شهادة عما يحدث مع المختفين قسريا

شريف أيمن يكتب لـ عربي21: شهادة عما يحدث مع المختفين قسريا

في أول أيام عيد الفطر كتب الشاب إسلام خليل شهادة جزئية عن الاختفاء القسري، خصّ فيها الفترة المرتبطة بالعيد، باعتبارها أسعد لحظات العام عند الجميع، ولكن المختفين قسريا وربما من في السجون بشكل عام لا يشتركون معنا في الاحتفاء بتلك اللحظات، لأن مجرما في مكان ما قرر أن يحرمهم كل حقوقهم بدءا من إعلام أهلهم أنهم على قيد الحياة، انتهاء بتخفيف وطأة الإجراءات المتخذة ضدهم في مقار الاحتجاز.
 
 الشهادة حفلت بصورة بشعة لما يتم مع المحتجزين في مقر الأمن الوطني بوسط القاهرة، سواء كانوا مختفين قسريا أو محتجزين ومعلوم مكان احتجازهم، فالكل يشترك في المعاناة، إلا أن المختفين ربما يتم التعامل معهم بقسوة أكثر، إذ لا دليل على وجودهم في أي مكان، وما حدث مع الإيطالي ريجيني يظهر حجم القسوة واللامبالاة في التعامل مع المختفين، قبل أن أنقل الشهادة أشير فيها إلى أمر واحد، وهو أن المحتجزين في ذلك المكان البشع لا يتمنون شيئا سوى الخروج منه ولو كان إلى السجن “مقر احتجاز رسمي ودخوله يحتاج لأوراق ثبوتية”، وقد نقلت الشهادة كما هي دون تدخل في محتواها بأي صورة سوى صياغتها بالفصحى حتى يفهمها أي مطلع عليها.
 
 يقول إسلام: الزمان: 17 يوليو 2015 “عيد الفطر” كان قد مر عليّ 50 يوما تقريبا بعد القبض علي وإخفائي.
 
 المكان: الطابق الثالث بمبنى إدارة الأمن الوطني في لاظوغلي.
 
 حتى تقدر أن تستوعب المكان تخيل معي هذا المشهد: الطابق عبارة عن ممرات وعلى جوانب الممرات مكاتب، قبل أن تقترب من الطابق ستشم رائحة عفن قوية، وبمجرد دخولك إلى الممرات ستجد أناسا كثيرين ملقون فيها، وكل واحد منهم عيناه مُغَطّتان، ويداه مربوطتان، وبعضهم رُبطت قدماه أيضا، وهناك أناس معلقون في حديد بالممرات أو في الأبواب، ولو فتحت أي مكتب ستجد أناسا آخرين على نفس الحال. رائحة العفن تزداد كلما دخلت بعمق الممرات أو المكاتب (رائحة عرق لأجسام لم تمسّها المياه ولا أدوات النظافة لشهور، رائحة دم وتقرحات) خليط من العفن المعتق. كل الأصوات التي يمكنك سماعها هناك هي مزيج بين صوت الصرخات من غرف التحقيق، وبكاء الأطفال الموجودين الذي لا ينتهي، وآهات من الموجودين في الممرات والمكاتب.
 
 في وسط كل هذا كنت من ضمن الذين احتُجِزوا في المكاتب، عيناي تم تغميتهما ويداي مربوطتان خلف ظهري، ولم أستحم منذ 50 يوما كلهم تعذيب، دم على جسمي وملابسي التي لا توصف بشاعة رائحتها. جروح في أكثر من مكان، وتقرحات في أماكن مشابك الكهرباء. ممنوع من الكلام والحركة. الأكل عبارة عن رغيف خبز في اليوم، والحمام مرة واحدة في اليوم وأحيانا لا ندخله، لا اسم لي فالنداء علينا يكون برقم.
 
 في هذا الوضع كل واحد منا كان يحاول حساب الزمن الذي مر عليه كي لا يُجنّ (عن طريق تغيير الورديات اليومية للحراسة، أو سؤال أي مسجون جديد، وهذا خطر لأن الحراسة إذا أمسكت واحدا وهو يتكلم مع من بجواره يجعلونه يقضي بقية اليوم معلقا من يديه، بالإضافة لجلسة التحقيق (التعذيب). في هذا اليوم عرفنا أنه يوم العيد من الحراس وهم يرشون علينا معطرا، لأن “الباشا” لا يريد شم رائحة سيئة في هذا اليوم.
 
