيارة سابقة لقائد الانقلاب العسكري للكنيسة، وتهنئة المسيحيين بأعيادهم في حفاوة بالغة من جانبهم، ولم يحقق البث المتواصل المراد، فكان “اللقاء الجامع” الذي قرت به عين البابا ومن حوله!
 
 ليس عندي رغبة بالخوض في هذه العلاقة، التي تبدو لي أنها بين “البصلة وقشرتها”، ومنذ أن حشد البابا أتباعه، للخروج ضد الرئيس المنتخب، الذي لم “يجُر” على حقوق القوم، وكان أن واصل نفس سياسة مبارك، في التعامل مع البابا على أنه “ولي أمر المسيحيين”، دون أدنى استفادة من هذه المعاملة، التي كانت تمكن المخلوع وحزبه من أصواتهم في جميع الانتخابات، وبإشارة من البابا الراحل، الذي أعلن في اليوم الأول لثورة يناير أنهم مع مبارك!
 
 وهذا الخروج لم يكن فقط في يوم 30 حزيران/ يونيو 2013، ولكنه بدأ منذ حصار الاتحادية الأول، وقد شاهدت في هذا اليوم قساوسة ورهباناً، في ميدان التحرير، وعندما وصلت للاتحادية، وجدتهم أيضاً هناك، وكان الحضور المسيحي لا تخطئه عين، فالكنيسة كالأزهر، كلاهما جزء من الدولة العميقة، ومن مكونات الثورة المضادة، وكُلل هذا بالمشهد “الكهنوتي” بجلوس البابا وشيخ الأزهر حول الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، في يوم انقلابه العسكري، وتعطيله للدستور، وحله للبرلمان، وعزله للرئيس!
 
 وإذا لم تكن لدى الرغبة في الخوض فيما بين “البصلة وقشرتها”، فإن ما يهمني هنا هو سبر أغوار الأزمة، التي استدعى لها المجتمع، فغدا خماصا وبطاناً، دفاعاً عن دولة القانون التي تنتهك، وتبين أنه استدعاء مضلل لتحقيق مطالب طائفية تكرس من وجود “أشباه الدولة” بحسب وصف السيسي نفسه، وهى الحالة التي أنتجت موقعا سياسيا فيها للبابا، وجعلته من مراكز القوى، يهدد فيرضخ من يسمونه رئيساً، ويجري التعامل مع تواضروس على أنه رئيس الحزب المسيحي المصري!
 
 لقد كانت البداية بأحداث جرت في بعض المحافظات، من اعتداء لنفر من المواطنين على بيوت تم تحويلها إلى كنائس، وكما يحدث في هذه المجتمعات، وفي مشاجرات بين مسلمين ومسلمين، من تحرك لرأب الصدع بالصلح في جلسات عرفية، يقرها القانون بالمناسبة، لكن في الحوادث الطائفية، فإن هناك من ينطلقون للتنديد بها، دفاعاً عن دولة القانون! وهي نظرة للموضوع بعين واحدة، فالقانون جرى انتهاكه منذ البداية؛ بتحويل مبنى إلى كنيسة بدون الحصول على الترخيص القانوني، وإذا كان لا يجوز لآحاد الناس أن يفتئتوا على حق الدولة في تطبيق القانون، فإن الموضوعية كانت تحتم إدانة هذا الخروج وذاك على القانون “في نفس واحد”، وهذه الموضوعية تدفعنا للتساؤل عن الوضع السياسي الذي يرتبه القانون للبابا؟.. وهو ليس أكثر من أب روحي لأتباعه!
 
 لقد جرى النفخ في الحبة لتصبح قبة، وفيما جرى في محافظة المنيا من اعتداء من قبل أفراد على بناء كنيسة بدون ترخيص، والذي من الواضح أن الأجهزة المنوط بها تطبيق القانون لم تتحرك لوقف هذا الخروج على القانون، بل لا أستبعد أن تكون هي من دفعت الأفراد لتطبيق القانون لأنها تستشعر الحرج من تطبيقه!
 
 وقد جرى استغلال حادث الاعتداء في الاحتشاد، والحديث عن الانتهاكات التي يتعرض المسيحيون لها في مصر، وكان العنوان الجامع هو “رثاء دولة القانون”، وكانت المبالغة في ردة الفعل، توحي بأن الموضوع أكبر من اعتداء على كنيسة غير مرخصة، فهذه حوادث متكررة على ندرتها، وتم التهديد بمظاهرات أمام البيت الأبيض، وهو استدعاء للخارج يوقع ضرراً بوطنية الداعين إلى هذا!
 
 وجرى توحيد الخطاب، فلا تكاد تميز بين طائفي مثل مجدي خليل، وباحث محسوب على القوى المدنية مثل “عماد جاد”، ودخل القمص “مرقص عزيز” على الخط، ووجه الاتهام للسيسي بأنه خدع الأقباط، ورماه بالخيانة، ووصفه بأنه أسوأ رئيس في تاريخ مصر!
 
