"قبيلة" الإخوان المسلمين!

سليم عزوز يكتب لـ عربي21: “قبيلة” الإخوان المسلمين!

لم يكن تصريحه أنه سينتخب عبد الفتاح السيسي لو ترشح لولاية ثانية، هو التصريح الأخطر للإخواني المتقاعد “مختار نوح”، منذ اصطفافه مع حكم العسكر ومن أقام المجازر في مصر، فقد سبق هذا التصريح تصريحات أدهشت الناس، لكونها صادرة من واحد كان ينتمي للجماعة، فلم يجد في إهدار الدماء، وفي التنكيل بإخوانه السابقين ما يحفزه على رفض الحكم العسكري، وينضم لهيئة الدفاع عن ضحاياه من الإخوان ومن غيرهم، لاسيما وأنه يؤمن بأن المحاماة رسالة نجدة، وهو ما قاله لي وأنا أحاوره عن أسباب قبوله، وهو الإخواني، الدفاع أمام النيابة في عهد مبارك عن الشيخ حسن شحاتة الشيعي الذي سب الصحابة وتطاول على أم المؤمنين عائشة، عندما سألته: هل هذا راجع لضخامة الأتعاب، التي ربما قدمتها دولة بعينها؟!
 
 فالأخطر هو تصريحاته المؤيدة للمجازر، وعندما تصدر الناصري “ناصر أمين” زميله في المجلس القومي لحقوق الإنسان المشهد ليبرر هذه الجريمة، خرج مختار نوح بتصريحاته المفاجئة، بأن “أمين” ومن معه لم يكونوا بالقوة المطلوبة، فزايد على “ناصر”، مقدماً خدماته للعسكر بأنه القادر على أن يحمل عنهم هذه الجريمة، لكن أحداً من أهل الحكم لم يلتفت إليه، لأنهم يعلمون أنه يسعى لتعويض ما فاته، من حظوظ الدنيا، فلا نجح في أن يحافظ على موقعه في الجماعة، ولا هو استطاع أن يكون شخصية مستقلة، بعد أن تجاوزه سامح عاشور بمراحل فصار نقيباً للمحامين، وهما كانا من أبناء النقيب السابق أحمد الخواجة بالتبني، الذي اخترع لهم مقعدي الشباب في مجلس النقابة، ورشحهما على قائمته الانتخابية التوافقية: حيث نوح من شباب الإخوان، وسامح من الشباب الناصري، وعندما تمكن مختار نوح من الهيمنة على مجلس النقابة، بقوة الدفع الإخواني، كان سامح لا يزال يعلب في “حارة الخواجة”، ولا قيمة له خارجها!
 
 الخلاف بين مختار نوح والإخوان، ليس سببه أنه اختلف معهم في الفكرة أو التوجه، ولكنه اختلاف تنظيمي بحت، من جماعة تقلقها الشخصيات التي تدور حول نفسها، والتي يمكن أن تحقق “زعامة” خارج التنظيم، وعندما “تورمت” ذات “مختار نوح” وقال متورما: إنه السبب في الحضور الإخواني في نقابة المحامين، أرادت الجماعة أن تعطيه درساً لا ينساه، فسحبت منه هذا الملف، وأعطته لاثنين من المحامين الإخوان “البركة”، الذين ليس حضور على أي مستوى، وحصلت قائمة الإخوان على أعلى الأصوات، فالشعبية هى للجماعة، وليست لشخص، ولو كان هو مختار نوح بشحمه ولحمه، وكانت رسالة له لا تخطئ العين دلالتها.
 
 لقد صدر القرار بتجميد عضوية صاحبنا، فلم يكن أمامه إلا أن يرضخ له، وأذكر أنني عندما خضت الانتخابات البرلمانية في سنة 2005، أنني دعوته لمؤتمر بدائرتي الانتخابية فاعتذر، على أساس أن هذا من شأنه أن يغضب “الإخوة” وإن اقترح علي أن يكون معي في زيارتي للبيوت بالدائرة!
 
 كان واضحا أنه حريص على “شعرة معاوية” التي تربطه بالتنظيم، وليس مستعداً لقطعها، ثم جرت في النهر مياهاً كثيرة، فقد خاض الانتخابات على مقعد نقيب محامي القاهرة، وطلب من سامح عاشور أن يرد له الجميل، حيث كان من الداعين لترشيحه نقيباً للمحامين، ولأن سامح يعرف إمكانيات زميله على مقعد الشباب في “قائمة الخواجة”، وأنه يمكن أن يكون منافساً له في المستقبل، لأنه كالعفريت إن أمكنه تحضيره فلا يمكنه صرفه، فلم يرد له سامح الجميل، كما أن مختار لم يحظ بتأييد الجماعة في هذه الانتخابات، فكان طبيعياً ألا يحالفه الحظ، وأسرها في نفسه!
 