 برغم كل ما نحن فيه -ومهما وصفته فلا يوجد إنسان سيستوعبه- بدأت أسرح بمخيلتي في أمور كثيرة وأعتقد أن بقية رفاق لاظوغلي كانوا يفكرون فيها: أهلي وأصحابي، وكيف يقضون عيدهم؟ هل لا زالوا يذكرونني؟ هل سيتمكنون من الفرح؟ هل توقفت الحياة بالخارج لأجل ما يحدث لنا أم لا يشعر بنا أحد أصلا؟ هل من الممكن أن يرحّلونا إلى السجن اليوم؟ أو يفرجوا عنا؟ هل سيكون التعذيب أخف في هذه الأيام؟ هل سيرفعون الغمامة أو يتركوننا نستحم؟ توقف تفكيري وأحد الحراس يقول لي: “تعال سأجلسك في مكان أفضل لأن اليوم عيد” تحركت معه وقام بفك الأصفاد من يدي اليسرى وعلق يدي اليمنى في الحديد، وقضيت بقية يوم العيد وأنا بهذا الوضع وصوت الصرخات في أذني من غرف التحقيق.
 
 21 سبتمبر 2015 كان ميعادي لأرى النور بعد 122 يوما من الإختفاء، وكان هذا قبل عيد الأضحى بيومين، قمنا مجموعة مع بعضها ووقفنا طابورا أشبه بطوابير الأسرى (أعيننا مغطاة وأيدينا مربوطة وكل واحد يضع يده على كتف من أمامه) وكان هناك طفل عنده نزيف ويموت ببطء جعلوه معنا وبعدها قالوا له: “أنت لن تذهب معهم” أغشي عليه من الفزع والخوف لأنه سيظل فترة أطول، برغم أننا لم نكن نعرف إلى أين سنذهب، لكن في كل الأحوال سيكون أفضل من وجودنا في لاظوغلي، وأنا في الممر قبل نزولي لركوب المدرعة واحد من الموجودين فيه أمسك برجلي وربت عليها وكأنه يقول لي لا تنسونا، أو كأنه يحاول أن يطمئني كما كنا هناك نفعل مع بعضنا.
 
 الوضع مأساوي لدرجة أن آلاف الصفحات والأيام لن تكفي الحكايات والكلام، وكل ما وصلكم عن الإختفاء القسري هو أقل القليل. برغم كل هذا عندي ثقة في كل المختفين قسريا أنهم سيكتشفون أن عندهم قوة هائلة لمواجهة التعذيب والألم والحفاظ على إنسانيتهم أو جزء منها للنجاة بها من هذا المكان، الجزء الذي يظل يذكر به حبيبته وضحكتها، وأصحابه “ولمّتهم” وخروجهم، وأسرته والمحبة التي فيها حتى وهو يُعذّب لدرجة خروج ابتسامة منه في وسط كل هذا.
 
 مع كل ذكرى أقول لأهالي المختفين وأصدقائهم: إياكم أن تنسوهم، احفظوهم في ذاكرتكم، واحفظوا ذكرياتكم معهم كلها، تكلموا عنهم في كل مكان، أنتم الأمل والقشة التي يتعلقون بها حتى يبقوا على قيد الحياة، لا تيأسوا مثلما هم غير يائسين ومتعلقين بالحياة برغم كل هذا لأجلكم، حاربوا وناضلوا لأجلهم واجعلوا لكل هذا قيمة.
 
 اليوم أنا أقضي العيد وسط أهلي وأصحابي من غير تغمية ولا تعذيب، لكن لا تزال روحي معلقة معهم هناك ولازلت أسمع صرخاتهم وآهاتهم وأفكر فيما يفكرون فيه هناك وأشعر بآلامهم على جسمي، وهذا ما جعلني أكتب قليلا عنهم اليوم برغم صعوبة هذا علي وعليكم.
 
 انتهت شهادة إسلام خليل، ولم تنته معاناة من في أقبية هذا النظام الأشد وحشية وإجراما في تاريخنا.

A single golf clap? Or a long standing ovation?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.