كنائس بلا صلبان!

سليم عزوز يكتب لـ عربي21: كنائس بلا صلبان!

هكذا أفراح الزواج دائماً؛ تنتهي بأن تذهب العروس للعريس، ليتبين عند هذه النهاية، أن الجري كان للمتاعيس. وفي حالتنا فبعد حرب ضروس، خاضها البعض ممن ينتمون للقوى المدنية، دفاعاً عن الحق في بناء الكنائس، ورفع الصلبان عليها، أصدر المجمع المقدس، التابع للكنيسة الأرثوذكسية في مصر، بياناً أعلن فيه أن الحكومة مشكورة وافقت على كل مطالب الكنيسة لتعود العلاقة بينهما مرة أخرى، “صافي يا لبن .. حليب يا قشطة”!
 
 قبل عودة الوئام، كنا قد شاهدنا حالة من الابتزاز لسلطة الانقلاب، من قبل الكنيسة، لم تبدأ بهجوم قس متمرد على عبد الفتاح السيسي ووصفه بأن الأسوأ من بين رؤساء مصر، ولم تنته بحملة الهجوم والسخرية على السلطة الحاكمة لأنها بلغ بها الغباء حد أنها حظرت أن يتم رفع الصلبان على الكنائس، وهو ما أثار غضب كثيرين من غير المسيحيين، تعجلوا ونددا بهذا النص غير المسبوق، وأشبعوه سخرية، دون أن يكلفوا أنفسهم مهمة قراءة مشروع القانون الذي أعدته الحكومة للوقوف بأنفسهم على وجود هذا النص، بدلاً من تحويلهم لمادة للسخرية في برامج “التوك شو” بفضائيات الانقلاب، كما فعل “أحمد موسي” مع الدكتور “عصام حجي”، ويبدو أن الأخير سخر من ذلك، قبل أن يواجهه الأول بأنه لا وجود لهذا النص؛ المانع لرفع الصلبان على الكنائس، وبشكل يوحي أن “حجي” يتحرك بدوافع الغرض، وقديما قيل إن الغرض مرض، ولاسيما وأن الإعلام الموالي للانقلاب لم يجد ما يبرر به فشل الحكم إلا الإدعاء بأنه محاصر اقتصادياً، وأن واشنطن التي يعمل فيها “عصام حجي” هى من تحاصر السيسي الذي قضى على الإخوان حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، إلى غير هذه الترهات!
 
 لأني قرأت مشروع قانون “تنظيم بناء وترميم الكنائس”، فقد هالني الأكذوبة التي تم الترويج لها على نطاق واسع، بوجود نص في أحد مواد المشروع يحظر رفع الصلبان، مع أنه لا يوجد نص بهذا الشكل، وكان رأيي أننا أمام حملة ابتزاز، تستهدف الحصول على مكاسب في القانون، لا يمكن الجهر بالمطالبة بها، فالإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، فكانت حملة حظر الصليب في القانون. والابتزاز كان منذ اللحظة الأولى، لحمل سلطة الانقلاب على إقرار القانون!
 
 قانون تنظيم بناء الكنائس”، هو من القوانين التي نص (دستور 2014) على ضرورة أن ينتهي منها البرلمان، في دور انعقاده الأول، الذي من المفترض أن ينتهي بنهاية هذا الشهر، مثل قانون العدالة الانتقالية والمصالحة والقوانين المكملة للدستور، وما إلى ذلك، وقد جاء نص المادة (235) من الدستور على هذا النحو: “يصدر مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية”. وهو نص جاء مجاملة للقوم على دورهم في الانقلاب، فلم يعد سراً أن الكنيسة حشدت أتباعها للتظاهر في 30 يونيو 2013، كما حشدتهم لتفويض قائد الانقلاب للقيام بالمذابح التي ارتكبها!
 
 ومن الواضح أن القانون لم يكن ضمن أولويات السيسي، بجانب غيره من هذه القوانين، فلم يكن متحمساً لإقراره الآن، مكتفياً بكسب المسيحيين بمعسول الكلام، فضلاً عن أنه بالنسبة للمسيحيين يعد خيارهم الأفضل، بعد أن وضعوا كل رهانهم عليه، وهم من أوائل المضارين من سقوطه، لاسيما إذا سقط بثورة، لن تكون متسامحة كثورة يناير، ولا يعلم إلا الله ما هي حدود المظلومين في الانتقام من الظلمة ومن انحازوا لهم!
 
 ويبدو أن المسيحيين كانت لهم حسابات مختلفة، فكان الغضب الذي بدأ يتصاعد، حتى تم التهديد بالتظاهر ضد السيسي أمام البيتالأبيض، وأعلن البابا أنه قد يفقد إزاء حالة الغضب هذه القدرة على السيطرة على المسيحيين، وكان المعلن هو حادث الاعتداء على البيوت التي جرى تحويلها إلى كنائس بالمخالفة للقانون!
 
 النشطاء المسيحيون، استغلوا جهل المسلمين بتعاليم الكنيسة وتقاليدها، في ترويج لمشهد أن التطرف الديني ضدهم وصل إلى حد الاعتداء عليهم وهم يمارسون الصلاة، ولأن هناك من يعتبرون أن الدفاع عن القضايا المسيحية دليل على استنارتهم الفكرية، فقد هبوا ينددون بهذا التطرف الوهابي الذي لم تكن تعرفه مصر المتسامحة قبل هبوب رياح الوهابية قادمة من صحراء نجد، وهي معركة مهمة ضد خصهم السياسي، فكل يغني على ليلاه، ولم ينتبهوا إلى الغاطس في الماء من هذه القضية، وهو أننا أمام مخالفة للقانون، فالمسيحي غير المسلم، والأخير جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، في حين أن الصلاة بالنسبة للأول تكون في كنيسة، وهذه البيوت التي تم تحويلها لكنائس تضع من حولها تحت طائلة القانون.
 