 وعندما قامت الثورة، وكانت الجماعة هى “الحصان الرابح”، وإذا بوجوه جديدة تتخطى الرقاب، وتجاوزت مرحلة مختار نوح ونجوميته التي خفتت مع الوقت، كنت تسمع له زفرات غضب، لها ما يبررها، لدرجة أنه وقف في الانتخابات الرئاسية مع الفريق أحمد شفيق، فقد كان يبحث له عن موضع قدم في هذا الزحام، لكن شفيق سقط، وظلت معارضة مختار “همهمات”، فقد أصابه ما أصاب أخوة يوسف، فلم يكن الدكتور محمد مرسي معروفاً على أي مستوى في وقت كان فيه مختار نوح ملء السمع والبصر، وفي برلمان 1987، كان أداؤه وأداء عصام العريان هو الأبرز، حتى بالمقارنة بأداء النائب، والمرشد العام في وقت لاحق، “مهدي عاكف”، وإن كان هناك فارق بين النجومية والقيمة، لاسيما في جماعة يقلقها النجوم!
 
 وإذا كان مثلي يتفهم غضب “مختار” وحنقه على الجماعة، فلا أستوعب أن يكون هو هذا الشخص بعد الانقلاب العسكري، ليس من حيث تنكره للثورة وللديمقراطية، ولكن في أن يكون عونا للقاتل، ولا يكترث بالدماء التي سالت على يد عبد الفتاح السيسي، فيستدعي فتوى بني أمية، وقول الرسول عن الحسين عليه السلام يؤرق وجدانهم: “تقتله الفئة الباغية”، فوجدوا العزاء في فتوى فاسدة: “قتله من أخرجه”!
 
 لم تكن قضية الديمقراطية تشغل “مختار نوح”، فلم يكن من دعاتها أو المبشرين بها، ولم يكن له حضور في الثورة. فهو في مجمل أداءه في نقابة المحامين كان “ابن التنظيم”، ولهذا كان يحارب وجود تنظيمات دينية أخرى داخل النقابة، مثل جماعة المحامين الإسلاميين، وكان يرفض اعتماد دعوتها لمؤتمرات لها، وعندما دعت هذه الجماعة الدكتور عمر عبد الرحمن لمؤتمر بالنقابة العامة بالقاهرة، رفض مختار نوح، ووافق على دعوته النقيب أحمد الخواجة!
 
 وفي الحقيقة، فإن الموقف من الديمقراطية لا يعني كثيرين في مصر، مثل تيار اليسار، لكن المدهش في موقف “نوح” أنه لا يجد في إراقة الدماء ما يؤرق ضميره، ولا يجوز شرعاً أن يشارك المرء في قتل إنسان ولو بشطر كلمة!
 
 وعندما يقول “مختار نوح” من “الباب للطاق” وبدون مناسبة أنه لو ترشح عبد الفتاح السيسي (قال الرئيس) لدورة ثانية فسوف أنتخبه ولو ترشح ضده الجن الأزرق، فإننا نكون أمام خلل في الشخصية الإخوانية بحاجة إلى البحث عن أسبابه، لاسيما وأن “نوح” هو تعبير عن حالة، تضم “ثروت الخرباوي”، و”كمال الهلباوي” و”محمد حبيب”، والأخير حال صوت واحد دون فوزه بمقعد المرشد العام للجماعة، التي شغل موقع نائب المرشد العام فيها لسنوات، وعندما استقال لم يهاجم التنظيم وإنما هاجم الفكرة، وانتقل بهجومه إلى “حسن البنا” رأسا!
 
 من قبل شغلني أحد الزملاء الإخوان، الذي غادر الجماعة لخلاف بينه وبين رئيس تحريره الذي كان يتلقى تمويلاً من الجماعة في مرحلة الاستضعاف، وقد ظن أنه عندما يختلف فينبغي للجماعة أن تقطع علاقته فوراً بالجريدة، وعندما بدأ التمهيد للانقلاب، كنت أرى أن الثورة هى المستهدفة، وأن الديمقراطية هى التي ستوجه لها الطعنات، وإن بدا الإخوان هم الهدف، وناقشني كثيراً فقد كان يرى الإخوان هم رأس كل خطيئة، ومبعث كل الشرور، وكنت أتعجب أنه لا يزال يحمل كل هذا الحقد رغم مرور أكثر من ربع قرن على أزمته!
 