 وهذه الحملة المنظمة دفعت المرء لأن يسأل: ماذا هناك؟! إلى الحد الذي دفع المدني والطائفي، والمتطرف والمعتدل، للاحتشاد، لا سيما وأننا أمام اتهام بالاضطهاد دون توضيح، وقد ساهم بعض المنتمين لقوى الشرعية في الحملة، بترويجهم لفيديو “مرقص عزيز”، ومن قام بإعداد للبث على مواقع التواصل الاجتماعي كان من الذكاء بمكان إلى حد أنه اكتفى بالهجوم على السيسي، دون ذكر الأسباب ومن الواضح أن القمص المذكور ذكرها، ولو علمها من ساهموا في ترويج الفيديو لوقفوا على أنها “خناقة مصارين البطن” بين السيسي وحلفائه، وأن البابا “يلوي ذراع” حليفه لتحقيق مكاسب طائفية!
 
 بدا القمص “مرقص عزيز”، ليس معروفاً لكثيرين ممن روجوا هجومه، فهو شخصية متطرفة، وهو صاحب مقولة “نحن أصحاب البلد وأنتم مستعمرون” يقصد المسلمين. لكن بدا أنه جرى توظيفه في حملة البابا، والذي تصدر المشهد بعد هذه “الزوبعة” وأعلن بأنه أصدر أمراً لأقباط المهجر في الولايات المتحدة الأمريكية بالتراجع عن التظاهر ضد الأحداث الطائفية الأخيرة، وأن الكنيسة تسيطر “حتى الآن” على غضب الأقباط في الداخل والخارج لكنها لن تصمد كثيرا أمام الغضب”!
 
 فالأقباط غاضبون إذن، والكنيسة تسيطر إلى الآن، لكن سيطرتها لن تصمد كثيراً أمام هذا الغضب العارم، وأن البابا في موقع من يصدر “الأوامر” فأصدر أوامره لأقباط المهجر بعدم التظاهر!
 
 اللافت أن حضور البابا بهذا الشكل الخشن، والمتجاوز لحدود دوره الروحي، لم يستدع غضباً من “دعاة الدولة المدنية”، ولم ير فيها “حماة دولة القانون” ما يؤرق وجدانهم وضميرهم الحي!
 
 في تصريحاته، حرص البابا على أن يُظهر سبب الأزمة فليس صحيحاً أنها بسبب الحوادث الطائفية الأخيرة، ولكن بسبب قانون الكنائس، فقد ذكر أن “الغضب يرجع لخشية من إقرار قانون تنظيم بناء الكنائس، وقد تضطر الكنيسة لرفضه لأنها لن تقبل سيطرة جهة معينة على بناء الكنائس في مصر”!
 
 هذا هو بيت القصيد إذن، فإقرار قانون تنظيم بناء الكنائس سيكون في هذه الأيام وقد نص الدستور على إقراره في دور الانعقاد الأول للبرلمان الذي أوشك على الانتهاء، وقد دعا السيسي “المجمع المقدس” برئاسة البابا للقاء، ولم تكن هناك شكوى ينقلها البابا، الذي استشعر أنه نجح في حملته بمجرد الدعوة تحت التهديد، وإن كان الأنبا بولا الذي حضر اللقاء تحدث عما في “بطن البابا”، فشكر السيسي على توجيهاته بسرعة انجاز قانون الكنائس، في رسالة لا تخطئ العين دلالتها بأن هذا هو الموضوع “جسم الأزمة”. وإنجاز القانون ليس هو الموضوع فوزير الشؤون القانونية المستشار مجدي العجاتي أكد أن الحكومة انتهت من مشروع القانون الذي سيقر خلال أيام، لكن من الواضح أن بعض مطالب للكنيسة لم تتم الاستجابة لها، فما هى هذه المطالب، وما هى الجهة التي رفض البابا في تهديده سيطرتها على بناء الكنائس!
 
 اللافت أن قانونا كهذا لم يعرض على النقاش المجتمعي، لأن إقرار شروط غير منطقية فيه بسيف الابتزاز الكنسي، سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان الطائفي، فالبابا ومجمعه المقدس يستطيعون إخضاع السيسي باعتبارهم أصحاب فضل في كونه رئيس مصر الآن، بحسب تصريحات “مرقص عزيز”، لكنه لن يخيف المجتمع أو يخضعه لثمار الصفقات المحرمة وطنياً، بين رأس الكنيسة ورأس الانقلاب العسكري!
 
 ما علينا، فقد بدا كثيرون كالأطرش في الزفة، وهم يساقون لمعركة استباحة القانون، ولم يعلموا أن الهدف هو المزيد من الاستباحة عندما يصبح البابا هو “ولي أمر المسيحيين”، وإذا بالمعنى الحقيقي في “بطن البابا”، التي هي كبطن الشاعر تضمر الكثير من المعاني لأبياته غير ما يتصورها الناس!
 
 إن مصر تدفع من لحم الحي ومن تماسكها الوطني ثمن افتقاد عبد الفتاح السيسي للشرعية!

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.