أولياء أم أدعياء؟

شريف أيمن يكتب لـ عربي21: أولياء أم أدعياء؟

قبل ما يسمى بثورات الربيع العربي، كان التيار الصوفي في مصر تحديدا، غير معلوم للكثير من المصريين، حتى المهتمين بالشأن العام منهم، والصورة الذهنية المشَكَّلة عنهم سلبية في إطارها العام. 
 
 وعقب الثورة، ظهرت كل التكوينات المصرية بطبيعة عملية التدافع الاجتماعي عند وجود فرصة لتحسين وضع أي مكوِّن من مكونات المجتمع، وفي ظل وجود الإخوان والسلفيين، بدأ بروز طرف “إسلامي” جديد على الساحة لا يشترك في السياسة، ولكن يقتطع من رصيد الإسلاميين الذين شاركوا بالسياسة وأخطأوا كثيرا. 
 
 ولاقى المنهج الهادئ وغير المصادم للحياة قبولا لدى قطاعات متدينة نفرت من الممارسة السياسية تحديدا لباقي الإسلاميين، ثم تغير المشهد السياسي المصري في تموز/ يوليو 2013 وتغير معه هدوء “أهل الطريق” وكذا بُعدهم عن السياسة.
 
 أصبح أهل الطريق متورطين في صراع الدم، ويباركون أحد طرفيه دون تحفظ، وأصبح بعضهم يلقب رجلا شق طريقه بالدم والكذب والظلم والخداع بـ”سيدي السيسي” في إشارة روحية لظالم متجبر لا إشارة توقير. 
 
 وأصبح “بعض” أهل الطريق أو السادة يخالفون ما تربينا عليه في حلقاتهم الروحية والعلمية، ويبدو أن هناك من اختطفهم من عالم الأرواح ليلقي بهم في عالم الأشباح ومن حال الفناء لحال الأغْيار، ولن يكون عجيبا لو ظهر أن بدء الاختطاف كان منشؤه دولة الإمارات.
 
 ما تقتضيه المحبة أن نُذكّر بما تعلمناه وتلقيناه في مجالس النور والبركة، قبل أن تحل عليها آثار الدماء والظلم، ولا أنسب من الإمام عبد الوهاب أحمد الشعراني (898- 973هـ) السالك في طريقي الشريعة والحقيقة، الذي وضع كتابا أسماه “إرشاد المغفلين من الفقراء إلى شروط صحبة الأمراء” وكتب رسالة مختصرة منه ذكر فيها:
 
 * وكان الباعث لي على تأليفها ما بلغني من مزاحمة فقهاء هذا الزمان وفقرائه على مصاحبة الأمراء من غير معرفتهم شروط الصحبة، ولكن ذلك كله تصديقا لرسول الله في قوله: 
 “لا تقوم الساعة حتى يتغاير -أي يختلف- العلماء على صحبة الأمراء كما يتغاير الناس على النساء”.
 
 * وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول: ربما صحب طالب العلم الأميرَ وأحبه أشد المحبة مع شدة ظلمه للعباد والبلاد وكثرة ما يقع فيه من الفواحش (…) لأجل إحسانه إليه بالمال والجاه وإقباله عليه بالمحبة دون أقرانه، فليتنبه طالب العلم لنفسه ويخلص في الصحبة وإلا هلك في دينه.
 
 * وسمعت أخي أفضل الدين رحمه الله، يقول: إياكم أن تميلوا بالمحبة إلى أحد من ولاة هذا الزمان إذا أظهر لكم شدة الاعتقاد فيكم والمحبة لكم، وفتَّشوا أمره، (فربما كان مقصوده من صحبتكم أن تساعدوه في الولاية التي يطلب دوامه فيها أو الوصول إليها إن كانت في يد غيره، وأن تشاركوه في تبعة جميع المظالم التي تقع له في الدنيا والآخرة).
 
 * وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه الله يقول: لا ينبغي لشيخ أن يذوق شيئا من طعام الأمراء الذين يصحبهم، لأن طعامهم لا يسلم من الحرام والشبهات، غالبا.
 
 * وسمعته يقول: لا يجوز للفقراء في هذا الزمان أن يساعدوا أحدا في شيء من ولايات الظلم.. وكل فقير ساعد في ذلك فهو شريك لصاحب تلك الولاية في الإثم الحاصل له وفي “الخزي” الواصل إليه في الدنيا والآخرة.
 
 ما كتبه الإمام الشعراني ينبغي أن يُنظر إليه من جهة أنه من سادات الطريق، كما أنه فقيه شافعي كبير ومحدِّث، وهي أوصاف لا يمكن تجاهل قائلها، باعتباره من “الدراويش” الذين يكتبون بعيدا عن واقعهم. 
 