 وفي مواجهة التذاكي الكنسي، رد أهل الحكم عليهم بنفس الطريقة، فالسلطة القائمة، هى حائط الصد في مواجهة المتطرفين المسلمين، الذين يضيقون ذرعاً بممارسة المسيحيين لشعائر دينهم، وهم البديل المفزع في حال ما إذا سقطت هذه السلطة؛ ففزاعة البديل الوهابي مهمة هنا!
 
 كان هذا قبل التهديد بالتظاهر ضد النظام، والهجوم على شخص السيسي من قبل أحد القساوسة، ولأن مبروم على مبروم لا يلف، كما يقول المثل الشعبي، ولأن حرب التذاكي لا تفيد، فكان توجيه الهجوم ضد شخص عبد الفتاح السيسي!
 
 ومرة أخرى يحاول الحكم، أن يحسم المسألة بالدعاية، فكان أن تحولت لقاءات السيسي وخطبه في الكنيسة وحفاوة المسيحيين به، إلى مادة تتكرر إذاعتها وبثها في الفضائيات المختلفة، ومن التلفزيون المصري الرسمي، إلى قناة “أون تي في” الخاصة، من باب الذكرى دون جدوى. والتقى السيسي بالمجمع المقدس، وظل ما في القلب في القلب، وعند وصول المناورة لذروتها، أعلن وزير الشؤون القانونية المستشار مجدي العجاتي أن مشروع قانون تنظيم بناء الكنائس وترميمها أمام مجلس الدولة لمراجعته، ولم يكن هذا صحيحاً، وإنما كان تصريحا مهماً لوقف المناورة بعيداً عن الموضوع المستهدف!
 
 لقد أعلنت الحكومة أنها انتهت من مشروع القانون وأنه في طريقه للبرلمان لإقراره، وقال أباء الكنيستين: الكاثوليكية والإنجيلية أنه جاء وفق المتفق عليه، وأنه يرضيهما، لكن الكنيسة الأرثوذكسية روجت عبر النشطاء الذين ينتمون إليها أن القانون فيه نص يحظر رفع الصليب فوق الكنائس، فهل وافق الكاثوليك والبروتستانت على هذا النص؟!
 
 لقد تم حشد كثير من النشطاء السياسيين ممن يبحثون عن ساحة للنضال الآمن في سياق الهجوم على القانون والسخرية منه، فماذا يمكن أن يوضع أعلى الكنيسة؟ “علامة فودافون” ..كما قال أحدهم؟!
 
 كان من الواضح أن الكنيسة لها مطالب في القانون تتحرج من إعلانها، وفي المقابل فلأن السلطة فاقدة للمصداقية فإن تأكيدها على عدم وجود نص مانع لرفع الصلبان، لم يجد آذانا صاغية، وبعد أن تم شغل الرأي العام بالأمر، تم إعلان مشروع القانون وعليه بعض الإضافات، وأعلن المجلس المقدس أن “مشروع القانون” تم كما أرادته الكنيسة، ولا نعرف ما هي المطالب التي كانت تريدها الكنيسة، لكن مشروع القانون احتوى على نصوص، مثلت تمييزاً لصالح بناء الكنائس، فخرج بها عن كونها دار عبادة، بها مجمع للخدمات، لأن تكون بالإضافة إلى هذا فندق لإقامة “المتغربين والمسنين والمرضى وذوي الإعاقة”، وهى كلها أمور ليست مقررة للمساجد!
 
 وهو أمر وإن مثل تمييزاً لصالح المسيحيين المصريين مخالفاً للدستور الذي يحظر التمييز بين أبناء الشعب، وهو حظر رددته الدساتير المصرية جميعيها، فإنه يكرس من عزلة المسيحيين، ويعزز من كونهم طائفة ينبغي أن تلتف حول قياداتها الدينية، بما يسهل توجيههم لصالح سلطة الحكم، وليكونوا جزءاً من حسابات أي مستبد يحكم مصر، وهو ما يعد أحد التحديات التي تواجه قضية التحول الديمقراطي!
 
 ولعل هذا يقودنا إلى سؤال حول الأسباب التي جعلت عبد الفتاح السيسي لا يبدو متحمساً لإقرار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس، بما أثار كل اللغط الذي شغلونا به، عن قضايا مهمة، ومن أول التفريط في الأرض، إلى الفشل الاقتصادي، إلى الخيانة الوطنية في موضوع سد النهضة، إلى العمالة للعدو التقليدي للأمة العربية، لاسيما وأن المسيحيين جزء من حسابات السيسي، عندما يأتي ليتعرف على من بقي معه من الأنصار!
 
 السبب في كل هذا أن قائد الانقلاب العسكري يريد أن يجعل من قضية بناء الكنائس ورقة يناور بها مع الكنيسة بين الحين والآخر، فيضمن انحيازها له، فظن بذلك أنه مبارك الذي كانت لديه أوراقا للعلب مع أن البابا شنودة كان معه بالباع والذراع، فات السيسي أن الظروف تغيرت، وأن الكنيسة ترى أنها شريك له في الحكم، وأنه أصبح رئيساً بفضل انحيازها له، فهو ليس مبارك إذن!
 
 ما علينا، فقد انتهت الأزمة فالعروس للعريس والجري للمتاعيس.. أكثر الله من أمثالهم!

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.