حديث المنقلب حول الفقر والفتنة

سيف الدين عبد الفتاح يكتب لـ عربي21: حديث المنقلب حول الفقر والفتنة

يطل علينا كل فترة المنقلب بطلته القبيحة وبكلامه السخيف ليعبر بفائض كلام وبأوصاف ترد على لسانه للشعب المصري في محاولة منه لحديث إثبات الوجود وملء مساحات الكلام من دون معاني ذات قيمة إلا أن يتفوه بمفردات هي بالضد مما يحقق بفعله على الأرض، كلامه في جهة وأفعاله في جهات أخرى، فجوات بين الفعل والقول، يحاول المنقلب بتناحة منقطعة النظير أن يمرر الكلام بشكل أقرب ما يكون إلى عملية استخفاف كبرى لعقول الناس، وكأنه بذلك يحاول من كل طريق أن يقلب الأمور متحدثا بكلام عكسي يؤكد فيه المرة تلو المرة أن انقلابه لم يكن فحسب اغتصاب سلطة ولكنه انقلاب في الكلام والمعنى.
 
 يقول المنقلب أنه “فعل كل ما عليه ولكنكم لم تفعلوا ما عليكم”، هكذا في لغة استخفافه يعبر عما فعله بهذا الشعب من أنه قد أدى مهمته وانجز عمله من غير نقصان، وأن المقصر هو هذا الشعب الذي لم يقم بما عليه، وحجته التي يقدمها أنه قد صارح هذا الشعب أنه سيكون هناك “صعوبات كثيرة وحمولا ثقيلة عليهم أن يتحملوها من غير تململ أو شكوى”، حتى هذا الشاب الذي عقب ب “أن الناس صارت تعاني من فقر شديد” يرد عليه ضاحكا بتناحة المستخف، وبجاحة من لا يحس “يا تستحمل يا تسافر برة”، مرة أخرى يسود هذا الخطاب الذي حمله بعض أذرعته الإعلامية حينما أطلقوا صيحتهم “اللي مش عاجبه يغور”، هكذا تبدو اللغة في تحد شديد لحال هؤلاء الناس ومعاناتهم في تدبير معاشهم وسد رمقهم، ليس لديهم إلا أن يتحملوا بينما يمارس هو مزيدا من ضغطه واستخفافه في جهة الناس من فقراء، بينما يعطي المرة تلو المرة لسدنته وخدامه، يفيض عليهم بعطاءاته، فيتنعم هؤلاء وغيرهم في فقر مقيم وضنك شديد. 
 
 ماذا أنجز هذا المستبد حتى يمُن على هذا الشعب بأنه قد أدى كل ما عليه، ويتهمهم بأنهم لم يأدوا ما عليهم؟! قتل منهم من قتل واعتقل منهم من اعتقل، وصادر أموال من صادر، وطارد منهم من طارد، وروع وفزع ما أراد، ولوح ببطشه وطغيانه ما استطاع، وأوحى إلى أجهزته أن تفعل ما تشاء من غير أدنى حساب أو عقاب، واتخذ هؤلاء من لغة السلاح لغة لتعاملهم يقتلون من شاءوا ويختطفون ويعذبون، ويقومون بكل ما من شأنه أن يفرضوا سطوتهم الباطشة بعد أن مكنوا لدولة الأمن البوليسية ودولة الفاشية العسكرية، ما الذي أنجزه إلا مشاريع وهمية يباهي بها ويتحدث عنها وكأنها حقائق واقعة، يكذب ويطالب الشعب بالتصديق، يستخف ويطالب الناس بالطاعة والانقياد، يعاملهم كالقطيع ويلوح لهم تارة بالتفزيع وتارة أخرى بالتجويع، هذه هي لعبته، لعبة الاستخفاف الكبرى في الخطاب وفي الفعل، فلماذا لا يمن عليهم بما أنجزه في حقهم؟! ولماذا لا يطالبهم بكل بجاحة بمزيد من التحمل والصبر ؟!
 
 يأتي بعد ذلك قوله الذي يذكرنا بوصف هذا الشعب في تسريبات قام بها أحد سدنته وخدمه “اللواء عباس كامل” مدير مكتبه حينما وصف هذا الشعب “الشعب الجعان المتنيل بنيلة” إنه يواصل ذلك الوصف، يلقي على مسامعهم أنهم ليس فقط بالفقراء ولكنهم “فقراء أوووي أووووووي” ليعبر عن واقع أليم يلقيه على مسامعهم من باب الذم ولا يعرف ـ أو يعرف ـ أنه هو من وعدهم الفقر، “الشيطان يعدكم الفقر”، وهو من قام بسياسات ممنهجة بالإفقار في بر مصر، حين ارتفعت الأسعار وافترس الغلاء عموم الناس، وحينما عوم جنيها أدى إلى غرق الناس في همومهم وفقرهم والتحايل على تدبير معاشهم وضروراتهم.
 
