ثلاث سنوات من المذبحة

شريف أيمن يكتب لـ عربي21: ثلاث سنوات من المذبحة

تمر ذكرى مذبحة معارضي الإنقلاب العسكري في مصر ووضع المعارضة أسوأ مما قبل المذبحة بمراحل كثيرة، ولا يبدو أن هناك ما تم الاستفادة منه بعد ثلاث سنوات من المذبحة رغم مرارة الجرح، وفداحة المصائب، لذا نحتاج للتذكير ببعض الملامح التي سبقت المذبحة وما تبعها؛ حتى نعالج أوجه القصور التي شابتها.
 
 كان الخطأ الأكبر هو التحالف مع مؤسسة تمتد جذورها لأكثر من مئتي عام، فتشبعت بمفهوم السيادة، وامتزجت معها باقي قطاعات الدولة، وتعززت تلك الصورة في عام 1952، وهذا الامتداد يقول أن أصحاب تلك العقلية لا يمكن تغيير ولاءاتهم بسهولة، وهذا الأمر تم تجاوزه من قبل الإسلاميين “أصحاب الخلاف التاريخي مع العسكر” وكذلك تجاوزه من استدعوهم للانقلاب على نظائرهم من المدنيين في عام 2013، وكِلًا الطرفين تعامَلا باستعلاء غير مفهوم ولا مبرر مع ناصحيهم بأن المؤسسة الأقوى لن تترك المجال لأحد، ولا توجد أي أمارة تظهر سبب الاستعلاء؛ فلا لديهم أدوات ضغط مقابل العسكر، ولا يوجد بينهم أذكياء يقدرون على إدارة العلاقة بين طرف ضعيف وآخر مدجج بالسلاح، فكانت النتجية سحق الجميع، وكان الدرس عدم التحالف مع هؤلاء على حساب المجتمع.
 
 أثناء الاعتصام حدثت محاولات لاحتواء الأزمة قبل تفجرها، لكنها باءت بالفشل لأسباب مختلفة كعدم الجدية في إرادة الاحتواء، وأيضا الاستعلاء بقدرة كل طرف على سحق خصمه، إلى أن حدث ما حدث، والجريمة التي ارتكبتها الدولة بالسلاح تلفت النظر إلى دور القيادات في الطرف الآخر، فقرار المواجهة كان قرارا أحمقا وغير مسؤول، وهو جزء من مشاهد ضعف القدرات الذهنية لتلك القيادات غير الأمينة على أفرادها وغير النزيهة بما بدا من صراعاتهم على سفينة غارقة، وأقل ما كان ينبغي فعله، إخراج النساء والأطفال والعجائز، وإبلاغ المعتصمين بما وصلهم من نية الدولة فض الاعتصام بالقوة، ولْيتحمل كل فرد قراره بالبقاء أو عدمه، خاصة وأن هناك تجارب سابقة تبدي مدى وحشيتهم في التعامل “الحرس، والمنصة” وأيضا العنف الذي حدث في مقابلة التظاهرات في القاهرة والمحافظات بالطبع هذا لا يعني التسليم بالأمر الواقع وعدم مواجهة ما حدث، لكن المقصود تقليل الخسائر، فالقيادات أمينة على أرواح أفراهم، والدرس هنا يتعلق بعدم الثقة في القيادات دون اختبار، وعدم صواب دخول مواجهات غير متكافئة كتلك.
 
 ما تشهد به الوقائع أن هناك من انفعل بسبب عنف الدولة المفرط فقام بحمل السلاح، ومثل ذلك التصرف مفهوم، وإن كان قبوله أمر آخر، لكن ما ليس مقبولا أو مفهوما أن يقوم تنظيم مدني بتوجيه أفراد بداخله لحمل السلاح، فكانت نتيجة حمله مع عامل عدم التكافؤ، زيادة القمع بصورة غير مسبوقة، وعمليات قتل عديدة خارج القانون، ولا يعني ذلك أن عنف الدولة كان مؤجلا لتلك اللحظة، بل هي التي قامت بقتل العشرات العزل أمام دار الحرس الجمهوري في البداية ولم تتوقف، لكن حالة الإجرام زادت بشكل غير مسبوق مع حمل السلاح.
 