 كما أنه صحب أمراء عدة، كما بيّن ذلك في كتابه، وكان شديدا عليهم، ولا يقبل منهم هدية أو شَرْبَة منهم حتى لا تنحط قدرته على النصح، وتلك الصحبة ترفع مكانة ما سطره إذ أنه صادر من خبير.
 
 والشعراني ليس شاذا في نصحه للمتصوفة، إذ تزخر كتب الصوفية بذلك، ومن متأخريهم الحبيب عبد الله بن علوي الحداد (1044- 1132هـ) كاتب رسالة “المعاونة والمظاهرة والمؤازرة للراغبين من المؤمنين في سلوك طريق الآخرة”، وذكر فيها:
 
 * وعليك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنك،ر فإنه القطب الذي عليه مدار أمر الدين ولأجله أنزل الله الكتب وأرسل المرسلين (…) وإياك والمداهنة فإنها من الجرائم وهي أن يكون الحامل لك على السكوت الخوفَ من فوات مال أو جاه أو نفعٍ يكون لك من قِبَل المباشر للمنكر أو غيره.
 
 * واعلم، أن مخالطة أهل الشر ومجالستهم تغرس في القلب حب الشر وحب العمل به، وأيضا، فإن من خالط قوما وعاشرهم أحبهم ضرورة، سواء كانوا أخيارا أو أشرارا والمرء مع من أحب.
 
 * وعليك بالرحمة لعباد الله والشفقة على خلق الله، واحذر أن تكون فظا غليظا أو فاحشا جافيا، وعليك بجبر قلوب المنكسرين وملاطفة الضعفاء والمساكين. 
 وعليك بالحزن والاغتمام بسبب ما ينزل بهم من البلايا كالوباء (والغلاء) والفتن. واحذر أن تؤذي مسلما أو تسبه بغير حق، فقد قال عليه السلام: من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.
 
 * وإياك والظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة، لا سيما ظلم العباد، فإنه الظلم الذي لا يتركه الله. وعليك بالذب عن (دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم) في غيبتهم وحضورهم كما تذب عن نفسك في ذلك كله.
 
 هذه النصوص الحافلة بترهيب أهل الطريق الذين نُعتوا بالفقراء أو طلبة العلم، لا تكاد ترى لها أثرا في نفوس بعض السالكين اليوم، الذين ينسب لهم تلامذتهم الولاية، بل إنهم ملتصقون بسادة الظلم في كل البلاد العربية، التصاق محبة ونصرة رغم شرورهم البادية. 
 
 ولا تبدو منهم شفقة لمسكين أو ضعيف، بل يلعنون ويسبون المخالفين لحاكمهم ويجعلونهم كلهم في جانب واحد سواء حملة السلاح أو من اكتفى بالكلمة أو الاحتجاج السلمي، رغم أن واجبهم كما ذكر الإمام الحداد “التأليف بين قلوب المؤمنين وتحبيب بعضهم إلى بعض بإظهار المحاسن وستر القبائح، وإصلاح ذات بينهم. 
 
 فإن في الإصلاح فضلا يزيد على فضل النفل من الصلاة والصيام (…) وإياك وإفساد ذات البين… فإن ذلك عند الله عظيم”.
 
 وهم في التصاقهم بالحكام، رغم ما بدا منهم من جور يتذرعون بحال أهل سوريا، وكأن ما جرى في سوريا ليس من ولاية ظالم عليها لا يرقب في أحد ذمة، وتفاقم حالها وانتكس جراء توحد المستبدين من الخليج ومصر على نصرة حاكمها وتشتيت أمر شعبه وأرضهم، ومن هذين البلدين يتم تصدير التصوف في ثوب جديد إلا أنه مبتذل وبعيد عن أهل الطريق الذين لا يشغلهم عن الحق شاغل. 
 
 ولو كان ما جرى في سوريا بسبب مجرد الخروج على الحاكم، فكيف باركوا الخروج على حاكم آخر وإن أخطأ؟ 
 
 وكأن الخروج حرام على حكام الدم والنار، وحلال على غيرهم، ولم يخرج نكير من بينهم يصف ما جرى بمصر أنه خروج على حاكم شرعي بالسلاح.
 
 إن ما ندركه من أهمية منهج التزكية يدفعنا للحفاظ عليه من أذى بعض المنتسبين إليه، لا كلهم بالطبع، ولتبدو الفوارق بين صاحب الدين والولاية وبين المدعي لهما.

Show your support

Clapping shows how much you appreciated عربي21’s story.