 وأدركت لاهتمامي بدراسة علم الأنثروبولوجيا، أنه لفهم هذه الحالة لابد من دراسة الإخوان ليس من منطلق العلوم السياسية ولكن دراستها من حيث كونها “قبيلة”، فالإخوان ليست الجماعة الإسلامية مثلا، التي لا تنشأ قبيلة موازية لقبيلة الفرد، أو أسرة بديلة، وفي القضايا الخلافية، يظهر تيار “الصعايدة” و”البحاروة”، وعندما اجتمعت الجمعية العمومية للجماعة بعد الثورة لتأخذ موقفاً من الذين قادوا الجماعة في طريق المسالمة لنظام مبارك، فتتمكن من إسقاط أميرها “كرم زهدي”، ومع ذلك تفشل في إسقاط “المنظر” لهذه المرحلة “ناجح إبراهيم” وعندما تسأل عن السبب يقال أن أبناء بلدته “ديروط” بمحافظة أسيوط احتشدوا لإنجاحه رغم أنهم مع الثورة!
 
 لم تتمدد جماعة الإخوان في الصعيد، الذي ظل عقدتها، وكما قال لي “عصام العريان” إن عدم قبول كثيرين من أبناء الحركة الإسلامية الانضمام للإخوان هو حالة نفسية، وعدم التمدد لم يمكننا من معرفة الحال الذي سيكون عليه الأمر لو كان للصعيد حضوراً داخل جماعة الإخوان!
 
 ومهما يكن فالإخوان المسلمين هم “قبيلة”، وفي النسق القبلي التقليدي أنه يمكن لقبيلة أن تطرد أحد أفرادها خارجها إن خالف تقاليدها فتحدث مقاطعته، فإن هذا ما يحدث من قبل “القبيلة الإخوانية” فيجد المرء نفسه قد فقد مجتمعه كاملاً، وتجري المقاطعة على نحو يجعله وحيداً، وستكون الكارثة مضاعفة والحصار أكثر إحكاماً لو كان متزوجاً اخوانية من أسرة اخوانية، وكانت هذه أزمة زميلي، لقد طلقت زوجته، وعندما كبر أبناؤه كانت الحملة لتشويهه أمامهم!
 
 وليست هذه الحالة تسري على الجميع، لكن من المؤكد أن شعور شخص كمختار نوح وكمال الهلباوي وغيرهما أنهما كالمنبت الذي لا أرضا قطعا ولا ظهراً أبقى هو ما يعزز شعورهم بالمأساة، فلا تمكنوا من أن ينجحوا بعيداً عن الجماعة، ولا احتفظوا بمقاعدهم داخلها لينعموا بلحظات انتصارها، ثم إنهم يشعرون بمرارة المقاطعة!
 
 وإن كانت المأساة الحقيقية في أن يذهبوا بعيداً حد التجرد من إنسانيتهم فيتجاوزوا سفك الدماء، ويبرروا القتل، ويشمتوا في المقتول، فإن ذلك يطرح هذا السؤال: ماذا تفعل الجماعة في أعضائها لدرجة أنهم عندما يغادروها يصبحوا بهذه القدرة على ممارسة الإجرام ولو نظرياً؟!
 
 لقد ترك “هيثم أبو خليل” الجماعة، وعندما وقع الانقلاب وقف ضده ولم يتجرد من إنسانية، لكن يظل “أبو خليل” استثناء لا ينفي القاعدة.
 
 فماذا يحدث داخل جماعة الإخوان ليتخرج منها أناس بهذه القسوة؟، ولم يكن للرأي العام أن يرى قسوتهم إلا عندما تفصلهم الجماعة أو يستقيلوا منها، وإذا كان ما بين “محمد حبيب” وكرسي المرشد صوتا واحداً فإن المرشد العام عمر التلمساني تنبأ لمختار نوح أنه في “ظرف” عشر سنوات إن لم يكن نقيباً للمحامين فسوف يكون المرشد العام للجماعة!
 
 تُرى ماذا لو استمروا في الجماعة ولم نعرف حدودهم؟.. وتُرى كم في الجماعة من هو مثلهم لكن استمرارهم في التنظيم يمثل ستر وغطاء على طبيعتهم؟، وماذا يحدث هناك يكون سبباً في كل هذه التشوهات؟!
 
 إن الإخوان كـ”قبيلة” قضية جديرة بالدراسة!

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.