 ما تحصّل من تلك الفترة أن حمل السلاح لم يردع بقدر ما شكّل ضغطا أكبر على الحراك، وربما ساهم في إفساده، فضلا عن أن النظم المستبدة تحتاج لوجود عنف “محدود” تبرر به قمعها وتستمد منه شرعيتها داخليا وخارجيا، ناهيك عن عدم التكافؤ بين الطرفين في استخدام السلاح، والمستفاد من ذلك عدم الدخول مع الدولة في مواجهة مسلحة.
 
 عقب فض رابعة ارتفع الغضب الشعبي ضد المذبحة، وكانت التظاهرات المعارضة لما جرى في يوليو محدودة عدديا، لكن الشوارع امتلأت بالمتظاهرين في مشاهد ربما أعادت كثافة حشود يناير 2011، ولم يتم البناء على الغضب الشعبي، وفي ظل تنامي حالة السخط ضد النظام الجديد دخلت المطالب في حالة صفرية “عودة الرئيس وتراجع الجيش / عدم عودته واستكمال خارطة الطريق”، ثم تحول الصراع كله لصراع صفري “إنهاء سيطرة العسكر / الإجهاز على تنظيم الإخوان”.
 
 إن الحالة الراهنة للصراع الجاري تشير إلى عدم نجاعة فكرة الصراع الصفري، والضرر الأكبر منه على الوطن بشكل عام، وعلى أفراد الأطراف المتخاصمة بشكل خاص، وحجم الدماء التي أريقت -ولا تزال- تؤكد حتمية التفاهم للوصول لحل ينهي ذلك الصراع، وهو أمر يحتاج لشجاعة في التوجه إليه، وما ينبغي وضعه في الاعتبار أنه لا يمكن في لحظة نزع امتيازات “سياسية واقتصادية” لمؤسسة قابضة على كل المقدرات، ولكن يمكن التفاهم حول بعضها، بالمقابل أثبتت التجربة عدم إمكانية نجاح سياسات منذ خمسين عاما، ومحاولة استئصال كاملة لتيار فكري مدني سلمي، ووجود هذا التيار وتنظيم كالإخوان المسلمين مهم في حماية المجتمع من الانجراف نحو العنف، وأحد مراحل الحل إخراج كل المتورطين -من جميع الأطراف- في الحالة الراهنة من المشهد الممهِّد للتهدئة والاستقرار.
 
 الصورة الوحيدة “غير المضمونة” لحصول كل طرف على مراده كاملا، هي إراقة آلاف الدماء وجر البلاد لاقتتال واسع مبني على الثقافة أو المهنة، وهو ما لا يريده أي طرف وطني، وكذلك أي طرف يريد أن يحكم أرضا لا قطعة خربة، ولا بد للجميع أن يتنازل ويخسر أرضا ليكون المكسب للوطن كله.
 
 دور التهدئة يحتاج للتواصل من النافذين في الأطراف المعنية، وما يُحكى في شمال سيناء -إن صحّ- عن ابتعاد جهاز المخابرات العامة عن الاحتكاكات العنيفة هناك يرشحها للقيام بمثل ذلك الدور؛ فإذا كانت التنظيمات المسلحة كداعش ترى عدم احتكاك هذا الجهاز بها، فلا بد أن التنظيمات السلمية أكثر قدرة على تفهم هذا، وكذلك إذا استطاعت هذه المؤسسة الوصول لصرفهم عن الاحتكاك بهم، فلا بد وأنهم أقدر على الذهاب لأبعد من ذلك مع تنظيمات مدنية، وتهيئة الأجواء لاستقرار سياسي واجتماعي، وما يبدو كذلك في المشهد المصري العام عدم تورطها في الصراع القائم بصورة كبيرة كباقي المؤسسات الأمنية أو السيادية، وهو دور يحتاج لتجرد كامل عن كل الأهواء وإعلاء المصلحة الوطنية فقط.
 
 طوال هذه السنوات الثلاث وما قبلها منذ ثورة يناير، مر الوطن ومرت التجربة الثورية بمراحل كثيرة وهزات عنيفة كانت تحتاج لاستلهام الدروس منها، لا إذكاء روح الانقسام والاستكبار السياسي على الأطراف الأخرى، وهو ما فقدته ما تُسمى بالنخبة المصرية، ولعل تلك المرحلة تكون بداية لتشكيل نخبة جديدة، تختلف مع بعضها دون الإخلال بقواعد الديمقراطية، ودون الرغبة في إفناء الآخر.

A single golf clap? Or a long standing ovation?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.