 عبر بذلك عن حال الفقر وكأنه يعايرهم بها، وهو القائل من قبل أنه لن يسمح لأحد أن يعاير المصريين بفقرهم فكان هو أول من عايرهم رغم أنه كان من أبرز مصادر فقرهم وإفقارهم بسياساته القميئة وأفعاله القبيحة، مرة أخرى إنه “الشعب الجعان المتنيل بنيلة”، نظرة دونية للشعب يمارسها هؤلاء العسكر مروعين هذا الشعب بالسلاح وومدبجيبن حالهم بالتجويع، هذه سياسة المنقلب مع شعبه، يفقره ويعايره، يستخف بهمومه ويطالبه بالتحمل والصبر، يفيض على من أراد ويصدع بالكلمات في وجه الشعب “مش قادر اديك … مش مش عايز” هذه سياسات المنقلب تصدر للناس فقرا على فقرهم وتجعلهم في حالة تغرقهم في بحور همومهم وتدبير أبسط احتياجاتهم.
 
 وها هو المستبد المنقلب يتحدث عن أهل الشر كل مرة وهو في حقيقة الأمر صانع الشر ومحرض الأشرار وممكن لصناعة الكراهية بين الشعب بعضه وبعضه، يمارس كل ذلك ثم يقول لهم إن هناك من يزرع الفتنة فيما بينهم وبين دولتهم وبين جيشهم وبين شرطتهم، يوهم الناس بأقوال وأفعال وهو أول من يزرع الفتنة ويصنع الفرقة ويبدد الوحدة وينال من تماسك الجماعة الوطنية، يحرك كل مكامن الفتنة بإعلامه القميئ، وفعله القبيح، الفتنة هو موقظها، بل هو صانعها، يقوم بكل أمر يؤدي إلى تمزيق أوصال أهل الوطن طالما كان ذلك يحافظ على سلطانه ويمكن لطغيانه ويثبت كرسيه، هذا هو شأنه، كشأن كل المستبدين صناعتهم الفرقة التي يمّكن لها وينشرها، والفتنة يروّج لها ويزرعها ثم بعد ذلك يحذر عموم الناس من الأشرار ومن الفتنة!!. 
 
 هذا هو نهجه وديدنه، يقلب الكلام ويصدر من فائض القول ويدبج من زخرف اللفظ، ولكنه يقلب المعاني، ويستخف بالناس ويطالبهم بمزيد من التحمل والانقياد، ما بال هذا المستبد يمارس كل أنواع طغيانه على شعبه ويحاول أن يجعل من مؤسساته أدوات لخدمته في مواجهته، صنعته الخيانة، وفعله الغدر، وسياساته الفقر والإفقار، وأساليبه الفتنة والفرقة، استراتيجية متكاملة، وحينما يقول البعض أنه أتى حتى يصنع خرابا للوطن وإفقارا لأهله وقتلا وتبديدا لطاقاته، فإننا لا نتزيد أو نبالغ ولكن المشاهد لكل الأرقام اقتصادا اجتماعا وقهرا وانتهاكا لحقوق الانسان يؤكد بكل هذه المعاني ويؤكد خطاب الاستخفاف الذي يطلقه المستبد مستخفا مستبدا.
 
 إن هذا الأمر لا يمكن بحال أن يستمر على هذا النحو، وأن سياسات الخداع والاستخفاف لا يمكن أن تنطلي على شعب قام بثورة يناير ، وهنا أقول لعموم الناس وشعب مصر إن علينا أن نرد عليه ونرد عليه استخفافه، نعم فعلت كل ما عليك، وتتهم هذا الشعب بأنه لم يفعل ما عليه، نعم لم نفعل ما علينا!!، وعلينا أن نقوم بكل ما يمكننا لمقاومة هذا السخف ومواجهة هذا الاستخفاف والعمل على كسر هذا الطغيان وإنهاء هذا الانقلاب وإلا لكنا فعلا من قصرنا في حق أنفسنا وفي حق الوطن وفي حق مصر، لابد من أن نرد عليه الصاع صاعين ونؤكد له أننا حقيقة لم نفعل ولكن الفعل الثوري قادم وسنفعل، نواجه به خرابك وإفقارك وفتنتك، وسترحل غير مأسوف عليك.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.